الكتاب : إغراء الشعبوية في العالم العربي
/الاستعباد الطوعي الجديد
الكاتب : حسن اوريد
الناشر : المركز الثقافي العربي
الطبعة الاولى نوفمبر 2024
عدد الصفحات 352 صفحة
عندما يصدر حسن أوريد كتابًا جديدًا حول
الشعبوية، فإن القراءة التي تكتفي بالتعامل مع النص بوصفه مساهمة في النقاش الدائر
حول هذا المفهوم تبدو قراءة تفوت جانبًا مهمًا من دلالته. فالشعبوية لا تشكل في
مشروعه الفكري موضوعًا مستقلًا بقدر ما تمثل مدخلًا جديدًا إلى الأسئلة نفسها التي
ظلت ترافق كتاباته خلال السنوات الأخيرة: كيف تتشكل الشرعية السياسية في المجتمعات
العربية؟ وما الذي يحدث عندما تفقد النخب قدرتها على إنتاج المعنى؟ وكيف تنتقل
المجتمعات من التطلع إلى الحرية إلى البحث عن أشكال مختلفة من الحماية واليقين؟
ضمن هذا الأفق الفكري يأتي كتاب "إغراء
الشعبوية في العالم العربي: الاستعباد الطوعي الجديد". وهو عنوان يشي منذ
الوهلة الأولى بأن المؤلف لا ينشغل بالشعبوية باعتبارها تقنية سياسية أو أسلوبًا
انتخابيًا فحسب، بل باعتبارها ظاهرة تكشف عن تحولات أعمق تمس علاقة المجتمع
بالسلطة، وعلاقة المواطن بالمجال العام، وعلاقة الدولة بمصادر مشروعيتها. فاختيار
كلمة "إغراء" يحيل إلى قوة جذب تمارسها فكرة أو صورة أو وعد، بينما يفتح
مفهوم "الاستعباد الطوعي" الباب أمام تساؤلات تتجاوز السياسة اليومية
نحو البنى الذهنية والثقافية التي تجعل الخضوع خيارًا مقبولًا في ظروف معينة.
ويكتسب الكتاب أهميته من السياق الذي يصدر
فيه. فمنذ أكثر من عقد يعيش العالم العربي على إيقاع تحولات كبرى أعادت طرح
الأسئلة الأساسية المتعلقة بالدولة والمجتمع والتمثيل السياسي. وقد كشفت هذه
التحولات عن تآكل تدريجي للسرديات التي منحت المجال السياسي معناه خلال النصف
الثاني من القرن العشرين. فالمشاريع القومية فقدت كثيرًا من قدرتها التعبوية،
والإسلام السياسي واجه حدود تجربته العملية، فيما اصطدمت رهانات الانتقال
الديمقراطي بعوائق معقدة ومتشابكة. وفي ظل هذا المشهد برزت الحاجة إلى صيغ جديدة
لتفسير الواقع وإنتاج الشرعية، وهي الحاجة التي وجدت الخطابات الشعبوية مجالًا
واسعًا للتحرك داخله.
غير أن أوريد لا يقرأ هذه الظاهرة من زاوية
سياسية ضيقة. فالمسألة في نظره لا تتعلق بصعود زعيم شعبوي هنا أو هناك، ولا بمجرد
انتشار خطاب يعتمد تبسيط القضايا المعقدة. ما يلفت انتباهه هو التحول الذي يصيب
المجتمع نفسه، حين تتراجع الثقة في المؤسسات الوسيطة، وحين تفقد النخب التقليدية
قدرتها على الإقناع، وحين يصبح الوعد بالحسم أكثر جاذبية من الوعد بالمشاركة. عند
هذه النقطة تتحول الشعبوية من ظاهرة سياسية إلى مؤشر ثقافي وحضاري يعكس تغيرًا في
طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.
لا تبدو الشعبوية في قراءة حسن أوريد ظاهرة سياسية معزولة يمكن تفسيرها من خلال دراسة خطاب سياسي أو صعود زعيم بعينه. فهي ترتبط، في خلفية الكتاب، بمسار تاريخي أطول عرفته المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة، حيث أخذت السرديات التي منحت السياسة معناها وقدرتها على التعبئة تفقد تدريجيًا فاعليتها الرمزية. ومن هذا المنظور يصبح صعود الشعبوية جزءًا من أزمة أعمق تتعلق بإنتاج المعنى السياسي أكثر مما يتعلق بتقنيات العمل السياسي ذاتها.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الكتاب
باعتباره استمرارًا لانشغال أوسع لدى أوريد بأزمة المجال السياسي العربي. فالقارئ
الذي تابع أعماله السابقة سيجد أن موضوع الشعبوية يتقاطع مع أسئلة حاضرة بقوة في
مجمل إنتاجه الفكري: سؤال النخبة، وسؤال الدولة، وسؤال الهوية، وسؤال الحداثة
العربية. وكأن الشعبوية تظهر هنا بوصفها نتيجة لتشابك هذه الأزمات جميعًا، لا
بوصفها سببًا مستقلًا قائمًا بذاته.
