رأت الكاتبة والناقدة البريطانية إيما
بروكس، في مراجعة نقدية نشرتها صحيفة الغارديان، أن الكاتب الأمريكي ديفيد سيداريس
يواصل في
كتابه الجديد "الأرض وسكانها" (The Land and Its People) مشروعه الأدبي
القائم على تحويل التفاصيل اليومية إلى تأملات ساخرة في الطبيعة البشرية، إلا أن
الكتاب يكشف في الوقت نفسه عن التحولات التي تطرأ على تجربة كاتب بلغ ذروة شهرته،
وأصبح يواجه السؤال الأصعب في أدب السيرة الذاتية: ماذا بقي من الحكايات التي لم
تُروَ بعد؟
وترى بروكس أن سيداريس، الذي باع أكثر من 16
مليون نسخة من كتبه، لا يزال يمتلك قدرة لافتة على استخراج الأدب من أكثر الوقائع
اعتيادية، لكنه يبدو في بعض نصوص هذا الكتاب وكأنه يعتمد على مواقف لا تحتمل
دائمًا المساحة التي يمنحها لها، وهو ما يجعل التجربة متفاوتة بين مقالات تحتفظ
ببريقها المعهود وأخرى تبدو أقل تماسكًا مقارنة بإنتاجه السابق.
مأزق كاتب يكتب عن نفسه
تشير الناقدة إلى أن هذه المعضلة ليست خاصة
بسيداريس وحده، بل تكاد تكون قدرًا يلاحق كتّاب السيرة الذاتية بعد سنوات طويلة من
الكتابة، إذ تصبح الحياة الشخصية، التي شكلت المادة الخام لأعمالهم، أقل قدرة على
تقديم مفاجآت جديدة.
ورغم هذا التحدي، ترى بروكس أن سيداريس ينجح
في كثير من الأحيان في تجاوز ضيق المادة، بفضل أسلوبه القائم على الملاحظة
الدقيقة، وتحويل الحوادث الصغيرة إلى نصوص تكشف تناقضات البشر، دون حاجة إلى أحداث
استثنائية أو حبكات معقدة.
السخرية من اليومي
يضم الكتاب 28 مقالة قصيرة، تدور معظمها حول
الحياة اليومية للكاتب مع زوجه هيو، وإخوته، وأصدقائه، فضلًا عن رحلاته المستمرة
بين الولايات المتحدة وأوروبا.
وتلفت بروكس إلى أن السفر أصبح مصدرًا
أساسيًا لمادة سيداريس الأدبية؛ فالمطارات، وسائقو سيارات الأجرة، واللقاءات
السريعة مع القراء، جميعها تتحول إلى مشاهد يلتقط منها الكاتب ما يكشف غرابة
السلوك الإنساني، مستخدمًا حسًا ساخرًا ظل يمثل العلامة الأبرز في أعماله.
وتضيف أن سيداريس لا يعتمد على الحدث بقدر
اعتماده على زاوية النظر إليه، إذ يستطيع أن يصنع من موقف عابر أو حوار قصير مادة
أدبية تجمع بين الفكاهة والرصد الاجتماعي.
الشيخوخة بوصفها عدسة للنظر إلى العالم
وترى بروكس أن الكتاب يعكس انتقال سيداريس
إلى مرحلة جديدة من الكتابة، إذ لم تعد الشيخوخة مجرد موضوع عابر، بل أصبحت الإطار
الذي ينظر من خلاله إلى العالم.
فالكاتب يعلن صراحة أنه بلغ السن التي
"يصبح فيها كل شيء مصدرًا للإزعاج"، وهو اعتراف يفسر كثرة النصوص التي
تدور حول انزعاجه من تفاصيل تبدو بسيطة، مثل تصرفات الناس في الأماكن العامة أو
العادات اليومية التي يراها مثيرة للضيق.
