كشفت صحيفة "معاريف"
الإسرائيلية تقريرا عن "سرية الأبقار"، فبدا الخبر للوهلة الأولى خبرا
غريبا؛ لكن التقرير، عند قراءته بعمق، يفتح نافذة على تحول جوهري في التفكير
الاستخباراتي الإسرائيلي بعد حرب 7 أكتوبر. القصة برمتها لا تتعلق بقطيع من
الماشية يتألف من 140 بقرة؛ بل تعيد تعريف السيطرة على الأرض، إذ انتقلت إسرائيل
من الاكتفاء بحماية الحدود إلى بناء حضور أمني دائم داخل المجال المحاذي لها، عبر
أدوات تبدو مدنية في ظاهرها؛ لكنها تؤدي وظيفة عسكرية واستخباراتية واضحة.
يكشف هذا التحول أيضا أن إسرائيل لم تعد
تنظر إلى الأمن بوصفه خطا دفاعيا ثابتا؛ بل بوصفه هندسة للمجال، وإنتاجا متدرجا
لوقائع ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقا. ويتجلى هذا المنطق في جنوب
سوريا، قرب
الجولان ووادي الرقاد، حيث تعاد صياغة المنطقة ليس فقط بالأسلاك والدوريات
والمراقبة الدائمة أو الجزئية فقط؛ بل بالمزرعة والماشية والاسم الإداري والوجود
اليومي.
من الجدار إلى الحضور الدائم.. الأبقار
أداة لا تفصيل
دحضت أحداث 7 أكتوبر القناعة لدى إسرائيل القائلة
إن الجدار والتكنولوجيا يكفيان لصد الخطر عنها؛ حيث أجبرت هذه الهزة على مراجعة
جذرية لمفهوم الردع، وفتحت الباب أمام منطق استخباراتي جديد: الأمن بمفهومه العملي
لا يتحقق بإحكام الحدود فقط؛ بل عبر اختراق الحيز الجغرافي الملاصق لإسرائيل
وتحويله إلى مجال مراقب ومقيد بشكل دائم.
تتحول مزرعة الأبقار تلك من تفصيل إلى أداة عملية ضمن منظومة استخباراتية ميدانية معقدة، تعيد تشكيل أنماط السلوك على الأرض
ويجسد مشروع "سرية الأبقار" هذا
التحول؛ حيث لم يعد الهدف منع التسلل والاختراق؛ بل نزع إمكانية حدوثه من الأصل.
في هذا السياق، تتحول مزرعة الأبقار تلك من تفصيل إلى أداة عملية ضمن منظومة
استخباراتية ميدانية معقدة، تعيد تشكيل أنماط السلوك على الأرض.
تنقل هذه المقاربة العمليات الأمنية من
مستوى العمليات الكبرى إلى مستوى الحياة اليومية المعاشة؛ ويتحول الحد الفاصل من
تفصيل عسكري إلى مجال ردع يحمل الديمومة، ويدار عبر الرعي والأسوار والمزارع
والبوابات ومصادرة الحركة وإنتاج الخوف من الاقتراب. وتتحول هنا الوسائل المدنية
بهذا المعنى إلى أجزاء من بنية الردع الاستخباراتي طويل الأمد.
لا يكتفي النموذج الإسرائيلي الجديد
بالسيطرة العسكرية المباشرة؛ بل يسعى إلى تطبيع السيطرة، ويجعلها تبدو وكأنها
تنظيم إداري أو زراعي، أو واقع محلي لا يمكن الطعن فيه بسهولة. ويتحول الاستثناء
مع الوقت إلى قاعدة، والوجود المؤقت إلى حضور دائم؛ وهذا أخطر ما في "سرية
الأبقار".
استخبارات إسرائيلية تخترق مقابل
استخبارات عربية تقمع.. فجوة العقلية قبل التكنولوجيا
تكشف "سرية الأبقار" عن مقارنة
مؤلمة: تعمل الاستخبارات الإسرائيلية -الموساد وأمان والشاباك- وفق ثلاثية:
الاختراق والتحليل والتأثير؛ ولا تهدف فقط إلى جمع المعلومات؛ بل تهدف إلى إعادة
تشكيل الواقع الميداني. ويظهر ذلك في "سرية الأبقار" التي تنتج عن قراءة
استخباراتية للفراغ الأمني السوري، ثم تتحول تلك القراءة إلى عمل ميداني زراعي-أمني.