تسعى هذه المراجعة إلى قراءة الكتاب من خلال
أطروحته المركزية، أي من خلال الطريقة التي يفهم بها المؤلف العلاقة بين الشعبوية
والاستبداد وبين الرغبة في الحرية والحاجة إلى الاستقرار. كما تحاول مناقشة القيمة
التفسيرية للمفاهيم التي يقترحها، ومدى قدرتها على الإحاطة بالتعقيد الذي يميز
التجارب العربية المعاصرة. فالرهان الأساسي للكتاب لا يكمن في تعريف الشعبوية بقدر
ما يكمن في محاولة فهم الشروط التي تجعلها ممكنة، والظروف التي تمنحها هذا الحضور
المتزايد في المجال العام العربي.
أولًا ـ الشعبوية بوصفها عرضًا لأزمة
تاريخية
لا تبدو الشعبوية في قراءة حسن أوريد ظاهرة
سياسية معزولة يمكن تفسيرها من خلال دراسة خطاب سياسي أو صعود زعيم بعينه. فهي
ترتبط، في خلفية الكتاب، بمسار تاريخي أطول عرفته المجتمعات العربية خلال العقود
الأخيرة، حيث أخذت السرديات التي منحت السياسة معناها وقدرتها على التعبئة تفقد
تدريجيًا فاعليتها الرمزية. ومن هذا المنظور يصبح صعود الشعبوية جزءًا من أزمة
أعمق تتعلق بإنتاج المعنى السياسي أكثر مما يتعلق بتقنيات العمل السياسي ذاتها.
منذ منتصف القرن العشرين ارتبط المجال العام
العربي بعدد من المشاريع الكبرى التي تجاوزت حدود البرامج السياسية المباشرة. فقد
قدم المشروع القومي نفسه باعتباره وعدًا بالوحدة والتحرر والتقدم، بينما قدمت
الدولة الوطنية نفسها باعتبارها أداة للتنمية والتحديث. وفي مرحلة لاحقة ظهر
الإسلام السياسي بوصفه بديلًا قادرًا على معالجة الإخفاقات المتراكمة للمشاريع
السابقة. غير أن العقود الأخيرة كشفت حدود هذه السرديات جميعًا، سواء بسبب
التناقضات الداخلية التي حملتها أو بسبب التحولات الإقليمية والدولية التي أعادت
تشكيل شروط الفعل السياسي.
في هذا السياق يكتسب مفهوم الأزمة لدى أوريد
دلالة تتجاوز المعنى الاقتصادي أو المؤسساتي المباشر. فالأزمة هنا تتعلق بتراجع
قدرة النخب على إقناع المجتمع بجدوى المشاريع التي تطرحها، كما تتعلق بتآكل الثقة
في المؤسسات التي يفترض أن تؤطر العلاقة بين الدولة والمواطن. وعندما تتراجع هذه
الثقة يصبح المجال السياسي أكثر قابلية لاستقبال الخطابات التي تقدم حلولًا سريعة
ومباشرة، وتعد بإعادة بناء العلاقة بين السلطة والشعب دون المرور عبر التعقيدات
التي تفرضها المؤسسات والآليات التمثيلية.
من هذه الزاوية يمكن فهم الجاذبية التي
تتمتع بها الشعبوية. فهي لا تنبع فقط من قدرة الخطاب الشعبوي على التأثير في
الجمهور، بل من وجود فراغ سياسي ورمزي يسمح لهذا الخطاب بأن يحتل موقعًا متقدمًا
في المجال العام. فحين تتعرض المؤسسات التقليدية للتشكيك، وحين تتراجع الثقة في
الأحزاب والنخب والبرلمانات ووسائل الإعلام، يصبح الوعد بالتمثيل المباشر أكثر
قدرة على استقطاب التأييد.
