من المنفى إلى الإعمار.. قطار يعيد مئات الإعلاميين والمبدعين السودانيين إلى الوطن

الإعلاميون والمبدعون الذين عادوا يمثلون جزءًا من رأس المال البشري الذي يحتاجه السودان في مرحلة التعافي.. (سونا)
الإعلاميون والمبدعون الذين عادوا يمثلون جزءًا من رأس المال البشري الذي يحتاجه السودان في مرحلة التعافي.. (سونا)
شارك الخبر
انطلق من محطة سكة حديد رمسيس في العاصمة المصرية القاهرة،  أمس الاثنين قطار العودة الطوعية إلى السودان، وعلى متنه نحو 1190 سودانيًا، بينهم 850 من الصحفيين والإعلاميين والفنانين والدراميين والمبدعين والعاملين في وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة وأسرهم، في واحدة من أكبر المبادرات الموجهة لإعادة الكفاءات الثقافية والإعلامية السودانية منذ اندلاع الحرب التي دفعت بملايين المواطنين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها.

وتأتي المبادرة برعاية وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة السوداني خالد الإعيسر، وبالتنسيق مع سفارة السودان في القاهرة ولجنة الأمل للعودة الطوعية، في إطار برنامج يستهدف إعادة السودانيين الراغبين في العودة، مع تركيز خاص على الفئات المهنية التي تمثل رصيدًا بشريًا مهمًا في مرحلة التعافي وإعادة بناء المؤسسات التي تضررت خلال سنوات الصراع.

وتعد عودة هذا العدد من الإعلاميين والمبدعين خطوة لافتة بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به هذه الفئات في إعادة تشكيل المجال العام، وتوثيق مرحلة ما بعد الحرب، واستعادة النشاط الثقافي والإعلامي داخل السودان بعد فترة طويلة من التراجع والانتقال القسري إلى الخارج.

عودة الكفاءات إلى قلب مرحلة التعافي


وقالت الجهات المنظمة إن المبادرة لا تقتصر على إعادة مواطنين إلى بلدهم، وإنما تستهدف استعادة جزء من الطاقات المهنية التي غادرت السودان خلال الحرب، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في جهود إعادة الإعمار وبناء المؤسسات المدنية.

وكان قطاع الإعلام والثقافة من أكثر القطاعات تأثرًا بالحرب، إذ تعرضت مؤسسات إعلامية وثقافية للتوقف أو الانتقال خارج البلاد، فيما وجد عدد كبير من الصحفيين والفنانين والمبدعين أنفسهم أمام خيار النزوح أو تعليق نشاطهم المهني.

وترى وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة أن عودة هذه الكفاءات تمثل دعمًا لمسار استعادة الحياة العامة، باعتبار أن الإعلام والثقافة لا يقتصر دورهما على نقل الأحداث، بل يسهمان في تشكيل الوعي الوطني، وحفظ الذاكرة الجماعية، ومواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية التي يشهدها السودان.

ترتيبات مسبقة لإنجاح الرحلة


وجاء انطلاق القطار بعد سلسلة من الترتيبات التي سبقت الرحلة، حيث أعلنت وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة تخصيص قطار لعودة الإعلاميين والمبدعين من مصر، ودعت الراغبين إلى التسجيل المسبق للاستفادة من المبادرة.

وشهدت محطة رمسيس لحظات امتزجت فيها مشاعر الفرح والحنين بين العائدين، الذين عبروا عن تطلعهم إلى استئناف حياتهم المهنية داخل السودان والمشاركة في مرحلة إعادة البناء.

ونقلت وكالة السودان للأنباء "سونا" شهادات لعدد من المشاركين في الرحلة، أكدوا فيها أن العودة تمثل بداية جديدة لاستعادة دور الإعلاميين والمبدعين داخل وطنهم، والمساهمة في نقل صورة السودان خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

الخرطوم تراهن على دور الإعلام والثقافة


وأكد نائب رئيس بعثة سفارة السودان بالقاهرة السفير عمر الفاروق سيد كامل أن المبادرة تعكس اهتمام الدولة بعودة الكفاءات الوطنية، مشيرًا إلى أن الإعلاميين والمبدعين يمثلون ركيزة أساسية في مرحلة إعادة الإعمار وتعزيز الوعي الوطني.

وأوضح أن المبادرة جاءت بدعم مباشر من وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة خالد الإعيسر، وبالتنسيق مع لجنة الأمل وسفارة السودان بالقاهرة، مؤكدًا استمرار برامج العودة الطوعية للسودانيين الراغبين في الرجوع إلى البلاد.

كما أعرب السفير السوداني عن تقديره لمصر، قيادة وحكومة وشعبًا، على ما قدمته من استضافة ودعم للسودانيين خلال الفترة الماضية، مشيرًا إلى أن العائدين يغادرون مصر وهم يحملون مشاعر الامتنان لما وجدوه من استقبال ورعاية.

أكثر من 33 ألف سوداني عادوا عبر برامج الطوعية


وفي السياق ذاته، أعلن رئيس لجنة الأمل للعودة الطوعية المهندس محمد وداعة أن اللجنة تمكنت من إعادة أكثر من 33 ألف مواطن سوداني إلى البلاد عبر وسائل نقل مختلفة، شملت الطائرات والبواخر والحافلات السفرية.

وأوضح أن عمليات العودة شملت فئات متعددة، بينها كبار السن والمرضى والفئات الأكثر احتياجًا، وأنها تمت عبر شراكات مع عدد من المؤسسات الوطنية والخيرية، من بينها ديوان الزكاة.