وتقارن الناقدة هذه الشخصية بشخصية الكوميدي
الأمريكي لاري ديفيد، الذي جعل من التذمر اليومي مشروعًا فنيًا قائمًا بذاته،
معتبرة أن سيداريس يقترب من هذا النموذج، لكن بطابع أدبي أكثر هدوءًا.
السياسة باعتبارها مادة للسخرية
لا يغيب الواقع السياسي عن الكتاب، وإن كان
حضوره يأتي من خلال المواقف الشخصية أكثر من التحليل المباشر.
وتشير بروكس إلى إحدى المقالات التي يروي
فيها سيداريس مشاركته في مظاهرة احتجاجية ضد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب،
حيث ينشغل بمراقبة المشاركين ولافتاتهم أكثر من انشغاله بالشعارات السياسية نفسها.
وتقول إن الكاتب يوظف هذا المشهد لإبراز
التناقضات التي ترافق الحركات الاحتجاجية، حين تختلط المطالب المختلفة داخل الفضاء
نفسه، وهو ما يمنح النص طابعًا ساخرًا أكثر منه سياسيًا.
حين تفقد السخرية بريقها
ورغم إشادتها بكثير من نصوص الكتاب، ترى
بروكس أن بعض المقاطع تكشف ميلًا متزايدًا لدى سيداريس إلى استحضار صورة
"الرجل العجوز المتذمر"، خاصة عندما يسخر من التحولات اللغوية والثقافية
المرتبطة بقضايا الهوية أو الخطاب المعاصر.
وتعتبر أن هذه النكات تبدو أقل إبداعًا من
المستوى الذي عُرف به الكاتب، بل إنها تأتي أحيانًا على حساب حساسيته الأدبية،
لأنها تكرر خطابًا أصبح مألوفًا في النقاشات الثقافية الغربية.
وترى أن هذه اللحظات تمثل أضعف أجزاء
الكتاب، لأنها تعتمد على مواقف جاهزة أكثر من اعتمادها على الملاحظة الإنسانية
التي اشتهر بها سيداريس.
العائلة.. المصدر الأكثر صدقًا
في المقابل، تؤكد بروكس أن الكتاب يستعيد
قوته كلما عاد سيداريس إلى الكتابة عن أفراد عائلته، ولا سيما والدته، التي شكلت
إحدى الشخصيات الأكثر حضورًا في أعماله.
وتوضح أن إحدى أقوى مقالات الكتاب تبدأ
بمشهد عابر لامرأة في مطار ترتدي قميصًا كتب عليه: "أنا لست أمًا عادية، بل
أم رائعة"، قبل أن يتحول هذا المشهد إلى سلسلة من الذكريات والتأملات حول
الأمومة والعائلة والطفولة.
وبحسب الناقدة، فإن هذه النصوص تذكر القارئ
بسبب تعلق جمهور سيداريس بكتبه منذ البداية، لأنها تجمع بين السخرية والحنين
والألم في آن واحد، دون افتعال أو مبالغة.
السخرية التي تخفي الحزن
وتذهب بروكس إلى أن أكثر ما يميز سيداريس هو
أن سخريته ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للحديث عن موضوعات أكثر عمقًا، مثل الموت،
والشيخوخة، وفقدان الأصدقاء، وتبدل الزمن.
وتلفت إلى مقال يتناول وفاة صديق قديم من
أيام الطفولة، حيث يتخلى الكاتب عن كثير من سخريته المعتادة ليكتب عن الإحساس بأن
الحياة نفسها أصبحت أقل اكتمالًا بعد رحيل شخص كان حاضرًا في بداياتها.
كما تشير إلى مقال آخر يروي فيه رحلة طويلة
قام بها سيداريس وزوجه لإيصال امرأة غريبة إلى منزلها بعد إلغاء رحلتها الجوية،
معتبرة أن هذا النص من أكثر مقالات الكتاب تأثيرًا، لأنه يحول لقاءً عابرًا إلى
تأمل إنساني في العلاقات العابرة التي تترك أثرًا دائمًا في الذاكرة.
