قدّم مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
دراسة استشرافية جديدة تتناول مستقبل العلاقات بين
إيران وباكستان
و"إسرائيل"، في محاولة لقراءة اتجاهات هذا المثلث الإقليمي المعقد
بالاستناد إلى نموذج "كلينبيرغ" أحد أبرز النماذج الكمية المستخدمة في
تحليل العلاقات الدولية واستشراف مسارات التعاون والصراع بين الدول.
وتحمل الدراسة، التي أعدّها الأستاذ الدكتور
وليد عبد الحي، خبير الدراسات المستقبلية، عنوان "نموذج كلينبيرغ في مستقبل
العلاقات الإسرائيلية–الباكستانية–الإيرانية"، وتأتي في سياق إقليمي يشهد
تحولات عميقة بعد تصاعد المواجهات بين القوى الإقليمية والدولية، وتبدل موازين
التحالفات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
ولا تنطلق الورقة من قراءة الأحداث اليومية
أو التطورات الآنية باعتبارها محددات وحيدة لمسار العلاقات بين الدول الثلاث، بل
تحاول بناء تصور أوسع يقوم على تحليل مجموعة من المتغيرات السياسية والأمنية
والاستراتيجية التي تؤثر في خيارات كل طرف، وفي مقدمتها قضايا الأمن القومي،
والردع النووي، والتحالفات الدولية، والتنافس بين الولايات المتحدة والصين، إضافة
إلى التحولات في بنية النظام الإقليمي.
نموذج كمي لقراءة العلاقات الدولية
وترتكز الدراسة على نموذج
"كلينبيرغ" الذي يقوم على تحليل أنماط التفاعل بين الدول من خلال قياس
مؤشرات التعاون والصراع، بدل الاكتفاء بالتحليل السياسي التقليدي القائم على الوصف
والتفسير.
ويُعد هذا النموذج من الأدوات التي ساهمت في
تطوير حقل الدراسات المستقبلية والعلاقات الدولية، إذ يسمح ببناء تقديرات احتمالية
لمسارات العلاقات بين الدول اعتمادًا على مجموعة من المتغيرات، كما شكّل أساسًا
لعدد من قواعد بيانات الصراعات والتحالفات الدولية، ويستخدم في تطبيقات تحليل
البيانات السياسية والذكاء الاصطناعي.
وترى الدراسة أن أهمية استخدام هذا النموذج
في الحالة الإيرانية–الباكستانية–الإسرائيلية تنبع من طبيعة المثلث الذي يجمع بين
ثلاث دول تختلف في مصالحها وتوجهاتها، لكنها تتقاطع في عدد من الملفات الإقليمية
والدولية.
فإيران تنظر إلى إسرائيل باعتبارها خصمًا
استراتيجيًا رئيسيًا، بينما ترى باكستان نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين
علاقاتها التاريخية مع طهران، وشراكتها الاستراتيجية مع الصين، وعلاقاتها الأمنية
والسياسية مع الولايات المتحدة ودول الخليج، إلى جانب استمرار موقفها الرسمي
الرافض للاعتراف بـ"إسرائيل".
أما إسرائيل، فتتعامل مع إيران باعتبارها
أحد أبرز مصادر التهديد الإقليمي، وتحاول بناء شبكة من العلاقات والتحالفات التي
تهدف إلى الحد من نفوذ طهران في المنطقة.
باكستان في قلب التوازنات الإقليمية
وتولي الدراسة أهمية خاصة للموقع الجيوسياسي
لباكستان، باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على التأثير في شكل العلاقة الثلاثية.
فإسلام آباد تقع عند تقاطع مصالح متعارضة؛
فهي ترتبط بحدود طويلة مع إيران وتجمعها بها مصالح أمنية واقتصادية، خاصة في
المناطق الحدودية ومجالات الطاقة والتجارة، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بعلاقة
استراتيجية متنامية مع الصين من خلال مشروع "الحزام والطريق"، إضافة إلى
علاقات طويلة مع الولايات المتحدة ودول الخليج.
وتشير الدراسة إلى أن هذه الوضعية تجعل
باكستان دولة موازنة تسعى إلى الحفاظ على هامش استقلال في سياستها الخارجية،
بعيدًا عن الانخراط الكامل في أي محور إقليمي.
كما أن استمرار رفض باكستان الاعتراف
بـ"إسرائيل" يمنح العلاقة بين إسلام آباد وتل أبيب طابعًا مختلفًا عن
علاقات إسرائيل مع عدد من الدول الإسلامية التي شهدت مسارات تطبيع خلال السنوات
الأخيرة.
نتائج النموذج.. تقارب إيراني ـ باكستاني مقابل
صراع إيراني ـ إسرائيلي
وتشير نتائج تطبيق نموذج كلينبيرغ، وفق
الدراسة، إلى وجود اتجاه إيجابي نسبيًا في مستقبل العلاقات بين إيران وباكستان،
حيث بلغت احتمالية الطابع الإيجابي لهذه العلاقة نحو 61.9 بالمئة.
وترجع الدراسة هذا الاتجاه إلى مجموعة من
العوامل، من بينها تقاطع مصالح البلدين مع الصين، وارتباطهما بمبادرات اقتصادية
إقليمية، إضافة إلى حاجتهما المشتركة إلى إدارة التحديات الأمنية في المناطق
الحدودية.