ويبدو أن أوريد يضع التجربة العربية ضمن هذا
الإطار الواسع. فالسنوات التي أعقبت الانتفاضات العربية كشفت عن حجم الهوة بين
التطلعات الاجتماعية والقدرات الفعلية للأنظمة السياسية. وقد أفرزت هذه المرحلة
حالة من الإرهاق الجماعي جعلت قطاعات واسعة من الرأي العام أكثر اهتمامًا
بالاستقرار والحسم من اهتمامها بالنقاشات المرتبطة بالمشاركة السياسية. وهنا
بالذات تبدأ الشعبوية في الظهور باعتبارها استجابة ممكنة لحالة القلق وعدم اليقين
التي تعيشها المجتمعات.
غير أن أهمية هذه المقاربة لا تكمن فقط في
تفسير صعود الشعبوية، بل في الطريقة التي تعيد بها تعريف الأزمة السياسية العربية.
فبدل النظر إليها باعتبارها أزمة مؤسسات أو أزمة حكومات فحسب، يجري التعامل معها
بوصفها أزمة ثقة شاملة تمس العلاقة بين المجتمع والسياسة ذاتها. وفي ظل هذه الأزمة
يصبح المواطن أقل اقتناعًا بفعالية الوسائط التقليدية وأكثر استعدادًا للبحث عن
أشكال مباشرة من التمثيل السياسي.
ومع ذلك تثير هذه الأطروحة عددًا من الأسئلة
التي تستحق المناقشة. فربط الشعبوية بأفول السرديات الكبرى يساعد على فهم جانب مهم
من الظاهرة، لكنه قد لا يكون كافيًا لتفسير تباين التجارب العربية. فالأوضاع
الاقتصادية والاجتماعية، وطبيعة الدولة، وتركيبة النخب، ومستوى التطور المؤسساتي،
كلها عوامل تؤثر بدرجات متفاوتة في إنتاج الظاهرة الشعبوية. ومن ثم فإن الحديث عن
أزمة عربية عامة قد يخفي أحيانًا الفروق الجوهرية بين سياقات سياسية مختلفة.
لا تبدو الشعبوية مجرد خطاب يبالغ في تمثيل الشعب، بل تتحول إلى آلية لإعادة تشكيل معنى الحرية ذاته. فبدل أن تكون الحرية مرتبطة بتوسيع فضاء المشاركة، والمؤسسات، والرقابة الديمقراطية، تصبح مرتبطة بالقدرة على الحسم، وتجاوز "تعقيدات السياسة"، والانحياز إلى من يقدم حلولًا فورية. وهكذا يحدث انزياح دلالي مهم: الحرية لا تعود ممارسةً سياسية، بل تتحول إلى شعور بالارتياح تجاه السلطة التي تبدو أكثر قدرة على الفعل.
كما أن مفهوم السرديات الكبرى نفسه يحتاج
إلى قدر من التدقيق. إذ إن تراجع مشروع معين لا يعني بالضرورة اختفاء الحاجة
الاجتماعية إلى المعنى أو إلى الأفق الجماعي. وقد يكون ما نشهده أقرب إلى إعادة
تشكيل مصادر الشرعية السياسية منه إلى انهيارها الكامل. وفي هذه الحالة تغدو
الشعبوية إحدى الصيغ التي يعاد من خلالها إنتاج المعنى السياسي في زمن تتراجع فيه
الأيديولوجيات التقليدية.
ومهما يكن من أمر، فإن إحدى أهم مساهمات
الكتاب تتمثل في نقله النقاش حول الشعبوية من مستوى الظاهرة السياسية المباشرة إلى
مستوى الشروط التاريخية والثقافية التي تجعلها ممكنة. فالشعبوية، وفق هذا التصور،
لا تبدأ عند السياسي الذي يخاطب الجماهير، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، عند اللحظة التي
تفقد فيها المجتمعات ثقتها بالأدوات التي كانت تنظم علاقتها بالسياسة. وعند هذه
النقطة يصبح البحث عن الخلاص أهم من البحث عن التمثيل، ويصبح الوعد بالحسم أكثر
جاذبية من الوعد بالمشاركة.
ثانيًا ـ الاستعباد الطوعي الجديد.. من
الحرية المأمولة إلى القبول بالسلطة
إذا كان المحور الأول قد اشتغل على الشروط
التاريخية التي جعلت الشعبوية ممكنة، فإن هذا المحور يفتح على سؤال أكثر حساسية في
قراءة حسن أوريد، وهو: كيف يتحول الإخفاق التاريخي في بناء الحرية إلى نوع من
القبول الطوعي بالسلطة، بل إلى إعادة إنتاجها من داخل خطاب يفترض أنه يتحدث باسم
الشعب؟
هنا يستحضر أوريد، بشكل مباشر أو ضمني، فكرة
"الاستعباد الطوعي" التي تعود جذورها إلى إتيان دو لا بويسي، ولكنها
تتخذ في سياق الكتاب صيغة معاصرة أكثر تعقيدًا. فالمسألة لم تعد مجرد خضوع قسري
لسلطة قهرية، بل تحوّل تدريجي يجعل الأفراد أنفسهم يشاركون في إعادة إنتاج شروط
خضوعهم، تحت شعارات الحرية، والاستقرار، ومقاومة الفوضى، أو حتى باسم “إرادة
الشعب” نفسها.
