أكاديمي سوري لـ"عربي21": زيارة ماكرون إلى دمشق تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات مع أوروبا

لماذا يكتسب توقيت زيارة ماكرون إلى سوريا أهمية سياسية؟ - سانا
لماذا يكتسب توقيت زيارة ماكرون إلى سوريا أهمية سياسية؟ - سانا
شارك الخبر
أكد الأكاديمي والمحلل السياسي السوري الدكتور ياسر النجار أن الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق تمثل محطة سياسية وتاريخية مهمة، معربا عن تفاؤله بأن تفضي إلى نتائج إيجابية تنعكس على الدولة السورية والشعب السوري.

وأوضح النجار في حوار مع "عربي21"٬ أن فرنسا ستكون أول دولة في الاتحاد الأوروبي يزور رئيسها سوريا بعد قيام الدولة السورية الجديدة، كما أنها أول زيارة لرئيس فرنسي إلى دمشق منذ زيارة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي عام 2008، وهو ما يمنحها أهمية سياسية ورمزية كبيرة.

وأضاف أن الزيارة تأتي استكمالا للمسار الذي بدأ بزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى باريس بدعوة من الرئيس الفرنسي، معتبرا أن ذلك يعكس وجود رغبة متبادلة لدى الطرفين في تطوير العلاقات الثنائية.

وأشار إلى أن اختيار ماكرون زيارة دمشق قبل مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، التي يحضرها الرئيس أحمد الشرع بصفة ضيف، يحمل دلالات سياسية مهمة، لافتا إلى أن الرئيس الفرنسي فضل عقد اللقاء داخل سوريا وليس على هامش القمة.

ولفت النجار إلى أن اصطحاب ماكرون وفدا اقتصاديا يضم رجال أعمال وممثلين عن غرف التجارة والصناعة يعكس أن الزيارة لا تقتصر على الجانب السياسي، وإنما تستهدف أيضا فتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.

وأكد أن فرنسا تمتلك معرفة واسعة بالواقع السوري، سواء على المستوى السياسي أو المجتمعي أو الجغرافي، بحكم تاريخ العلاقات بين البلدين، كما لعبت أدوارا متعددة خلال السنوات الماضية، سواء في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"، أو عبر علاقاتها بالقوى الموجودة في شمال شرقي سوريا.

اظهار أخبار متعلقة



وشدد على أن سوريا الجديدة لا ترغب في العودة إلى سياسة المحاور، وإنما تسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، معتبرا أن فرنسا تعد شريكا مهما نظرا لكونها عضوا دائما في مجلس الأمن، وتمتلك تأثيرا داخل الاتحاد الأوروبي وعلى المستوى الدولي.

وأوضح أن باريس يمكن أن تؤدي دورا مهما في ملفات عدة، بينها المساهمة في معالجة قضايا مرتبطة بفلول النظام السابق، ودعم جهود دمج "قوات سوريا الديمقراطية" قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، إضافة إلى تشجيع الاتحاد الأوروبي على الانخراط في مشاريع إعادة الإعمار.

وأشار إلى أن أوروبا لم تبدأ حتى الآن استثمارات واسعة في سوريا، كما لم تؤسس صندوقا أوروبيا لإعادة الإعمار، معتبرا أن فرنسا قادرة على لعب دور محوري في كسر هذا الجمود.

وفيما يتعلق باعتداءات الاحتلال الإسرائيلي، أكد النجار أن فرنسا تمتلك أدوات سياسية ودبلوماسية تمكنها من لعب دور مؤثر في الحد من هذه الاعتداءات، سواء عبر مجلس الأمن أو من خلال علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

وأضاف أن الضربات الإسرائيلية تمثل أحد أبرز التحديات أمام الدولة السورية الجديدة، لأنها تستهدف تقويض الاستقرار ومنع دمشق من استعادة سيادتها الكاملة، مشددا على أن من مصلحة المجتمع الدولي وقف هذه الاعتداءات لما تشكله من تهديد للاستقرار الإقليمي.

ورأى أن فرنسا تستطيع ممارسة ضغوط في هذا الاتجاه، سواء عبر تحريك الموقف الأوروبي أو التواصل مع واشنطن، إلا أن نجاح ذلك سيظل مرهونا بمدى استعداد القوى الدولية لاتخاذ مواقف عملية تجاه الاحتلال الإسرائيلي.

وعن الجانب الاقتصادي، أكد النجار أن الاقتصاد سيكون أحد أبرز محاور الزيارة، موضحا أن مشاركة وفد اقتصادي فرنسي كبير تعكس اهتماما واضحا بالسوق السورية، في ظل حاجة البلاد إلى استثمارات ضخمة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والكهرباء والمياه والاتصالات والنقل.

وأشار إلى أن الشركات الفرنسية تمتلك خبرات واسعة في هذه المجالات، وكانت حاضرة في السوق السورية قبل عام 2011، لافتا إلى أن نجاح عودتها يتطلب توفير بيئة قانونية واقتصادية مستقرة، واستمرار رفع العقوبات، وتقديم ضمانات للمستثمرين.

وأضاف أن دخول الشركات الفرنسية إلى السوق السورية قد يشجع شركات أوروبية أخرى على الاستثمار، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي.

اظهار أخبار متعلقة



وفي حديثه عن مستقبل العلاقات السورية الأوروبية، قال النجار إن العلاقات تتجه نحو انفتاح تدريجي، موضحا أن الدول الأوروبية باتت تدرك أن سوريا دخلت مرحلة سياسية مختلفة عن المرحلة السابقة، وهو ما يدفعها إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه دمشق.

وأضاف أن فرنسا تبدو الأكثر استعدادا لقيادة هذا الانفتاح، متوقعا أن تمهد زيارة ماكرون لزيارات أوروبية أخرى خلال المرحلة المقبلة.

وأكد أن الاتحاد الأوروبي معني أيضا بالمساهمة في استقرار سوريا وإعادة إعمارها، لأن استقرارها ينعكس بصورة مباشرة على ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب وأمن الطاقة بالنسبة لأوروبا.

وفي ما يتعلق بالعلاقات الخارجية، شدد النجار على أن السياسة السورية الجديدة تقوم على مبدأ التوازن وعدم الانخراط في سياسة المحاور، مؤكدا أن دمشق تسعى إلى إقامة علاقات متوازنة مع تركيا والدول العربية وأوروبا وروسيا والصين، بما يخدم المصلحة الوطنية السورية.

وأوضح أن تطوير العلاقات مع فرنسا لا يعني تراجع العلاقات مع بقية الدول، بل يمكن أن تشكل جميعها شبكة من الشراكات المتوازنة التي تسهم في إعادة بناء الدولة السورية.

وختم النجار بالتأكيد على أن الرسالة الأبرز لزيارة الرئيس الفرنسي تتمثل في أن سوريا بدأت تتجاوز مرحلة العزلة الدولية، وتستعيد موقعها على الساحتين الإقليمية والدولية، معتبرا أن الزيارة تعكس رغبة أوروبية في فتح صفحة جديدة مع دمشق تقوم على الحوار والتعاون بدلا من القطيعة، معربا عن أمله في أن تتحول هذه الرسائل السياسية إلى خطوات عملية على المستويات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية بما يسهم في إعادة بناء الدولة السورية وتحسين أوضاع شعبها.
التعليقات (0)