تمتلك إسرائيل رصيدا عملياتيا هائلا؛ يشمل
اغتيال علماء نوويين، واختراق شبكات ومنظمات، وتجنيد عملاء، وصولا إلى هندسة
مجتمعات محلية في الجولان. في المقابل، تعاني الاستخبارات العربية من إخفاق منهجي
مزمن؛ إذ لا تتجاوز العمليات الناجحة في رصيدها عدد أصابع اليد خلال نصف قرن.
الأخطر من ذلك أن الاستخبارات العربية صُممت أساسا لاختراق خصوصية المواطن العربي،
لا لاختراق الخصم؛ بل وتُستخدم غالبا لمراقبة المعارضين، وتكميم الأفواه، وحماية
الأنظمة، بدلا من بناء قدرات استخباراتية هجومية أو تحليلية متقدمة.
تتسع الفجوة في الموارد البشرية والتدريب
والتكنولوجيا بين الاستخبارات العربية وبين الاستخبارات الإسرائيلية؛ لكن الفجوة
الأكبر تكمن في العقلية، حيث تنظر الاستخبارات الإسرائيلية إلى الخصم بوصفه
"نظاما" يجب تفكيكه؛ بينما تنظر العربية إليه بوصفه "تهديدا"
يجب احتواؤه أو تجاهله وغض الطرف عنه.
تتحرك إسرائيل في محيطها بسلاسة نتيجة هذه
الفجوة؛ بينما تتفاجأ أجهزة استخبارات عربية غالبا بأخبار مثل "سرية
الأبقار"، ولشدة هشاشتها تكتفي بردود فعل إعلامية أو دبلوماسية؛ وهي عاجزة
بشكل شبه كلي عن قراءة ما يحدث قبل وقوعه، أو عن إنتاج وقائع مضادة على الأرض.
جنوب سوريا مختبر إسرائيلي.. والعرب
مراقبون لا فاعلون
تمثل هذه المنطقة مساحة اختبار لنمط إسرائيلي جديد في إدارة الحدود والعمق القريب. يتوافر فيها فراغ أمني، وهشاشة محلية، وغياب كلفة دولية فورية كبيرة؛ مما يجعل المكان قابلا لتجريب أدوات السيطرة التدريجية
لا يأتي اختيار جنوب سوريا اعتباطا؛ إذ
تمثل هذه المنطقة مساحة اختبار لنمط إسرائيلي جديد في إدارة الحدود والعمق القريب.
يتوافر فيها فراغ أمني، وهشاشة محلية، وغياب كلفة دولية فورية كبيرة؛ مما يجعل
المكان قابلا لتجريب أدوات السيطرة التدريجية، وقد يتحول ما يبدو اليوم مشروعا
"غريبا" إلى سابقة أمنية قابلة للتكرار غدا.
لا يحدث ما يجري في جنوب سوريا بمعزل عن
باقي المنطقة؛ بل هو جزء من نمط أوسع يربط بين الأمن والاستيطان والإدارة والتمدد.
يتحدث تقرير صحيفة "معاريف" عن
140 بقرة؛ لكن الرسالة الفعلية تتعلق بالسيادة، وتتعلق بمن يملك حق تعريف المجال
الأمني، ومن يقرر كيف يدار، ولمن يسمح بالبقاء فيه.
لا تقف "سرية الأبقار" تلك عند
حدود الحكاية الهامشية؛ بل هي علامة على مرحلة جديدة في التفكير الأمني
الإسرائيلي، حيث تكشف انتقالا من التحصين إلى التمدد، ومن الدفاع السلبي إلى هندسة
المجال، ومن الخط الفاصل إلى الحضور الدائم، وتقدم السيطرة في هيئة إجراء عملي
عادي؛ بينما هي في الجوهر إعادة رسم للحدود وموازين القوة.
لا تتعلق المسألة بقطيع أبقار في الجنوب
السوري؛ بل بعقيدة أمنية جديدة لدى
إسرائيل، ترى أن السيطرة تبدأ من التفاصيل الصغيرة، وأن تثبيت الوقائع على الأرض
قد يكون أحيانا أعمق أثرا من أي ضربة عسكرية مباشرة. وتبقى المنطقة العربية دائما
في موقع المراقب لا الفاعل؛ ما لم تُعد استخباراتها تعريف نفسها، وتتحول من أداة
قمع إلى أداة اختراق وإعادة تشكيل.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.