تشكل
الانتخابات التشريعية في الأنظمة
الديمقراطية إحدى أهم الآليات الدستورية لإعادة إنتاج السلطة وإعادة توزيع موازين
القوة داخل النظام السياسي، إذ تسمح بتجديد النخب السياسية، وإعادة تشكيل الأغلبية
البرلمانية، ومساءلة السلطة التنفيذية من خلال المؤسسات التمثيلية. غير أن هذه
الوظيفة النظرية تفقد جزءا كبيرا من فعاليتها في الأنظمة التي لا تكون فيها
المؤسسات المنتخبة هي المركز الحقيقي لصنع القرار.
وتندرج الحالة
الجزائرية ضمن هذا النموذج،
فمنذ إلغاء المسار الديموقراطي عقب الانتخابات التشريعية لسنة 1991، وما ترتب عنه
من تدخل مباشر للمؤسسة العسكرية في إعادة تشكيل المجال السياسي، أصبحت الانتخابات
تُمارس داخل إطار سياسي تحكمه توازنات السلطة أكثر مما تحكمه المنافسة الانتخابية.
لذلك، فإن نتائج الانتخابات لا تؤدي عادة إلى إعادة هندسة السلطة، بقدر ما تساهم
في إعادة إنتاجها ضمن الحدود التي يرسمها النظام السياسي.
أجريت الانتخابات وفق نظام التمثيل النسبي بالقائمة، مع اعتماد طريقة "الباقي الأقوى" لتوزيع المقاعد، والإبقاء على عتبة انتخابية تبلغ 5% من الأصوات الصحيحة، مع إدخال تعديلات مست عددا من جوانب تنظيم العملية الانتخابية، من بينها إعادة منح الأحزاب سلطة ترتيب المرشحين داخل القوائم، وإصدار قانون جديد للأحزاب السياسية، إلى جانب توسيع صلاحيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.
ومع ذلك، فإن محدودية أثر الانتخابات على
توزيع السلطة لا تعني غياب أهميتها التحليلية، إذ تبقى نسبة المشاركة الشعبية،
وطبيعة الخريطة الحزبية، وحجم تمثيل قوى المعارضة، مؤشرات مهمة لقياس مستوى
الشرعية السياسية، ودرجة الثقة بين المجتمع والنظام، واتجاهات الاستقرار أو التحول
السياسي. وفي هذا السياق، اكتسبت الانتخابات التشريعية الجزائرية لسنة 2026 أهمية
خاصة، باعتبارها أول انتخابات تُجرى بعد التعديلات الدستورية والتشريعية لمارس
2026، وفي ظل أدنى نسبة مشاركة انتخابية في تاريخ البلاد، الأمر الذي يطرح تساؤلات
عميقة حول مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
في طبيعة النظام الانتخابي الجزائري وأبرز
أعطابه..
أجريت الانتخابات وفق نظام التمثيل النسبي
بالقائمة، مع اعتماد طريقة "الباقي الأقوى" لتوزيع المقاعد، والإبقاء
على عتبة انتخابية تبلغ 5% من الأصوات الصحيحة، مع إدخال تعديلات مست عددا من
جوانب تنظيم العملية الانتخابية، من بينها إعادة منح الأحزاب سلطة ترتيب المرشحين
داخل القوائم، وإصدار قانون جديد للأحزاب السياسية، إلى جانب توسيع صلاحيات السلطة
الوطنية المستقلة للانتخابات.
ورغم الطابع التقني لهذه الإصلاحات، فإنها
لم تمس جوهر الإشكال السياسي المرتبط بطبيعة النظام. فالإطار القانوني الجديد عزز
من قدرة الإدارة على التحكم في شروط المنافسة السياسية أكثر مما عزز استقلاليتها.
ويبرز ذلك في المادة 200 من قانون الانتخابات، التي اشترطت ألا يكون المترشح
"معروفا لدى العامة بصلته بأوساط المال المشبوه أو بتأثيره على
الناخبين"، وهي صياغة فضفاضة تمنح الإدارة سلطة تقديرية واسعة في قبول أو رفض
الترشيحات، وهو ما أدى بالفعل إلى استبعاد عدد كبير من القوائم والمرشحين قبل
الاقتراع.