في هذا الإطار، لا تبدو الشعبوية مجرد خطاب
يبالغ في تمثيل الشعب، بل تتحول إلى آلية لإعادة تشكيل معنى الحرية ذاته. فبدل أن
تكون الحرية مرتبطة بتوسيع فضاء المشاركة، والمؤسسات، والرقابة الديمقراطية، تصبح
مرتبطة بالقدرة على الحسم، وتجاوز "تعقيدات السياسة"، والانحياز إلى من
يقدم حلولًا فورية. وهكذا يحدث انزياح دلالي مهم: الحرية لا تعود ممارسةً سياسية،
بل تتحول إلى شعور بالارتياح تجاه السلطة التي تبدو أكثر قدرة على الفعل.
من هذا المنظور، يقرأ أوريد التحولات التي
عرفتها بعض المجتمعات العربية بعد موجات الربيع العربي بوصفها لحظة انكشاف مزدوج:
انكشاف هشاشة المشاريع الديمقراطية من جهة، وانكشاف قابلية المجتمعات نفسها
للانجذاب نحو أشكال من السلطة التي تعد بالأمن والوضوح من جهة ثانية. وهنا تتبلور
المفارقة المركزية: فكلما تعثرت مسارات الحرية، لم ينتج ذلك بالضرورة مزيدًا من
الديمقراطية، بل قد ينتج طلبًا اجتماعيًا على سلطة أكثر مركزية وصلابة.
لكن الأهم في هذا التحليل هو أن الاستعباد
الطوعي لا يُفهم بوصفه خضوعًا سلبيًا، بل بوصفه علاقة معقدة بين الإحباط والرغبة.
فالفرد الذي مرّ بتجارب سياسية غير مكتملة، أو شهد انهيار مؤسسات وسيطة، لا يعود
يرى في التعددية ضمانة للاستقرار، بل عبئًا. عندها تصبح السلطة القوية ليست مفروضة
عليه فقط، بل مرغوبة أيضًا، لأنها تختصر المسافة بين الحاجة والقرار، بين القلق
والحسم.
وهنا يلتقي التحليل مع جوهر الشعبوية كما
يفهمها أوريد: فهي لا تفرض السلطة من خارج المجتمع فقط، بل تعيد إنتاجها من داخله
عبر خطاب يذيب المسافة بين “الشعب” و“من يحكم باسم الشعب”. فكل اعتراض يمكن أن
يُقدَّم باعتباره ضد الإرادة العامة، وكل اختلاف يمكن أن يُصوَّر بوصفه تهديدًا
لوحدة الجماعة. وبهذا المعنى، تتحول الشعبوية إلى أداة رمزية لتطبيع مركزية السلطة
بدل تفكيكها.
ومع ذلك، فإن هذا التصور يطرح إشكالًا
مهمًا: إلى أي حد يمكن اعتبار هذا "الاستعباد الطوعي" نتيجة حتمية لمسار
تاريخي واحد؟ أم أنه يتفاوت حسب السياقات والمؤسسات والثقافات السياسية داخل
العالم العربي نفسه؟ فهناك مجتمعات شهدت انفتاحًا نسبيًا في المجال العام، وأخرى
ظلت فيها الدولة أكثر حضورًا من المجتمع، ما يجعل درجات “القبول الطوعي” بالسلطة
غير متساوية.
كما يمكن التساؤل عما إذا كان هذا المفهوم
لا يبالغ في تحميل الأفراد مسؤولية نتائج اختلالات بنيوية عميقة. فحين يتحول "الطوعي"
إلى عنصر تفسير مركزي، قد يُخشى أن يُخفي ذلك دور القسر، والاقتصاد السياسي،
وأجهزة الدولة في إعادة إنتاج أنماط الطاعة. بمعنى آخر، هل نحن أمام اختيار فعلي،
أم أمام تكيّف محدود داخل شروط غير متكافئة؟
لكن بالرغم من هذه الإشكالات، يظل هذا
المحور من أقوى مفاصل الكتاب، لأنه ينجح في نقل النقاش من مستوى توصيف الشعبوية
إلى مستوى تفكيك علاقتها العميقة بإعادة إنتاج السلطة نفسها. فالشعبوية، في هذا
المعنى، لا تقف خارج النظام السياسي، بل تعمل من داخله، وتستفيد من هشاشته لتقديم
نفسها كبديل "طبيعي" عن السياسة التمثيلية.
