كاتبة أمريكية: الأدب اختزل الأمومة.. والعلاقة بين الأم وابنتها هي الأعقد إنسانيًا

 لا يبدو كتاب "لن تتحرري منه أبدًا" مجرد حديث عن الأمومة، بل دفاعًا غير مباشر عن الأسرة بوصفها المجال الأول الذي تتشكل فيه الهوية الإنسانية.
لا يبدو كتاب "لن تتحرري منه أبدًا" مجرد حديث عن الأمومة، بل دفاعًا غير مباشر عن الأسرة بوصفها المجال الأول الذي تتشكل فيه الهوية الإنسانية.
شارك الخبر
في وقت تتراجع فيه صورة الأسرة في كثير من المجتمعات الغربية، وتتحول الأمومة إلى موضوع للجدل الثقافي والسياسي، تعود الكاتبة الأمريكية راشيل أفيـف إلى العلاقة الأولى في حياة الإنسان: علاقة الأم بابنتها. وفي كتابها الجديد "لن تتحرر منها أبدًا: قصص عن الأمهات والبنات" (You Won't Get Free of It: Stories of Mothers and Daughters)، الذي تناولته صحيفة "الغارديان" البريطانية، تقدم أفيـف قراءة تتجاوز العاطفة والحنين، معتبرة أن الأمومة ليست نموذجًا مثاليًا ولا خطابًا أخلاقيًا، بل تجربة إنسانية معقدة تتقاطع فيها الهوية والذاكرة والحرية والذنب، بما يجعلها واحدة من أكثر العلاقات استعصاء على التفسير.

وجاءت هذه الأفكار في حوار مطول أجرته معها صحيفة "الغارديان" بمناسبة صدور كتابها الجديد، حيث أكدت أن الأدب الجيد لا ينبغي أن يقدم الأمومة في صورة وجدانية مكررة، بل باعتبارها تجربة وجودية تطرح أسئلة كبرى حول الذات والحرية والمسؤولية والذاكرة.

الأمومة خارج القوالب التقليدية


ترى أفيـف أن جزءًا كبيرًا من الأدب المعاصر وقع في فخ تقديم الأمومة بوصفها تجربة عاطفية مفرطة في الرومانسية، وهو ما يجعلها – بحسب تعبيرها – "سطحية ومملة". لذلك اختارت أن تعيد النظر في هذه العلاقة عبر قصص حقيقية تكشف التناقضات النفسية والاجتماعية التي تحيط بالأمهات وبناتهن، بعيدًا عن الأحكام الأخلاقية الجاهزة.

ويستند كتابها إلى تحقيقات صحفية وقصص إنسانية سبق أن نشرتها في مجلة "نيويوركر"، لكنها أعادت بناءها ضمن إطار فكري واحد يتمحور حول سؤال الأمومة بوصفها علاقة لا يمكن اختزالها في منظور واحد.

الهوية بين الأمومة والكتابة


تكشف أفيـف أن تجربتها الشخصية مع الأمومة أثرت بعمق في رؤيتها الفكرية. فعندما أنجبت طفلها الأول عام 2017 كانت تخشى أن تفقد هويتها ككاتبة، بعدما عاشت في شبابها تجربة عاطفية شعرت خلالها بأنها فقدت ذاتها بالكامل.

وتقول إن ولادة طفلها لم تؤد إلى محو شخصيتها كما كانت تخشى، لكنها أدركت لاحقًا أن الإنسان لا يستطيع الهروب من التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل هويته في مراحل مختلفة من الحياة.

وتعكس هذه الفكرة تصورًا أوسع للهوية الإنسانية بوصفها مشروعًا مفتوحًا للتغير، وليس بناءً ثابتًا يمكن الحفاظ عليه إلى الأبد.

الصحافة بوصفها أداة لفهم الإنسان


اشتهرت راشيل أفيـف بأسلوب يجمع بين التحقيق الصحفي والسرد الأدبي، حيث تنطلق من تفاصيل صغيرة لتفكيك أسئلة كبرى تتعلق بالصحة النفسية والعدالة والأخلاق والذاكرة.