كما فرض القانون الجديد قيودا إضافية على
الحياة الحزبية، من خلال إلزام الأحزاب بالمشاركة الدورية تحت طائلة الحل، وتشديد
شروط التأسيس والتمثيل، ومنع انتقال البرلمانيين بين الأحزاب، وهي إجراءات تبررها
السلطة بالرغبة في تنظيم المشهد الحزبي، بينما ترى فيها المعارضة آليات لإعادة
هندسة المجال السياسي بما يضمن استقرار موازين القوى القائمة.
ومن منظور علم السياسة، فإن هذه الخصائص
تجعل الانتخابات الجزائرية أقرب إلى نموذج "السلطوية الانتخابية"، حيث
تجرى انتخابات دورية وتعددية شكليا، لكنها لا توفر شروط المنافسة المتكافئة
القادرة على إنتاج تداول حقيقي على السلطة، بل تؤدي أساسا إلى إعادة إنتاج النخبة
الحاكمة ومنحها شرعية انتخابية.
لماذا سجلت الجزائر أضعف نسبة مشاركة في
تاريخها الانتخابي؟
مثلت نسبة المشاركة، التي لم تتجاوز 20.79%
داخل الوطن و10.67% بالنسبة للجالية بالخارج، الحدث السياسي الأبرز في انتخابات
2026، باعتبارها أدنى نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات التشريعية الجزائرية، وأقل
حتى من انتخابات 2021 التي كانت قد سجلت بدورها مستوى متدنيا للمشاركة.
ولا يمكن تفسير هذا العزوف باعتباره مجرد
ظاهرة انتخابية ظرفية، بل يعكس أزمة سياسية أعمق ترتبط بتراجع الثقة في جدوى
العملية الانتخابية، فقد ترسخ لدى قطاع واسع من الجزائريين الاعتقاد بأن
الانتخابات لا تؤدي إلى تغيير حقيقي في بنية السلطة، وأن النتائج النهائية لا تؤثر
في مراكز القرار الفعلية داخل الدولة.
ويرتبط هذا الوضع أيضا بالإرث السياسي الذي
خلفه الحراك الشعبي لسنتي 2019 و2020، والذي مثل أكبر موجة احتجاجية شهدتها
الجزائر منذ الاستقلال، ورفع شعار التغيير الجذري للنظام السياسي (يتنحاو كاملين)..
مثلت نسبة المشاركة، التي لم تتجاوز 20.79% داخل الوطن و10.67% بالنسبة للجالية بالخارج، الحدث السياسي الأبرز في انتخابات 2026، باعتبارها أدنى نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات التشريعية الجزائرية، وأقل حتى من انتخابات 2021 التي كانت قد سجلت بدورها مستوى متدنيا للمشاركة.
ورغم نجاح السلطة في احتواء الحراك تدريجيا
بفعل القيود الأمنية، واعتقال عدد من الناشطين، ثم توقف التعبئة الجماهيرية نتيجة
جائحة كورونا، فإن الأسباب البنيوية التي أطلقت ذلك الحراك لم تختف، بل بقيت كامنة
داخل المجتمع، لتنعكس اليوم في شكل مقاطعة انتخابية واسعة بدل الاحتجاج المباشر.
كما ساهمت طبيعة الحملة الانتخابية نفسها في
تعميق هذا العزوف، إذ اتسمت بضعف التعبئة، وغياب النقاش العمومي الحقيقي، واعتماد
أغلب المرشحين على وسائل التواصل الاجتماعي بدل التواصل الميداني، في وقت كانت فيه
اهتمامات الرأي العام تتجه نحو القضايا الاقتصادية والاجتماعية أكثر من البرامج
الانتخابية. يضاف إلى ذلك استمرار صورة البرلمان باعتباره مؤسسة محدودة التأثير
أمام هيمنة السلطة التنفيذية، وهو ما يجعل المشاركة الانتخابية، بالنسبة إلى
قطاعات واسعة من المواطنين، فاقدة لجدواها السياسية.