ورغم وجود ملفات خلافية بين طهران وإسلام
آباد، مثل بعض القضايا الأمنية والاختلافات المرتبطة بالنفوذ الإقليمي، فإن
الدراسة ترى أن المصالح المشتركة قد تدفع باتجاه تعزيز التعاون خلال المرحلة
المقبلة.
في المقابل، تظهر العلاقة
الإيرانية–الإسرائيلية باعتبارها الأكثر صراعًا داخل المثلث، إذ سجل النموذج نسبة
سلبية بلغت 90.48 بالمئة، وهي أعلى نسبة صراع بين أطراف الدراسة.
وتعكس هذه النتيجة استمرار التنافس
الاستراتيجي بين الطرفين، الذي يتجاوز الخلافات السياسية المباشرة ليشمل ملفات
النفوذ الإقليمي، والبرنامج النووي الإيراني، وشبكات التحالفات العسكرية والأمنية
في المنطقة.
وترى الدراسة أن هذا الصراع مرشح للاستمرار
في ظل غياب مؤشرات على تسوية استراتيجية بين الطرفين، خصوصًا مع استمرار اعتماد كل
منهما على منظومة ردع ومواجهة متبادلة.
العلاقات الباكستانية ـ الإسرائيلية.. استمرار
القطيعة
أما العلاقة بين باكستان
و"إسرائيل"، فقد أظهر النموذج اتجاهًا سلبيًا بلغ 80.96 بالمئة، ما يعكس
استمرار حالة التباعد بين الطرفين.
وترتبط هذه العلاقة بجملة من الاعتبارات
السياسية والتاريخية، في مقدمتها الموقف الباكستاني الرافض للاعتراف بإسرائيل،
وارتباط السياسة الخارجية الباكستانية بالقضية الفلسطينية، إضافة إلى الحسابات
الداخلية والإقليمية التي تجعل أي تحول في هذا الملف شديد الحساسية.
وتشير الدراسة إلى أن التحولات التي شهدتها
المنطقة خلال السنوات الماضية، وخصوصًا موجات التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول
العربية، لم تؤد إلى تغيير جوهري في الموقف الباكستاني، الذي بقي مرتبطًا بحسابات
أوسع تتعلق بالهوية السياسية والأمن القومي.
الصين عامل مؤثر في إعادة تشكيل التوازنات
وتبرز الدراسة الدور المتزايد للصين
باعتبارها أحد العوامل التي قد تؤثر في مستقبل هذا المثلث.
فالتطور المتسارع في الشراكة
الصينية–الباكستانية، خاصة في المجالات الاقتصادية والاستراتيجية، يمنح إسلام آباد
مساحة أوسع للمناورة في علاقاتها الإقليمية.
وترى الدراسة أن تنامي الدور الصيني في
باكستان قد يحد من قدرة إسرائيل على توظيف البيئة الإقليمية في إطار استراتيجية
احتواء إيران، خصوصًا إذا استمرت بكين في تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في جنوب
آسيا والشرق الأوسط.
كما أن التقارب الصيني مع إيران، خاصة بعد
تعزيز العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، يضيف عنصرًا جديدًا إلى
المعادلة، ويجعل بكين لاعبًا غير مباشر في تشكيل مستقبل العلاقات
الإيرانية–الباكستانية.
ما بعد التحولات الإقليمية: شرق أوسط أكثر
تعقيدًا
وتأتي الدراسة في وقت تشهد فيه المنطقة
إعادة ترتيب واسعة للتحالفات، مع تراجع نسبي في الهيمنة الأمريكية التقليدية،
وصعود أدوار دولية جديدة، خصوصًا الصين، إضافة إلى استمرار التنافس بين القوى
الإقليمية.
وترى الورقة أن العلاقات بين إيران وباكستان
و"إسرائيل" لا يمكن فصلها عن هذا السياق الأوسع، إذ تتأثر بتحولات
النظام الدولي بقدر تأثرها بالخلافات الثنائية بين الدول.
فالمعادلة الجديدة لا تقوم فقط على العداء
الإيراني–الإسرائيلي، بل أيضًا على كيفية توظيف كل طرف لشبكة علاقاته الدولية
والإقليمية لتعزيز موقعه.
من التحليل الوصفي إلى الاستشراف العلمي
وتؤكد الدراسة أن استخدام النماذج الكمية في
تحليل العلاقات الدولية يفتح المجال أمام مقاربة أكثر انضباطًا لدراسة المستقبل،
بعيدًا عن القراءات الانطباعية أو التنبؤات المبنية على حدث واحد.
غير أنها لا تقدم نتائج النموذج باعتبارها
سيناريوهات حتمية، بل باعتبارها اتجاهات محتملة قابلة للتغير وفقًا لتحولات
السياسة الدولية، وقرارات الفاعلين، والأحداث غير المتوقعة.
وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل المثلث
الإيراني ـ الباكستاني ـ الإسرائيلي سيظل محكومًا بتوازن دقيق بين عوامل التقارب
والصراع، مع ميل واضح نحو تعزيز التعاون الإيراني–الباكستاني، واستمرار المواجهة
الإيرانية ـ الإسرائيلية، وبقاء العلاقة الباكستانية–الإسرائيلية في دائرة التوتر.
وبذلك تقدم الورقة قراءة تتجاوز توصيف
العلاقات القائمة إلى محاولة فهم المسارات التي قد تسلكها المنطقة في السنوات
المقبلة، في ظل نظام إقليمي يتجه نحو مزيد من التنافس وإعادة تشكيل مراكز القوة.