تتصاعد الضغوط على رئيس الوزراء البريطاني
المرتقب، آندي بورنهام، لإلغاء اتفاق تجارة
الأدوية الموقع بين المملكة المتحدة
والولايات المتحدة، بعدما حذرت منظمات صحية وأطباء من أن الاتفاق قد يفرض أعباء
مالية ضخمة على هيئة الخدمات الصحية الوطنية (أن أتش أس)، ويؤدي إلى تقليص الإنفاق على
الخدمات العلاجية، مع تقديرات أكاديمية تشير إلى احتمال تسببه في مئات آلاف
الوفيات الإضافية خلال العقد المقبل.
وجاءت الدعوات في رسالة مشتركة وجهتها 19
منظمة صحية إلى بورنهام، الذي يُتوقع أن يتولى رئاسة الحكومة وقيادة حزب العمال
خلال الأسابيع المقبلة، مطالبة إياه بإلغاء الاتفاق وإعادة توجيه سياسات الحكومة
نحو إنقاذ هيئة الخدمات الصحية الوطنية، بدلاً من تحميلها تكاليف إضافية تصب، بحسب
الموقعين، في مصلحة شركات الأدوية الأمريكية.
اتفاق مثير للجدل
وكانت الحكومة البريطانية قد وقعت الاتفاق
مع الولايات المتحدة في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، باعتباره جزءا من ترتيبات
تجارية تهدف إلى حماية صادرات الأدوية البريطانية من الرسوم الجمركية الأمريكية،
إضافة إلى تسريع وصول المرضى في
بريطانيا إلى أدوية مبتكرة قد لا تتوافر ضمن آليات
التسعير التقليدية.
لكن الاتفاق أثار منذ توقيعه جدلا واسعا، إذ
ترى منظمات صحية وخبراء في الاقتصاد الصحي أنه يفرض على هيئة الخدمات الصحية
الوطنية دفع أسعار أعلى للأدوية الجديدة، بما يرفع فاتورة الإنفاق الدوائي على
حساب الخدمات الطبية الأساسية.
ويقول منتقدو الاتفاق إن الحكومة استجابت
لضغوط أمريكية، ولا سيما من الرئيس دونالد ترامب، للموافقة على شروط تمنح شركات
الأدوية الأمريكية عوائد أكبر من السوق البريطانية.
تحذيرات من كلفة باهظة
وتستند المنظمات المعارضة للاتفاق، وفق
تقرير للغارديان" اليوم، إلى دراسة أعدها باحثون من جامعات يورك وليفربول
ومستشفى كرايست تشيرش في نيوزيلندا، خلصت إلى أن تطبيق الاتفاق قد يؤدي إلى تحويل
نحو 44.7 مليار جنيه إسترليني من موازنات الخدمات الصحية حتى عام 2036 لتغطية
الزيادة في أسعار الأدوية.
وبحسب الدراسة، فإن هذا التحول في الإنفاق
قد ينعكس على قدرة النظام الصحي على تمويل الخدمات الأساسية، ما قد يؤدي إلى نحو
229 ألف وفاة إضافية يمكن تجنبها خلال السنوات العشر المقبلة، إذا لم توفر الحكومة
تمويلا إضافيا لتعويض الكلفة الجديدة.
ويرى معدو الدراسة أن تقليص الموارد المخصصة
للرعاية الصحية والخدمات العلاجية ستكون له آثار مباشرة على قوائم الانتظار،
والرعاية الطارئة، والخدمات الوقائية، وهو ما ينعكس في النهاية على معدلات الوفيات.
رسالة إلى بورنهام
وفي رسالتها إلى بورنهام، طالبت 19 منظمة
صحية بإحداث "قطيعة حاسمة" مع السياسات السابقة، معتبرة أن المرحلة
المقبلة تمثل فرصة لإعادة بناء هيئة الخدمات الصحية الوطنية وتعزيز تمويلها.
كما دعت الرسالة إلى مراجعة عدد من السياسات
المرتبطة بإدارة القطاع الصحي، من بينها عقود الشراكة مع القطاع الخاص، وتقليص
الوظائف داخل الهيئة، والتوسع في إسناد الخدمات الصحية إلى شركات خاصة، إضافة إلى
إعادة النظر في عقد شركة "بالانتير" الأمريكية المتعلق بإدارة بيانات
الهيئة الصحية.
