قرار الفيفا بالاستجابة لترامب يعيد للأذهان تاريخاً من الفضائح والرشاوى

تذكر الأزمة الحالية بقضايا فساد كبرى عصفت بالاتحاد الدولي طوال سنوات- جيتي
تذكر الأزمة الحالية بقضايا فساد كبرى عصفت بالاتحاد الدولي طوال سنوات- جيتي
شارك الخبر
أشعل قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بالسماح للمهاجم الأمريكي فولارين بالوغون بالمشاركة أمام بلجيكا في دور الـ16 من كأس العالم 2026، رغم تعرضه للطرد في المباراة السابقة، أزمة كروية غير مسبوقة، بعدما واجه انتقادات حادة من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) وعدد من الشخصيات البارزة في عالم اللعبة.

وتذكر الأزمة الحالية بقضايا فساد كبرى عصفت بالاتحاد الدولي طوال سنوات وطالت رئيسين سابقين والعديد من المسؤولين، خاصة مع تجدد الانتقادات للفيفا بالتدخل في الأمور السياسية والعلاقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي حصل على جائزة سلام مقدمة من الاتحاد الدولي لكرة القدم، بشكل غير مسبوق، بعدما لم يحصل الأول على جائزة نوبل للسلام.

تاريخ الفيفا

تأسس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في أيار/ مايو عام 1904 في العاصمة الفرنسية باريس، ومع انتقال مقره الإداري لاحقاً إلى مدينة زيورخ السويسرية، بدأت الهيئة في ترسيخ مكانتها كأعلى سلطة تنظيمية للعبة الأكثر شعبية عالمياً، والتي تضم اليوم 211 اتحاداً وطنياً.

وشهدت الفيفا منعطفاً تاريخياً حاسماً في عام 1974 خلال كأس العالم التي احتضنتها ألمانيا، مع صعود البرازيلي جواو هافيلانج إلى سدة الرئاسة ليدشن حقبة من التحول التجاري الواسع وضخ الأموال العابرة للقارات، وذلك بدعم مكثف من هورست داسلر، مدير شركة أديداس الألمانية حينها.

اقـرأ أيضاأين تنتهي قواعد الحياد.. تعرف على مواقف الفيفا من المثليين وأوكرانيا وفلسطين

ومع تأمين عقود رعاية تاريخية مع كوكا كولا، تحولت الفيفا من هيئة كروية متواضعة إلى إمبراطورية تجارية تجني مليارات الدولارات من حقوق البث والتسويق، ومع ذلك، فإن هذا التداخل المتنامي بين المال والسياسة والرياضة مهد الطريق لظهور شبكات نفوذ معقدة افتقرت إلى المساءلة الرقابية الشفافة، مما جعل المنظمة عرضة لممارسات فساد هيكلية ظهرت تدريجياً لتهز أركان الاتحاد، بحسب تقرير سابق لشبكة "سي بي إس نيوز".

حقبة جواو هافيلانج

امتدت فترة رئاسة هافيلانج إلى 24 عاماً من عام 1974 حتى عام 1998، تكرست خلالها ممارسات استغلال النفوذ الإداري لمنح عقود بث وتسويق حصرية لجهات بعينها. وجاءت نقطة التحول التاريخية مع الانهيار المالي المدوي لشركة التسويق الرياضي السويسرية "آي إس إل - ISL"، عام 2001 بديون ناهزت 300 مليون دولار.

وبحسب ما كشفه التقرير الاستقصائي الذي نشره موقع "سويس إنفو"، فقد تلطخت سمعة هافيلانج وصهره ريكاردو تيكسييرا (رئيس الاتحاد البرازيلي لكرة القدم وعضو اللجنة التنفيذية السابق في الفيفا) بتلقي رشى وعمولات سرية بملايين الدولارات من الشركة السويسرية لتأمين صفقات البث الحصرية لكأس العالم.

وأظهرت الوثائق القضائية الصادرة عن محكمة مقاطعة "زوغ" السويسرية، والتي رُفعت عنها السرية رسمياً في عام 2012 بموجب حكم قضائي لصالح وسائل الإعلام، أن تيكسييرا حصل على رشى موثقة بلغت 12.74 مليون فرنك سويسري بين عامي 1992 و1997، بينما حصل هافيلانج على 1.5 مليون فرنك سويسري على الأقل.

وتشير التقديرات الواردة في ملفات القضية السويسرية إلى أن إجمالي العمولات التي تلقاها المسؤولان قد يصل إلى 22 مليون فرنك سويسري، في حين قدره الادعاء العام السويسري بنحو 41 مليون فرنك سويسري.

اقـرأ أيضاتاريخ من الشبهات وجدل جديد حول المركز الثالث في كأس العالم

وسعت الفيفا، تحت رئاسة جوزيف بلاتر، الذي كان يشغل منصب الأمين العام للفيفا خلال فترة حدوث تلك المخالفات، إلى عرقلة الإجراءات الجنائية وإبرام تسوية سرية عام 2010، دفع بموجبها هافيلانج 500 ألف فرنك سويسري، وتيكسييرا 2.5 مليون فرنك سويسري، لوقف الملاحقة القانونية شريطة إبقاء هويتيهما طي الكتمان.