وهكذا يصبح السؤال الذي يفتحه أوريد سؤالًا
مزدوجًا: كيف يمكن استعادة معنى الحرية في سياق يتزايد فيه الطلب على السلطة؟ وكيف
يمكن إعادة بناء الثقة السياسية دون الوقوع في وهم الخلاص السريع الذي تقدمه
الشعبوية؟
ثالثًا ـ تفكك الوسائط السياسية وأزمة النخب..
حين تفقد السياسة مترجميها
إذا كان المحوران السابقان قد ركزا على
الشروط التاريخية لصعود الشعبوية وعلى تحول علاقة الفرد بالسلطة، فإن هذا المحور
يتناول الحلقة التي تقع بينهما: النخب السياسية والثقافية والإعلامية التي يفترض
أنها تقوم بدور الوسيط بين المجتمع والدولة، وبين المطالب الاجتماعية وصياغتها
السياسية.
في قراءة حسن أوريد، لا يمكن فهم تمدد
الشعبوية دون التوقف عند التآكل التدريجي لهذه الوسائط، سواء كانت أحزابًا سياسية
أو إعلامًا أو نخبًا فكرية. فهذه البنى لم تعد قادرة على القيام بوظيفتها
التقليدية: تحويل المطالب الاجتماعية المتفرقة إلى مشاريع سياسية منظمة، وصياغة
خطاب عقلاني يربط بين التعقيد الاجتماعي وإمكانات الفعل السياسي.
في هذا السياق، لا يظهر تفكك النخب بوصفه
مجرد أزمة أشخاص أو ضعف كفاءات، بل بوصفه أزمة بنيوية في وظيفة الوساطة نفسها.
فالأحزاب، بدل أن تكون فضاءات لتأطير المشاركة السياسية، تحولت في كثير من الحالات
إلى أجهزة انتخابية موسمية. والإعلام، بدل أن يكون مجالًا للنقاش العمومي، انزاح
في اتجاه الإثارة أو الاصطفاف. أما النخب الثقافية، فقد تراجعت قدرتها على التأثير
في النقاش العام لصالح خطاب مباشر وسريع يتداول عبر الفضاءات الرقمية.
هذا الفراغ الوسائطي هو ما يسمح للشعبوية
بأن تتقدم بوصفها “بديلًا مباشرًا” عن السياسة المؤسسية. فحين تفقد الوسائط
التقليدية قدرتها على الترجمة، يصبح الخطاب المباشر – القائم على ثنائية
الشعب/النخبة، أو الشعب/الفساد – أكثر جاذبية وفعالية. وهنا تحديدًا تتغذى
الشعبوية من ضعف خصومها المؤسسيين أكثر مما تتغذى من قوتها الذاتية.
لا يظهر تفكك النخب بوصفه مجرد أزمة أشخاص أو ضعف كفاءات، بل بوصفه أزمة بنيوية في وظيفة الوساطة نفسها. فالأحزاب، بدل أن تكون فضاءات لتأطير المشاركة السياسية، تحولت في كثير من الحالات إلى أجهزة انتخابية موسمية. والإعلام، بدل أن يكون مجالًا للنقاش العمومي، انزاح في اتجاه الإثارة أو الاصطفاف. أما النخب الثقافية، فقد تراجعت قدرتها على التأثير في النقاش العام لصالح خطاب مباشر وسريع يتداول عبر الفضاءات الرقمية.
لكن ما يلفت في طرح أوريد هو أن أزمة النخب
لا تُفهم فقط بوصفها فشلًا وظيفيًا، بل بوصفها فقدانًا للشرعية الرمزية. فالنخب لم
تعد تُرى باعتبارها “ممثلة للمعرفة” أو “حاملة لمشروع”، بل باعتبارها جزءًا من
المشكلة السياسية نفسها. وهذا التحول في النظرة الاجتماعية للنخب لا يقل أهمية عن
تراجع أدائها الفعلي، لأنه يضرب الأساس الرمزي الذي كانت تقوم عليه الوساطة
السياسية.