وترى أن السرد الحقيقي لا يبدأ بإثبات فكرة مسبقة، وإنما بسؤال مفتوح يسمح للقصة بأن تقود الكاتب إلى نتائج غير متوقعة.

ولهذا تؤكد أنها لا تدخل أعمالها وهي تحمل "أجندة" فكرية، بل تسعى إلى فهم الشخصيات في تعقيدها الإنساني، حتى عندما تكون قصصها مرتبطة بموضوعات شديدة الحساسية مثل المرض النفسي أو الاعتداء الجنسي أو انهيار العلاقات الأسرية.

من "الحالة النفسية" إلى الإنسان الكامل


ومن أبرز المراجعات الفكرية التي تتحدث عنها أفيـف إعادة قراءتها لبعض أعمالها القديمة. فقد أدركت، أثناء إعداد الكتاب الجديد، أنها كانت تنظر في السابق إلى بعض الشخصيات باعتبارها "حالات نفسية" أكثر من كونها أشخاصًا يعيشون داخل شبكة من العلاقات الأسرية.

وتوضح أنها اكتشفت، عند مراجعة إحدى قصصها، أنها لم تسأل سؤالًا أساسيًا حول فقدان إحدى الشخصيات لطفلها، لأن اهتمامها آنذاك كان منصبًا على التشخيص النفسي أكثر من تأثير الأمومة في تكوين الشخصية.

وتعتبر أن هذا التحول يعكس نضجًا في رؤيتها للإنسان، حيث لا يمكن فصل الفرد عن أدواره العائلية والاجتماعية.

أدب يرفض الأحكام القطعية


وتبرز في الكتاب أيضًا معالجة جديدة لقصة الكاتبة الكندية الحائزة على جائزة نوبل أليس مونرو، وعلاقة الأخيرة بابنتها أندريا روبن سكينر، في ضوء الجدل الذي أثارته اتهامات تتعلق بالتعامل مع قضية اعتداء جنسي داخل الأسرة.

وتوضح أفيـف أنها أعادت بناء القصة بطريقة مختلفة عن نسختها الصحفية، بحيث لا تقدم القارئ إلى استنتاجات سريعة، وإنما تسمح له بمشاهدة تشكل العالم النفسي للشخصيات قبل إصدار الأحكام.

وترى أن العلاقة بين الأم وابنتها "ربما تكون أكثر العلاقات الإنسانية استعصاءً على تبني وجهة نظر واحدة"، لأن كل طرف يحمل ذاكرة مختلفة للحدث نفسه.

من هي راشيل أفيـف؟.. صحفية تكتب الإنسان لا القضايا


تعد راشيل أفيـف واحدة من أبرز كاتبات التحقيقات والسرد الأدبي في الولايات المتحدة خلال العقد الأخير. وتعمل كاتبة في مجلة "ذا نيويوركر"، واشتهرت بتحقيقاتها التي تجمع بين الأدب والصحافة وعلم النفس، حيث تتناول قضايا الصحة النفسية والعدالة والهوية والأخلاق بعيدًا عن الأحكام المسبقة.

ولفتت الأنظار بكتابها "غرباء عن أنفسنا (Strangers to Ourselves)" الصادر عام 2022، الذي تناول حالات نفسية معقدة، مقدمًا قراءة تتجاوز التشخيص الطبي إلى فهم التجربة الإنسانية نفسها، وهو ما جعله يحظى بإشادة نقدية واسعة. كما وصلت بعض أعمالها إلى القائمة النهائية لجائزة بوليتزر، ونالت جوائز صحفية مرموقة، من بينها جائزة جورج بولك.

وتقوم فلسفة أفيـف في الكتابة على أن الإنسان لا يمكن اختزاله في تشخيص نفسي أو موقف أخلاقي أو قضية سياسية، وإنما ينبغي فهمه داخل شبكة معقدة من العلاقات والذكريات والخبرات الشخصية.

أدب الأمومة.. بين الغرب والعالم العربي والإسلامي


يشهد الأدب الغربي خلال العقود الأخيرة تحولًا لافتًا في تناول الأمومة؛ فبعد أن كانت الأم تقدم باعتبارها رمزًا للتضحية المطلقة، أصبحت الروايات والسير الذاتية تناقش مشاعر الذنب والإرهاق والصراع بين تحقيق الذات والالتزام العائلي، بل وحتى الجوانب المظلمة في العلاقة بين الأم وأبنائها.