واعترف بلاتر لاحقاً بأنه هو المسؤول المشار إليه برمز "P1" في ملفات القضية السويسرية، والذي كان على علم بأن تحويلاً مالياً بقيمة مليون فرنك سويسري من الشركة لصالح هافيلانج قد دخل خطأً في حسابات الفيفا.

ورغم محاولات التستر التي أوردت تفاصيلها صحيفة "الغارديان" البريطانية، أُجبر هافيلانج على الاستقالة من اللجنة الأولمبية الدولية في كانون الأول/ ديسمبر 2011، قبل أيام من مثوله للاستجواب الأخلاقي. وتلا ذلك استقالته رسمياً من منصب الرئيس الشرفي للفيفا في نيسان/ أبريل 2013 لتفادي التعرض لمزيد من العقوبات الإدارية بعد تأكيد ارتكابه سلوكيات تفتقر إلى النزاهة الأخلاقية.

بلاتر


بدأت رئاسة السويسري جوزيف بلاتر من عام 1998 حتى عام 2015، وسط غيوم كثيفة من الاتهامات الإدارية، وسط حديث عن شراء أصوات أعضاء في الاتحاد الأفريقي لكرة القدم بقيمة 100 ألف دولار للصوت الواحد لتأمين فوزه في انتخابات 1998، بدعم وتنسيق من القطري محمد بن همام.

وفي عام 2002، فجر الأمين العام للفيفا ميشيل زين روفينين قنبلة مدوية بتقديمه ملفاً قضائياً يتهم فيه بلاتر باتباع ممارسات محاسبية مضللة وسوء إدارة مالية، لكن بلاتر تمكن من إقصاء زين روفينين مستنداً إلى شبكة نفوذه القوية، بحسب تقرير "سي بي إس نيوز".

تطورت قضايا الفساد الإداري والمالي في عام 2010، مع عملية التصويت المزدوجة لمنح استضافة بطولتي كأس العالم لعامي 2018 و2022 لروسيا وقطر على التوالي، وذلك مع ارتباط قرارات المنح باتهامات بتقديم رشى وعمولات سرية بمئات الملايين من الدولارات لشراء ذمم أعضاء اللجنة التنفيذية للفيفا.

أزمة 2015

في صباح 27 أيار/ مايو 2015، نفذت السلطات السويسرية، بالتنسيق مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، مداهمة أمنية غير مسبوقة لفندق "بورأولاك" في زيورخ، أسفرت عن اعتقال سبعة من كبار مسؤولي الفيفا الذين كانوا يستعدون للمشاركة في انتخابات الرئاسة.

وبموجب البيانات الرسمية المنشورة على موقع وزارة العدل الأمريكية، تم توجيه لائحة اتهامات تاريخية مؤلفة من 47 بنداً ضد 14 شخصاً، بتهم التآمر لارتكاب جرائم الابتزاز، والاحتيال الإلكتروني، وغسل الأموال.

واستندت التحقيقات الأمريكية إلى معلومات دقيقة ومسجلة قدمها الأمريكي تشاك بليزر (عضو اللجنة التنفيذية السابق للفيفا)، الذي وافق على العمل كمخبر سري لصالح الـ(FBI) عقب كشف تهربه الضريبي لسنوات من دخله المليوني المشبوه، بحسب بيان لوزارة العدل الأمريكية.

وأثبتت التحقيقات وجود نظام رشوة ممنهج امتد إلى 24 عاماً بلغت قيمته التقديرية أكثر من 150 مليون دولار. وكان من بين أبرز هذه الفضائح تحويل مبلغ 10 ملايين دولار من الاتحاد الجنوب أفريقي لكرة القدم عبر حسابات الفيفا، بإشراف الأمين العام جيروم فالكه، لصالح حسابات يتحكم فيها جاك وارنر (نائب رئيس الفيفا السابق ورئيس اتحاد كونكاكاف)، لتأمين فوز جنوب أفريقيا باستضافة كأس العالم 2010.

ورغم فوز بلاتر بولاية خامسة عقب هذه الاعتقالات بأيام قليلة، واجه ضغوطاً سياسية ومالية هددت بانهيار المنظمة وتجميد عقود الرعاية مع كبرى الشركات العالمية مثل كوكا كولا وفيزا وماكدونالدز.
وأعلن بلاتر استقالته التاريخية في 2 حزيران/ يونيو 2015، داعياً لعقد جمعية عمومية غير عادية لاختيار خلفه.

وتوالت الهزات القضائية لتطال بلاتر شخصياً إثر قيام الادعاء السويسري بفتح تحقيق جنائي مستقل حول دفعة مالية بقيمة 2 مليون فرنك سويسري رتب بلاتر سدادها بشكل غير قانوني لميشيل بلاتيني في عام 2011 مقابل أعمال استشارية سابقة.

وأدت هذه القضية إلى إيقاف بلاتر وبلاتيني من قبل لجنة الأخلاقيات وحرمانهما من العمل الرياضي لسنوات. ورغم تبرئتهما من قِبل القضاء السويسري في آذار/ مارس 2025 بعد عشر سنوات من الملاحقات المستمرة، فإن القضية أنهت نهائياً مسيرة بلاتر الإدارية وأجهضت آمال بلاتيني في خلافته على عرش الفيفا.
التعليقات (0)

خبر عاجل