في هذا الفراغ، تتقدم الشعبوية لتقدم نفسها
كخطاب “غير وسيط”، أي خطاب يرفض فكرة التمثيل المعقد أصلًا، ويعد بفتح قناة مباشرة
بين القائد والشعب. وهنا يحدث تحول جوهري في بنية السياسة: من سياسة تقوم على
التعدد والوساطة والتفاوض، إلى سياسة تقوم على الاختزال والتبسيط وإلغاء المسافة
بين الحاكم والمحكوم.
ومع ذلك، يطرح هذا التحليل سؤالًا أساسيًا:
هل يمكن اختزال أزمة الوسائط في تراجع النخب فقط؟ أم أن هناك تحولات أعمق في بنية
المجتمع والتكنولوجيا وأنماط التواصل نفسها؟ فصعود الإعلام الرقمي ومنصات التواصل
الاجتماعي أعاد تشكيل المجال العام بطريقة جعلت الاحتكار التقليدي للخطاب السياسي
شبه مستحيل. لم تعد النخب وحدها تتحكم في إنتاج المعنى، بل أصبح الفضاء مفتوحًا
أمام أصوات متعددة، بعضها عابر، وبعضها غير منظم، وبعضها شديد التأثير رغم هشاشته.
هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية النخب،
لكنه يعني إعادة تعريف دورها. فبدل أن تكون النخب "منتجة للمعنى"، أصبحت
في كثير من الأحيان "متفاعلة مع معنى جاهز" يُنتج في الفضاء العام
السريع والمفتوح. وهنا تتعمق أزمة الوساطة: ليس فقط لأن النخب ضعفت، بل لأن شروط
إنتاج الخطاب السياسي نفسها تغيرت.
من جهة أخرى، يمكن التساؤل عما إذا كان وصف
النخب بالانهيار لا يخفي أشكالًا جديدة من إعادة التشكل. فبعض الفاعلين الجدد ـ من
مؤثرين رقميين، أو خبراء، أو شخصيات سياسية خارج الأطر التقليدية ـ يقومون اليوم
بأدوار وسيطة جديدة، وإن كانت غير مستقرة أو غير مؤسسية. بمعنى آخر، نحن لا أمام
فراغ كامل في الوساطة، بل أمام إعادة توزيع غير مكتملة لوظائفها.
لكن بالرغم من هذه التحفظات، يظل جوهر
أطروحة أوريد قويًا في هذه النقطة: فالشعبوية لا تنمو فقط في فراغ اقتصادي أو
سياسي، بل تنمو أيضًا في فراغ رمزي ومعرفي، حيث تفقد السياسة لغتها الوسيطة،
وتتحول إلى مواجهة مباشرة بين خطابين متقابلين: خطاب يعد بالإنقاذ، وخطاب يُختزل
في الاتهام أو الرفض.
وهكذا يصبح تفكك النخب والوسائط السياسية
شرطًا حاسمًا لفهم ليس فقط صعود الشعبوية، بل طبيعة المجال السياسي المعاصر ذاته،
الذي لم يعد يقوم على التدرج والتعقيد، بل على السرعة، والتبسيط، والتفاعل المباشر.
رابعًا ـ من الخطاب إلى السلطة.. حين تتحول
الشعبوية إلى نمط حكم
إذا كانت المحاور السابقة قد تتبعت الشروط
التاريخية لصعود الشعبوية، وتحول علاقة الأفراد بالسلطة، وتفكك الوسائط السياسية،
فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا يحدث عندما لا تبقى الشعبوية مجرد خطاب
احتجاجي أو أسلوب تعبئة، بل تتحول إلى منطق في الحكم ذاته؟
في قراءة حسن أوريد، لا تُفهم الشعبوية
بوصفها مرحلة عابرة تسبق “استقرارًا ديمقراطيًا” مفترضًا، بل بوصفها إمكانية دائمة
يمكن أن تتحول إلى نمط حكم عندما تتوفر لها شروط معينة، أهمها ضعف المؤسسات، وتآكل
الوسائط، وغياب التوازن بين السلطات. في هذه الحالة، لا تعود الشعبوية خارج النظام
السياسي، بل تصبح جزءًا من بنيته الداخلية.
في هذا النمط من الحكم، تتحول الثنائية
الشعب/النخبة إلى أداة مركزية لإعادة إنتاج الشرعية. فالحاكم لا يتقدم بوصفه
ممثلًا ضمن نظام مؤسسي، بل بوصفه تجسيدًا مباشرًا لإرادة الشعب في مواجهة "نخب
فاسدة" أو "أعداء داخليين". وبهذا المعنى، تصبح الشرعية السياسية
مستمدة من القدرة على ادعاء التطابق مع الشعب، لا من التعدد المؤسسي أو التوازن
الدستوري.
