تقرير: "سي إن إن" تكشف إخفاقات استخباراتية أمريكية وراء قصف مدرسة ميناب في إيران

"سي إن إن": تحذيرات استخباراتية تجاهلها الجيش الأمريكي قادت إلى قصف مدرسة في إيران - جيتي
"سي إن إن": تحذيرات استخباراتية تجاهلها الجيش الأمريكي قادت إلى قصف مدرسة في إيران - جيتي
شارك الخبر
كشفت شبكة "سي إن إن" الأمريكية تفاصيل جديدة بشأن واحدة من أكثر الضربات الأمريكية انتقادا خلال الحرب الأخيرة مع إيران، مشيرة إلى أن كبار القادة العسكريين في الولايات المتحدة تجاهلوا تحذيرات استخباراتية داخلية كانت تؤكد أن بيانات بعض الأهداف "قديمة للغاية"، الأمر الذي أدى إلى استهداف مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب جنوب شرقي إيران في شباط/فبراير الماضي، وأسفر عن مقتل 168 طفلة.

ونقلت الشبكة عن ثلاثة مصادر مطلعة أن القيادة العسكرية الأمريكية وافقت على تنفيذ عدد من الضربات رغم وجود تنبيهات واضحة داخل قواعد بيانات الاستهداف تفيد بأن المعلومات الخاصة ببعض المواقع لم تُحدث منذ سنوات، وأنها تحتاج إلى مراجعة قبل اعتمادها ضمن بنك الأهداف.

تحذيرات استخباراتية جرى تجاوزها

وبحسب المصادر، فإن قواعد بيانات الاستهداف العسكرية تضمنت رسائل واضحة تشير إلى أن المعلومات الخاصة بعدد من المواقع الإيرانية تعود إلى سنوات مضت، وأنها تتطلب إعادة تدقيق قبل استخدامها في أي عمليات قتالية.

وأوضحت المصادر أن إدراج أي موقع ضمن قائمة الأهداف كان يستوجب موافقة ضابط رفيع المستوى، إلا أن كبار القادة وافقوا على تجاوز تلك التحذيرات.

وأكد مصدران للشبكة أن قرار تجاهل التنبيهات اتخذ بدافع "السرعة"، في محاولة لتوفير أكبر عدد ممكن من الأهداف خلال الساعات الأولى من اندلاع الحرب.

وأشار المصدران إلى أن هذا القرار أدى بصورة مباشرة إلى الضربة التي استهدفت مدرسة "الشجرة الطيبة" في مدينة ميناب الإيرانية.

اظهار أخبار متعلقة



مقتل مئات الأطفال

ووفقا لوسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، أسفرت الضربة عن مقتل ما لا يقل عن 168 طفلا و14 معلما، في واحدة من أكبر حوادث سقوط الضحايا المدنيين المرتبطة بجيش الاحتلال الأمريكي خلال العقود الأخيرة.

وقال أحد المصادر لـ"سي إن إن": "المسؤولون العسكريون الأمريكيون علموا خلال أيام قليلة من قصف المدرسة كيف وقع الخطأ، وكان واضحا أن المعلومات الاستخباراتية المستخدمة كانت قديمة".

ورغم مرور أشهر على الحادثة، لم تنشر وزارة الحرب الأمريكية نتائج التحقيق الرسمي بشأنها.

من جانبه، قال مسؤول في البيت الأبيض لشبكة "سي إن إن" إن التحقيق لا يزال مستمرا. وأضاف: "كما ذكرنا سابقا، فإن الولايات المتحدة لا تستهدف المدنيين".

في المقابل، أحال البنتاغون جميع الأسئلة المتعلقة بآلية اختيار الأهداف إلى القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، التي امتنعت عن التعليق بدعوى استمرار التحقيق.

مدرسة تحولت إلى هدف

وكشفت الشبكة أن التحقيق العسكري الأولي أظهر أن المدرسة تعرضت للقصف في 28 شباط/ فبراير أثناء استهداف منشأة مجاورة تابعة للحرس الثوري الإيراني.

وأظهرت صور أقمار صناعية تعود إلى عام 2013 أن المدرسة وقاعدة الحرس الثوري كانتا ضمن مجمع واحد، بينما أظهرت صور التقطت عام 2016 إقامة سياج يفصل المدرسة عن القاعدة، إضافة إلى إنشاء مدخل مستقل لها.

كما بينت صور حديثة التقطت في كانون الأول/ ديسمبر 2025 عشرات الأشخاص داخل ساحة المدرسة، ما يشير إلى أنها كانت مستخدمة بشكل طبيعي قبل استهدافها.