وتعكس هذه الأرقام حجم التحدي المرتبط بملف العودة، في ظل استمرار الحاجة إلى توفير ظروف أمنية واقتصادية وخدمية تسمح بعودة مستقرة، لا تقتصر على انتقال المواطنين من الخارج إلى الداخل، وإنما تضمن قدرتهم على استعادة حياتهم وإنتاجهم المهني.

عودة الإعلاميين ومعركة إعادة بناء المجال العام


وتكتسب عودة الصحفيين والفنانين والمثقفين أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى إعادة بناء المجال العام السوداني بعد الحرب، إذ تمثل هذه الفئات أحد أهم مصادر إنتاج الخطاب الوطني وتوثيق التحولات التي تمر بها البلاد.

فالحرب لم تؤثر فقط على البنية المادية للمؤسسات، بل أحدثت أيضًا اضطرابًا في المشهد الإعلامي والثقافي، مع انتقال العديد من المنابر إلى الخارج وتراجع النشاط الفني والثقافي داخل السودان.

ويرى مراقبون أن استعادة هذا القطاع تمثل جزءًا من معركة أوسع لإعادة بناء الدولة والمجتمع، إذ إن مرحلة ما بعد النزاع تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة، وفتح مساحات للنقاش العام، والمساهمة في معالجة آثار الانقسام الذي خلفته الحرب.

غير أن نجاح هذه العودة سيظل مرتبطًا بقدرة السلطات على توفير بيئة مهنية مستقرة تضمن استقلالية العمل الإعلامي والإبداعي، وتحول عودة الكفاءات من خطوة رمزية إلى مشروع مستدام لاستعادة دورها داخل البلاد.

اظهار أخبار متعلقة




اختبار ما بعد العودة


ورغم الطابع الاحتفالي الذي رافق انطلاق "قطار العودة"، فإن المبادرة تفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل السودان بعد الحرب، وكيفية تحويل عودة الكفاءات من إجراء إنساني إلى سياسة وطنية طويلة الأمد.

فالإعلاميون والمبدعون الذين عادوا يمثلون جزءًا من رأس المال البشري الذي يحتاجه السودان في مرحلة التعافي، لكن استمرارهم داخل البلاد يتطلب معالجة الأسباب التي دفعتهم إلى المغادرة، وفي مقدمتها الاستقرار الأمني، وتحسين ظروف العمل، وإعادة بناء المؤسسات الثقافية والإعلامية.

وبينما يحمل القطار رمزية العودة إلى الوطن، فإن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذه اللحظة إلى بداية لمسار يعيد للسودان طاقاته الفكرية والثقافية، ويمنح الإعلام والمبدعين دورًا فاعلًا في صياغة مرحلة ما بعد الحرب.

من حرب الخرطوم إلى محاولة استعادة مؤسسات الدولة


تأتي مبادرة عودة الإعلاميين والمبدعين في سياق مرحلة جديدة يعيشها السودان بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب التي اندلعت في 15 نيسان/أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وأدت إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، مع تدمير واسع للبنية التحتية، وتراجع عمل مؤسسات الدولة، وانتقال مركز الإدارة الحكومية من الخرطوم إلى مدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر.

وشكلت الخرطوم منذ بداية القتال مركز الثقل في المواجهات، حيث تركزت المعارك حول المقار السيادية والعسكرية والمنشآت الحكومية، ما أدى إلى خروج معظم مؤسسات الدولة من العاصمة، وانتقال الحكومة والوزارات والهيئات الرسمية إلى بورتسودان التي تحولت خلال فترة الحرب إلى مركز إداري وسياسي بديل.

وخلال فترة الحرب، تعرض القطاع الإعلامي والثقافي لضربات كبيرة، إذ توقفت مؤسسات صحفية وإذاعية وتلفزيونية عديدة عن العمل، واضطر عدد كبير من الصحفيين والفنانين والمثقفين إلى مغادرة العاصمة أو البلاد، فيما تحولت بعض الأنشطة الإعلامية إلى العمل من الخارج وسط ظروف استثنائية.

ومع تطورات العمليات العسكرية وتقدم الجيش السوداني في العاصمة، بدأت ملامح تغير ميداني تظهر تدريجيًا، وصولًا إلى استعادة السيطرة على مناطق واسعة من الخرطوم، بما في ذلك مواقع حكومية ورمزية، وهو ما فتح الباب أمام الحديث عن إعادة مؤسسات الدولة إلى العاصمة بعد سنوات من الغياب.

وأعقب استعادة الخرطوم خطوات عملية لإعادة تشغيل أجهزة الحكومة من داخل العاصمة، في محاولة لإنهاء حالة الإدارة المؤقتة التي فرضتها الحرب، وإعادة الاعتبار للخرطوم بوصفها المركز السياسي والإداري للبلاد.

وفي هذا السياق، تحمل عودة الإعلاميين والمبدعين من مصر دلالة تتجاوز بعدها الإنساني، إذ تأتي بالتوازي مع مساعي إعادة تشغيل مؤسسات الدولة واستعادة الحياة العامة في العاصمة، بعد أن أصبحت إعادة بناء المجال الإعلامي والثقافي جزءًا من معركة أوسع لإعادة إنتاج صورة السودان بعد الحرب.

لكن عودة المؤسسات والكفاءات إلى الخرطوم تبقى مرتبطة بمدى قدرة السلطات على تثبيت الأمن، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وخلق بيئة تسمح باستمرار العمل المهني والثقافي، خصوصًا بعد أن ترك النزاع آثارًا عميقة على الدولة والمجتمع والاقتصاد.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)