هل خفَّ ضجيج حملة مكافحة الفساد في العراق واكتفت بالخصوم وفقا للمحاصصة؟

قال معهد كوينسي إن الفساد في العراق يرتبط ببنية النظام السياسي وضعف تطبيق القانون - مكتب رئاسة وزراء العراق
قال معهد كوينسي إن الفساد في العراق يرتبط ببنية النظام السياسي وضعف تطبيق القانون - مكتب رئاسة وزراء العراق
شارك الخبر
بعد أيامٍ من حملةٍ وُصفت بالاستثنائية لمكافحة الفساد في العراق كان عنوانها "صولة الفجر"، خفَّ الضجيج وتنفس البعض الصعداء، وبات آخرون يتساءلون: ماذا بعد توقف الحملة عند هذا الحد دون أن تطال مراكز القوى الحقيقية؟

ورغم أن الحملة طالت أسماءً مهمةً لنواب وسياسيين متهمين بالفساد، لكن الحديث عن الاكتفاء بمن هم خلف القضبان سيضع رئيس الوزراء العراقي في موقف حرج أمام الشعب المتعطش لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب.

اظهار أخبار متعلقة


وفي وقتٍ يؤكد فيه الزيدي أن حملته ضد الفساد مستمرة دون أي استثناءات، تكشف مصادر عن ممارسة بعض الكتل السياسية ضغوطاً باتجاه التخفيف من زخم العملية، كما يؤكد محللون أن وزير الخارجية الإيراني دعا بغداد إلى تخفيف الإجراءات لحماية بعض قادة الإطار التنسيقي الحاكم.

ما بين العرّاب والزيدي

في هذا الشأن، شبّه معهد "كوينزي" الأمريكي للحكم الرشيد، حملة علي الزيدي بـ"لحظة مايكل كورليوني" في فيلم The Godfather، متسائلاً عما إذا كانت تمثل بداية لتفكيك منظومة الفساد في العراق أم أنها ستقتصر على إقصاء الخصوم السياسيين.

ولفت تقرير المعهد إلى سؤال مفاده: فيما إذا كان الزيدي سيصبح كورليوني، أي زعيماً يعزز سلطته من خلال القضاء على منافسيه مع ترك حلفائه من دون مساس، أم سيكون زعيماً مستعداً لتحدي النظام بأكمله، بما في ذلك أولئك الذين يقفون في القمة.

وأوضح التقرير أن الزيدي أطلق منذ توليه رئاسة الحكومة حملة استهدفت شخصيات في المؤسسة السياسية والإدارية، وشملت التحقيق في مليارات الدولارات من الأموال المشتبه بإساءة التصرف بها، وصولاً إلى شبكات مرتبطة بنظام المحاصصة.

حتى بين المتفائلين بشأن الحملة، هناك إجماع على أن الزيدي لا يمكنه الاكتفاء بتصفية الأفراد. عليه أن يقرر ما إذا كانت هذه الحملة تهدف إلى حماية نفوذه السياسي أم أنها تمثل محاولة جادة لتفكيك البنى التي سمحت للفساد بالازدهار.
 

النجاح مقترن بمحاسبة مراكز النفوذ

ورأى التقرير أن الفساد يرتبط ببنية النظام السياسي وضعف تطبيق القانون، مؤكداً أن نجاح الحملة لن يُقاس بعدد الملفات أو الشخصيات المستهدفة، بل بقدرتها على إصلاح النظام بأكمله ومحاسبة جميع مراكز النفوذ، لا الاكتفاء بإعادة ترتيب موازين القوة داخل النظام.

واستعاد معهد كوينزي، في تقريره الذي حمل عنوان "رئيس الوزراء العراقي يحتضن مايكل كورليوني الداخلي"، المشهد السينمائي الذي وصفه بأنه أحد أكثر المشاهد إقناعاً في السينما حول السلطة وتعزيز السيطرة، وكيف ينشأ نظام جديد من خلال تدمير النظام القديم.