وأوضحت "سي إن إن" أن الحرب اندلعت بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطلاق العمليات العسكرية ضد إيران، ما دفع المحللين العسكريين إلى محاولة تحديث آلاف المواقع في قواعد بيانات الاستهداف خلال فترة زمنية قصيرة. لكن المصادر أكدت أن العديد من السجلات لم تُحدَّث قبل بدء القصف.

وأضافت أن بعض المعلومات الاستخباراتية الخاصة بالأهداف الثابتة، ومنها منشأة الحرس الثوري المجاورة للمدرسة، كانت تعود لأكثر من عشر سنوات.

وقال أحد المصادر: "أعطى المسؤولون الأولوية للمواقع التي تشكل تهديدا مباشرا للقوات الأمريكية، مثل منصات الصواريخ والطائرات، أما المواقع الثابتة فقد اعتبرت أقل أولوية ولم يجر تحديث بياناتها في الوقت المناسب".

وأضاف: "كانت هذه هي الطريقة التي أعيد بها تقييم الأهداف بسرعة، عبر التركيز على ما اعتبر الأكثر خطورة على القوات الأمريكية".

اظهار أخبار متعلقة



أنظمة استهداف قديمة

وأشار التقرير إلى أن الجيش الأمريكي يستخدم حاليا نظامين رئيسيين لتحديد الأهداف.

الأول هو قاعدة البيانات المتكاملة الحديثة (MIDB)، التي أنشئت في ثمانينيات القرن الماضي وتعتمد بصورة كبيرة على الإدخال اليدوي للمعلومات.

أما النظام الثاني فهو منصة "MARS" الحديثة، المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي بدأ تشغيلها هذا العام بهدف استبدال النظام القديم.

لكن عملية الانتقال الكامل إلى النظام الجديد لا تزال متأخرة، فيما تعتمد غالبية بيانات الاستهداف الرسمية حتى الآن على قاعدة البيانات القديمة.

وأضافت المصادر أن أحد المحللين كان قد رصد تغييرات طرأت على موقع المدرسة عبر أداة استخباراتية رقمية منفصلة، إلا أن تلك المعلومات لم تكن مرتبطة بقواعد البيانات الرسمية المستخدمة في عمليات الاستهداف، ولم تصل إلى القادة العسكريين قبل تنفيذ الضربة.

وأكدت أن هذه الثغرة أصبحت أحد المحاور الأساسية التي يركز عليها التحقيق الجاري.

ترامب وهيغسيث دافعا عن العملية

وفي أعقاب الضربة، لمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى احتمال أن تكون إيران مسؤولة عنها، قبل أن يقول لاحقا إن تحديد المسؤولية قد لا يكون ممكنا.

أما وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث فأكد أن التحقيق سيكون "شاملا"، مضيفا أن الولايات المتحدة "حاولت بشتى الطرق الممكنة تجنب وقوع إصابات في صفوف المدنيين".

ونقلت "سي إن إن" عن عدة مصادر أن كبار مسؤولي البنتاغون مارسوا ضغوطا كبيرة على القيادة المركزية الأمريكية ومحللي الاستخبارات للإسراع في تجهيز بنك الأهداف قبل الحرب وأثناءها.

وقال أحد المصادر: "البنتاغون كان يضغط على الجميع للعمل بسرعة أكبر... لكن قيادة القيادة المركزية لم تعترض أيضا على ذلك".

اظهار أخبار متعلقة



تقليص فرق حماية المدنيين

وكشف التقرير أن احتمالات وقوع أخطاء ازدادت أيضا بسبب تقليص فرق الحد من الأضرار المدنية داخل القيادة المركزية الأمريكية، عقب قرارات اتخذها وزير الحرب بيت هيغسيث.

ووفقا للمصادر، خفض هيغسيث عدد العاملين في برامج "الحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين والاستجابة لها" بأكثر من 90 بالمئة، واستبعد المتخصصين في هذا المجال من فرق اختيار الأهداف.

كما تقلص فريق الحد من الإصابات المدنية في القيادة المركزية من عشرة مختصين إلى موظف واحد فقط يعمل بدوام كامل.

وقال أحد المصادر: "كان فريق الحد من الأضرار المدنية يحاول القيام بعمله بأفضل صورة ممكنة، لكنه لم يحصل على الموارد أو الكوادر اللازمة بسبب قرارات هيغسيث".

وتخلص الشبكة إلى أن التحقيق الجاري لا يركز فقط على الضربة التي استهدفت المدرسة، بل يمتد إلى مراجعة آليات تحديث قواعد البيانات العسكرية، وضغوط القيادة السياسية والعسكرية لتسريع العمليات، وما إذا كانت تلك العوامل مجتمعة أسهمت في وقوع واحدة من أكثر الضربات دموية بحق المدنيين خلال الحرب الأخيرة مع إيران.
التعليقات (0)