بين الفكاهة والتأمل
وتخلص بروكس إلى أن "الأرض
وسكانها" ليس العمل الأقوى في مسيرة ديفيد سيداريس، كما أنه لا يخلو من
التكرار وبعض المقاطع التي كان يمكن الاستغناء عنها، لكنه يظل شاهدًا على قدرة
الكاتب على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى مادة أدبية ثرية.
وترى أن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في
النكات أو المواقف الساخرة وحدها، بل في تلك اللحظات التي تتراجع فيها الفكاهة
قليلًا، ليظهر الكاتب بوصفه مراقبًا حساسًا للزمن، والذاكرة، وهشاشة العلاقات
الإنسانية، وهي السمات التي جعلت من سيداريس أحد أبرز كتاب المقالة الشخصية في
الأدب الأمريكي المعاصر.
من هو ديفيد سيداريس؟
يُعد ديفيد سيداريس واحدًا من أبرز كتاب
المقالة الساخرة والسيرة الذاتية في الولايات المتحدة خلال العقود الثلاثة
الأخيرة. وُلد عام 1956، واشتهر منذ تسعينيات القرن الماضي بكتاباته التي تمزج بين
السخرية اللاذعة والاعتراف الشخصي والتأمل في تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتحول
أعماله إلى ظاهرة أدبية حققت مبيعات تجاوزت 16 مليون نسخة حول العالم.
ويتميز أسلوب سيداريس بالقدرة على تحويل
أكثر المواقف اعتيادية إلى نصوص أدبية تكشف تناقضات الإنسان، مستلهمًا مادته من
حياته الشخصية، وعلاقته بأفراد أسرته، وزوجه، وأصدقائه، ورحلاته المتكررة. ورغم
الطابع الكوميدي الذي يميز كتاباته، فإن النقاد يرون أن أعماله تقوم في جوهرها على
أسئلة أعمق تتعلق بالهوية، والذاكرة، والشيخوخة، والعائلة، والموت، والعلاقات
الإنسانية، وهو ما جعل حضوره يتجاوز حدود الأدب الساخر إلى الكتابة الفكرية ذات
البعد الوجودي.
قيم إنسانية تتجاوز الحدود الثقافية
ورغم أن كتاب "الأرض وسكانها"
ينطلق من بيئة أمريكية معاصرة، فإن كثيرًا من القيم التي يبرزها سيداريس تبدو
عابرة للثقافات والهويات، لأنها تمس التجربة الإنسانية المشتركة أكثر مما ترتبط
بسياق اجتماعي بعينه.
فالكاتب يدافع، بصورة غير مباشرة، عن قيمة
الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة بوصفها مصدرًا لفهم الإنسان، ويرى في الأسرة الوعاء
الأول الذي تتشكل فيه الشخصية، كما يمنح الصداقة مكانة أخلاقية تتجاوز المنفعة
العابرة، ويصور الوفاء للذكريات باعتباره مقاومة للنسيان والزمن.
كما تكشف مقالاته عن إيمان بأهمية التعاطف
مع الغرباء، والاعتراف بأن العلاقات الإنسانية العابرة قد تترك أثرًا لا يقل عمقًا
عن العلاقات الطويلة، إلى جانب دعوته الضمنية إلى التواضع أمام هشاشة الإنسان،
والقبول بأن الشيخوخة والفقدان والموت ليست استثناءات، بل خبرات يشترك فيها البشر
جميعًا.
وفي هذا المعنى، فإن سيداريس، رغم لغته
الساخرة وخلفيته الثقافية الغربية، يطرح منظومة قيم تتقاطع مع تراث إنساني متعدد،
من الفلسفات القديمة إلى الأديان الكبرى، حيث تبرز قيم الرحمة، والوفاء،
والامتنان، والاعتراف بحدود الإنسان بوصفها مرتكزات للتجربة البشرية، تتجاوز
الانتماءات الثقافية والجغرافية.