ونقل التقرير عن الباحث في الكلية الأمريكية للبحر المتوسط، أبو بكر جامعي، الذي يتخذ من المغرب مقراً له، قوله إن "الفساد يأتي من غياب تطبيق القانون"، مضيفاً أن الفساد، في هذا السياق، يدعم تآكل سيادة القانون.

علي معموري، المستشار السابق لرئيس الوزراء العراقي، أكد أن الفساد في العراق ليس مجرد مسألة أفراد غير نزيهين، بل هو نظام مؤسسي متجذر في الأحزاب السياسية، ومؤسسات الدولة، وشبكات المحسوبية، وتوزيع الموارد العامة. ويتطلب استئصاله إعادة النظر في الاتفاق السياسي الذي يحكم العراق منذ عام 2003.

الحملة استبعدت الصف الأول

قال كاوا حسن، من مركز ستيمسون، إن هذا النظام السياسي هو "السبب الجذري للفساد" في العراق. وأضاف حسن: "لقد رسّخ هذا النظام استيلاء الأحزاب على السلطة ونهب الموارد العامة بشكل ممنهج، ومنذ عام 2003، مكّن الأحزاب السياسية من التعامل مع مؤسسات الدولة كمصادر للمحسوبية والإثراء".

ويخشى حسن أن الحملة الحالية تستهدف أعراض الفساد بدلاً من معالجة جذورها. ويقول: "لا يزال من المبكر الحكم على نجاح الحملة في نهاية المطاف. ومع ذلك، وبناءً على ما رأيناه، فقد استهدفت في الغالب سياسيين من الصفين الثاني والثالث فقط".

واستشهد التقرير بالتظاهرات التي اندلعت قبل أكثر من عقد من الزمن في عدة محافظات عراقية، تنديداً بالسياسات الحكومية ومدفوعة بالفساد ونقص الكهرباء والبطالة وسوء الخدمات العامة، حيث شكلت تحدياً للفرضية القائلة إن الشيعة سيدعمون النخب السياسية الشيعية تلقائياً.

إلا أن الهوية الدينية المشتركة أثبتت أنها غير كافية عندما كان المواطنون يواجهون درجات حرارة تصل إلى نحو 50 درجة مئوية، من دون كهرباء دائمة أو خدمات أساسية، حيث سأم المواطنون الإصلاحات التجميلية والترقيعية من دون معالجة المشكلات الهيكلية المتجذرة.

وبحسب التقرير، فإن نهج السوداني مختلف بشكل ملحوظ، موضحاً أنه يبدو مستعداً لمواجهة التحدي المتمثل في إصلاح نظام سياسي يقوم على مكافأة السياسيين العراقيين بالمناصب بسبب خلفياتهم العرقية والطائفية.
 

فشل نظام المحاصصة 

وتابع التقرير أنه بينما تستهدف حكومة الكاظمي منافسيها السياسيين، فإنها واجهت أيضاً ضغوطاً من "مصرفي بغداد" أي المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك، الذي كان يطالب بوضع جدول محدد لإنهاء ملفات الفساد ونزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران.

اظهار أخبار متعلقة


وطبقاً لتقرير المعهد الأمريكي، ليس هناك شك في أن الاستخبارات الدولية وآليات الرصد المالي لعبت دوراً ما في كشف الشبكات المالية غير المشروعة في العراق، إذ من الصعب نقل أكوام الدولارات الأمريكية من دون أن تترك أثراً.

لكن التقرير اعتبر أن التحدي الأكبر الذي يواجه الكاظمي هو أن الفساد مدمج في بنية الدولة نفسها، وأن نظام العراق يشبه نظام المحاصصة الطائفية في لبنان، موضحاً أن هذا النموذج صُمم لمنع تجدد الصراع من خلال ضمان التمثيل، لكنه فشل إلى حد كبير في تحقيق حوكمة فعالة.

التعليقات (0)