قراءة في نتائج الانتخابات واستشراف
تداعياتها..
أكدت النتائج الأولية استمرار هيمنة أحزاب
السلطة التقليدية، حيث تصدرت جبهة التحرير الوطني النتائج بحوالي 90 مقعدا، يليها
التجمع الوطني الديمقراطي بـ73 مقعدا، بينما سجلت بعض أحزاب المعارضة عودة محدودة
إلى البرلمان دون أن تتمكن من تشكيل كتلة مؤثرة، في حين تراجع تمثيل القوائم
المستقلة بصورة كبيرة مقارنة بانتخابات 2021.
وتكشف هذه النتائج عن ثلاث دلالات رئيسية:
أولا، نجاح النظام في الحفاظ على البنية
السياسية نفسها رغم الإصلاحات القانونية، بما يؤكد أن التعديلات الانتخابية لم تؤد
إلى إعادة توزيع حقيقية للقوة السياسية.
ثانيا، أن الانتصار الانتخابي لأحزاب السلطة
لا يقابله توسع مماثل في الشرعية الشعبية؛ إذ إن فوز الأحزاب الحاكمة في ظل مشاركة
لا تتجاوز خمس الهيئة الناخبة يضعف القدرة التمثيلية للمؤسسات المنتخبة، ويكرس
الفجوة بين الشرعية القانونية والشرعية المجتمعية.
ثالثا، أن عودة بعض أحزاب المعارضة إلى
البرلمان قد تمنح المشهد السياسي قدرا محدودا من التعددية، لكنها لن تغير موازين
القوى ما دامت المؤسسات المنتخبة لا تمثل مركز القرار السياسي الحقيقي.
ومن زاوية أوسع، تكشف الانتخابات عن انتقال
الأزمة السياسية في الجزائر من مرحلة الاحتجاج الجماهيري المباشر إلى مرحلة
"الانسحاب السياسي"، حيث أصبحت المقاطعة الانتخابية أداة احتجاج صامتة
تعبر عن فقدان الثقة أكثر مما تعبر عن اللامبالاة.
والخلاصة:
أن الانتخابات التشريعية الجزائرية الأخيرة،
تكشف على أن الأزمة الأساسية التي تواجه النظام السياسي هي اتساع الفجوة بين
المجتمع ومؤسسات الحكم، وهو ما يؤدي إلى تآكل الشرعية السياسية الناجمة عن التراجع
الكبير في نسبة المشاركة.
فالانتخابات، رغم انتظامها الدوري، لم تنجح
في استعادة الثقة الشعبية، كما لم تؤد إلى تجديد النخب أو فتح المجال أمام تنافس
سياسي قادر على إنتاج بدائل حقيقية. وعلى العكس من ذلك، عكست نسبة المشاركة
التاريخية المتدنية استمرار الأزمة التي كشف عنها حراك فبراير 2019، وإن كانت قد
انتقلت من الشارع إلى صناديق الاقتراع في صورة مقاطعة واسعة.
واستشرافا للمستقبل، ومع استمرار الوضع
القائم، وفي غياب مؤشرات دالة على استعداد النظام لإطلاق إصلاحات سياسية أعمق تعيد
الاعتبار للمؤسسات المنتخبة وتوسع مجال التنافس السياسي الحقيقي، فإن السيناريو
الأكثر ارتباطا بالمؤشرات الاجتماعية والسياسية الحالية، هو احتمال عودة
الاحتجاجات الشعبية متى توافرت الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المناسبة،
خاصة إذا استمرت أزمة الثقة، وتراجعت فعالية قنوات الوساطة الحزبية، وبقيت
الانتخابات عاجزة عن أداء وظيفتها الأساسية بوصفها آلية سلمية لتداول السلطة
وتجديد الشرعية السياسية.