غير أن ما يميز هذا التحول هو أن الشعبوية
في الحكم لا تلغي الدولة، بل تعيد توظيفها. فالمؤسسات تبقى قائمة، لكنها تفقد
استقلالها التدريجي لصالح مركز قرار أكثر تركيزًا. ويتم إعادة تعريف دور القانون،
والإعلام، والأحزاب، بحيث تصبح جميعها امتدادًا للخطاب السياسي المهيمن، بدل أن
تكون فضاءات مستقلة أو نقدية.
في هذا السياق، لا يعود الهدف الأساسي هو
توسيع المجال السياسي، بل تبسيطه. فالتعقيد الذي يفترضه العمل المؤسسي يُنظر إليه
باعتباره عائقًا أمام "الإرادة الشعبية"، ويتم استبداله بمنطق القرار
السريع والحاسم. وهنا يظهر أحد أهم تحولات الشعبوية في الحكم: تحويل السياسة من
مجال للتفاوض إلى مجال للتنفيذ.
لكن هذه الدينامية تحمل تناقضًا داخليًا
واضحًا. فالشعبوية، وهي تدّعي تمثيل الشعب بشكل مباشر، تحتاج في الواقع إلى تركيز
متزايد للسلطة كي تحافظ على قدرتها على “التجسيد”. وكلما ازداد هذا التركيز، اتسعت
الهوة بين خطاب المشاركة المباشرة وممارسة الحكم الفعلية. وهكذا تنشأ مفارقة: خطاب
يعد بإعادة السلطة إلى الشعب، لكنه يؤدي عمليًا إلى تضييق قنوات المشاركة.
ومن جهة أخرى، يلفت أوريد إلى أن الشعبوية
في الحكم لا تقوم فقط على السيطرة السياسية، بل على إعادة تشكيل المجال الرمزي
أيضًا. فالإعلام يتحول إلى أداة لتثبيت الرواية الرسمية، والمعارضة تُعاد صياغتها
إما كخطر أو كخيانة، والنقاش العام يُختزل في تأييد أو رفض. وبهذا المعنى، لا يتم
فقط احتكار القرار، بل أيضًا احتكار تعريف “الشعب” نفسه.
ومع ذلك، لا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن
الطلب الاجتماعي الذي يغذيه. فكما أشار المحور الثاني، هناك قابلية متزايدة لدى
قطاعات من المجتمع لتفضيل الوضوح والحسم على التعدد والتعقيد. وهذا ما يجعل
الشعبوية في الحكم ليست فقط مشروعًا من الأعلى، بل أيضًا استجابة لتوقعات من
الأسفل، حتى وإن كانت هذه التوقعات نفسها نتاج تجارب إحباط سابقة.
لكن يظل السؤال النقدي الأساسي: هل الشعبوية
في الحكم نظام مستقر فعلًا، أم أنها بطبيعتها تحمل عناصر عدم الاستقرار داخلها؟
فالتوتر بين خطاب المشاركة المباشرة وممارسة التركيز السلطوي يجعل هذا النمط من
الحكم
عرضة دائمًا لإعادة إنتاج الأزمات التي يدّعي حلها. إذ كلما تم تقليص
الوسائط والمؤسسات، ازدادت حساسية النظام تجاه الصدمات، سواء كانت اقتصادية أو
اجتماعية أو سياسية.
في هذا المعنى، لا تبدو الشعبوية نهاية
للتاريخ السياسي، بل مرحلة إعادة تشكيل مؤقتة للمجال السياسي، تتسم بقدرتها على
تعبئة قوية، ولكن أيضًا بضعف مؤسسي بنيوي. وهو ما يجعلها، في تحليل أوريد، ليست
مجرد خيار سياسي، بل عرضًا لتحولات أعمق في بنية الدولة والمجتمع معًا.
وهكذا، يتحول السؤال من "كيف تصل
الشعبوية إلى الحكم؟" إلى سؤال أكثر تعقيدًا: "ما الذي يبقى من السياسة
عندما تُختزل في التطابق بين الحاكم والشعب؟"
خاتمة ـ الشعبوية كمرآة للأزمة السياسية
العربية.. بين قوة التشخيص وحدود التفسير
عند تجميع خيوط هذا الكتاب كما قدّمها حسن
أوريد، يتضح أننا لسنا أمام دراسة تقليدية للشعبوية بوصفها أسلوبًا في الخطاب
السياسي أو ظاهرة انتخابية عابرة، بل أمام محاولة أوسع لفهم التحولات العميقة التي
أصابت المجال السياسي العربي خلال العقود الأخيرة. فالشعبوية، في هذا المنظور،
ليست سببًا بقدر ما هي نتيجة؛ وليست بداية الأزمة، بل أحد تعبيراتها الأكثر وضوحًا.