وأكد الموقعون أن الأولوية ينبغي أن تكون
لتعزيز الخدمات العامة بدلا من زيادة أرباح شركات الأدوية متعددة الجنسيات.
"النظام الصحي
على أجهزة الإنعاش"
ونقالت "الغارديان" عن الطبيب
توني أو سوليفان، الرئيس المشارك لحملة "أنقذوا هيئة الخدمات الصحية
الوطنية"، قوله: إن الاتفاق سيؤدي إلى استنزاف عشرات المليارات من الجنيهات
خلال السنوات المقبلة.
وأضاف أن النظام الصحي البريطاني يعاني
بالفعل من أزمات متراكمة، تشمل ارتفاع قوائم الانتظار، وتزايد الوفيات المرتبطة
بتأخر خدمات الطوارئ، فضلا عن الضغوط التي تواجه خدمات الأمومة والرعاية الأولية.
واعتبر أن تحميل الهيئة أعباء مالية إضافية
في هذا التوقيت يشبه "إطفاء حريق بإلقاء الوقود عليه"، داعيا الحكومة
المقبلة إلى إعطاء الأولوية لتمويل الخدمات الصحية بدلا من تعظيم أرباح شركات
الدواء.
انتقادات من جماعات المرضى
من جانبها، وصفت هوب وورسديل، من مجموعة
"جست تريتمنت" المعنية بحقوق المرضى، الاتفاق بأنه يمثل
"خيانة" لهيئة الخدمات الصحية الوطنية وللمرضى البريطانيين.
وقالت إن الاتفاق صُمم، بحسب رأيها، لزيادة
أرباح شركات الأدوية، محذرة من أنه قد يؤدي إلى وفاة مئات آلاف المرضى نتيجة تراجع
الإنفاق على الخدمات الصحية الأساسية.
ودعت بورنهام إلى استثمار أكبر في النظام
الصحي العام، وإلغاء الاتفاق، ووقف ما وصفته باستنزاف القطاع الصحي من قبل الشركات
الخاصة.
صمت من بورنهام
ولم يصدر عن بورنهام أي تعليق رسمي على
الدعوات المطالبة بإلغاء الاتفاق أو بشأن موقفه من مستقبل التفاهم التجاري مع
الولايات المتحدة.
ويحظى بورنهام بخبرة طويلة في إدارة الملف
الصحي، إذ شغل منصب وزير الصحة بين عامي 2009 و2010 خلال حكومة حزب العمال، وأعلن
آنذاك أن هيئة الخدمات الصحية الوطنية يجب أن تكون المزود الرئيسي للخدمات الصحية
العامة، في محاولة للحد من التوسع في الخصخصة.
لكن معارضيه يشيرون أيضا إلى أنه وافق خلال
تلك الفترة على مشروع تمويل مستشفى "رويال ليفربول" عبر نظام الشراكة
بين القطاعين العام والخاص (PFI)،
وهو المشروع الذي شهد لاحقا تأخيرات كبيرة وارتفاعا في الكلفة، قبل انهيار شركة
"كاريليون" المنفذة له.
معركة مبكرة أمام الحكومة المرتقبة
وتضع هذه الضغوط بورنهام أمام أول اختبار
سياسي يتعلق بمستقبل هيئة الخدمات الصحية الوطنية، التي تعد أحد أكثر الملفات
حساسية في الحياة السياسية البريطانية.
فبينما ترى الحكومة الحالية أن الاتفاق مع
الولايات المتحدة يفتح الباب أمام وصول المرضى إلى علاجات حديثة ويحمي قطاع صناعة
الأدوية البريطاني، تحذر المنظمات الصحية من أن كلفته قد تأتي على حساب الخدمات
العلاجية اليومية التي يعتمد عليها ملايين البريطانيين.
ويبدو أن
الجدل حول الاتفاق لن يقتصر على
أبعاده التجارية، بل سيتحول إلى مواجهة سياسية أوسع بشأن مستقبل تمويل القطاع
الصحي، وحدود دور الشركات الخاصة، وأولويات الإنفاق العام في بريطانيا خلال
السنوات المقبلة.
اظهار أخبار متعلقة