وينتمي كتاب راشيل أفيـف إلى هذا الاتجاه، لكنه يتميز بمحاولة الابتعاد عن الخطاب النسوي الصدامي أو الأحكام الأيديولوجية، والتركيز بدلًا من ذلك على التعقيد النفسي للعلاقات الإنسانية.

أما في الأدب العربي، فقد ظلت صورة الأم مرتبطة غالبًا بالحنان والتضحية والقداسة، كما في أعمال كثير من الروائيين والشعراء، بينما نادرًا ما تحولت الأمومة إلى موضوع مستقل للتحليل النفسي والفلسفي. وعندما حضرت، جاءت غالبًا في سياق البر بالوالدين أو الحنين إلى الأم، أكثر من كونها علاقة متشابكة تحمل تناقضات إنسانية.

وفي التصور الإسلامي، تحتل الأم مكانة استثنائية؛ إذ قرن القرآن الكريم الإحسان إليها بعبادة الله تعالى، وجعلت السنة النبوية برّ الأم مقدمًا على غيرها، في الحديث المشهور: **"أمك ثم أمك ثم أمك"**. غير أن هذه المكانة الرفيعة لا تلغي الاعتراف بأن العلاقة بين الأم وأبنائها علاقة بشرية قد يشوبها الخطأ والضعف، وهو ما تؤكده أيضًا القصص القرآنية التي تعرض العلاقات الأسرية بكل تعقيداتها دون تجميل أو إنكار.

ومن هنا، يلتقي الأدب الجاد مع الرؤية الإسلامية في رفض اختزال الإنسان في صورة مثالية جامدة، وإن اختلفا في المرجعيات الفكرية التي ينطلقان منها.

الأمومة في مواجهة "موت المعنى" للأسرة


تأتي أفكار راشيل أفيـف في لحظة تشهد فيها المجتمعات الغربية نقاشًا واسعًا حول مستقبل الأسرة، مع تراجع معدلات الزواج والإنجاب، وارتفاع معدلات العيش الفردي، وتحول الإنجاب لدى كثيرين إلى خيار شخصي أكثر منه امتدادًا طبيعيًا للحياة الاجتماعية.

وفي هذا السياق، لا يبدو كتاب "لن تتحرري منه أبدًا" مجرد حديث عن الأمومة، بل دفاعًا غير مباشر عن الأسرة بوصفها المجال الأول الذي تتشكل فيه الهوية الإنسانية.

فالعلاقة بين الأم وابنتها، كما تعرضها أفيـف، ليست مجرد رابطة بيولوجية، بل ذاكرة مشتركة، ونقلًا للقيم، وصراعًا بين الأجيال، ومساحة يتعلم فيها الإنسان معنى الحب والخذلان والغفران في آن واحد.

ومن هنا، يكتسب الكتاب بعدًا فلسفيًا يتجاوز قضايا المرأة أو الأمومة؛ إذ يواجه ما يسميه بعض المفكرين المعاصرين بـ"موت المعنى"، أي تحوّل العلاقات الإنسانية إلى روابط مؤقتة أو تعاقدية، في مقابل الإصرار على أن الأسرة تظل المؤسسة التي تمنح الإنسان جذوره الأولى وإحساسه بالانتماء، حتى وإن كانت تلك الجذور محفوفة بالألم والتناقض.

ولا يقدم كتاب راشيل أفيـف حلولًا أو أحكامًا جاهزة، بقدر ما يعيد طرح سؤال يبدو أنه عاد بقوة في المجتمعات الغربية: هل يمكن الحفاظ على معنى الأسرة في عصر تتآكل فيه الروابط التقليدية؟ وفي هذا السياق، تبدو الأمومة، في نظر أفيـف، ليست مجرد علاقة بيولوجية أو تجربة شخصية، بل آخر المساحات التي لا يزال الإنسان يواجه فيها ذاته عبر الآخر، حيث يبقى الحب والذاكرة والانتماء أقوى من النزعة الفردية التي تطبع العالم المعاصر.
التعليقات (0)