تكمن القوة الأساسية للكتاب في قدرته على
نقل النقاش من السطح السياسي المباشر إلى البنية التحتية التاريخية والثقافية التي
تجعل الشعبوية ممكنة أصلًا. فقد أظهر، عبر المحاور الأربعة، أن صعود هذا النمط من
الخطاب والحكم يرتبط بتراكم طويل من تراجع السرديات الكبرى، وتآكل الثقة في
الوسائط السياسية، وتفكك النخب، ثم إعادة تشكيل علاقة الأفراد بالسلطة. وبهذا
المعنى، ينجح أوريد في تقديم الشعبوية ليس كظاهرة معزولة، بل كعرض لأزمة شاملة في
إنتاج المعنى السياسي.
كما أن أحد أهم إسهامات الكتاب يتمثل في
تفكيكه لفكرة “الاستثناء العربي” بطريقة غير مباشرة، إذ يضع التجربة العربية ضمن
دينامية عالمية أوسع، حيث تتراجع الوسائط التقليدية للسياسة، ويتزايد الميل نحو
الخطابات المباشرة التي تعد بالوضوح والحسم. غير أن خصوصية السياق العربي تظهر في
حدّة هذا المسار وسرعته، وفي هشاشة البنى المؤسسية التي كان يفترض أن تُبطئ من
انزلاق السياسة نحو الاختزال الشعبوي.
إن ما يقدمه أوريد، في نهاية المطاف، هو نوع من الإنذار الفكري أكثر منه وصفة تحليلية مكتملة: فالشعبوية ليست مجرد خطر خارجي على الديمقراطية، بل هي احتمال داخلي يولد عندما تفقد السياسة أدواتها الوسيطة، وعندما يصبح البحث عن اليقين والحسم أكثر إغراءً من قبول التعقيد والتعدد.
ومع ذلك، فإن قوة التشخيص لا تخفي بعض حدود
التفسير. فالميول العامة التي يعتمد عليها التحليل ـ مثل الحديث عن أزمة شاملة في
السرديات، أو انهيار واسع للنخب ـ قد تؤدي أحيانًا إلى نوع من التعميم الذي يقلل من
أهمية التباينات بين التجارب العربية المختلفة. فليست كل الدول، ولا كل المجتمعات،
قد وصلت إلى الدرجة نفسها من تفكك الوسائط أو تآكل المؤسسات أو قابلية الاستجابة
الشعبوية.
كما أن التركيز على البعد الثقافي والرمزي
للأزمة، رغم أهميته، قد يهمّش في بعض المواضع الأبعاد المادية والاقتصادية
والسياسية الصلبة التي تساهم بدورها في إنتاج هذه الظواهر. فالشعبوية لا تتغذى فقط
من تراجع السرديات أو أزمة الثقة، بل أيضًا من اختلالات في توزيع الثروة، وبنى
الدولة، وأنماط الحكم، وهي عناصر لا يمكن اختزالها في مستوى المعنى وحده.
ومع ذلك، تبقى القيمة الأساسية لهذا العمل
في أنه يعيد طرح سؤال السياسة نفسه في السياق العربي: ليس فقط من يحكم؟ بل كيف
تُفهم السياسة أصلًا؟ وكيف تتحول من مجال للتعدد والتفاوض إلى مجال للتماهي بين
الشعب والسلطة، أو بين الرغبة والقرار؟
إن ما يقدمه أوريد، في نهاية المطاف، هو نوع
من الإنذار الفكري أكثر منه وصفة تحليلية مكتملة: فالشعبوية ليست مجرد خطر خارجي
على الديمقراطية، بل هي احتمال داخلي يولد عندما تفقد السياسة أدواتها الوسيطة،
وعندما يصبح البحث عن اليقين والحسم أكثر إغراءً من قبول التعقيد والتعدد.
وهكذا، يمكن القول إن الكتاب ينجح في تشخيص
لحظة انتقالية حساسة تعيشها المجتمعات العربية: لحظة لم يعد فيها الماضي صالحًا
للاستمرار، ولم تتبلور فيها بعد بدائل مستقرة. وفي هذه "المنطقة الرمادية"،
تظهر الشعبوية ليس كاستثناء، بل كإحدى اللغات السياسية الأكثر قدرة على التعبير عن
القلق الجماعي، حتى وإن كانت تحمل في داخلها حدودها ومخاطرها.