في خطوة تعكس تحولات المشهد الثقافي السوري
بعد سقوط نظام بشار الأسد، أعلن "
اتحاد الكتاب العرب" منح أعضاء "اتحاد
كتاب
سوريا الأحرار" صفة "عضو شرف"، تقديرا لإسهاماتهم الفكرية
والإبداعية، ولدورهم في الحفاظ على الهوية الوطنية والدفاع عن الثقافة السورية
خلال سنوات الثورة.
وجاء القرار خلال اجتماع المكتب التنفيذي
للاتحاد، الذي اعتبر أن تكريم هذه النخبة من الأدباء والمفكرين يمثل اعترافا بما
قدموه من إنتاج فكري ومواقف ثقافية أسهمت في إبقاء الكلمة السورية حاضرة، والدفاع
عن قيم الحرية والإبداع في واحدة من أكثر المراحل تعقيدا في تاريخ البلاد.
وكان "اتحاد كتاب سوريا الأحرار" قد تأسس خلال سنوات الثورة بوصفه إطارا ثقافيا بديلا ضم عددا من الأدباء والروائيين والشعراء السوريين الذين أعلنوا رفضهم لسياسات النظام السابق، وعملوا على مواصلة نشاطهم الثقافي من داخل سوريا وخارجها، عبر إصدار الكتب والمجلات وتنظيم الندوات والملتقيات الفكرية، في محاولة للحفاظ على استقلالية الفعل الثقافي السوري.
ويمثل القرار مؤشرا على توجه جديد داخل
اتحاد الكتاب العرب نحو توسيع دائرة الشراكة مع مختلف الفاعلين الثقافيين، وإعادة
مد الجسور مع الأدباء الذين وجدوا أنفسهم خارج مؤسسات الدولة الثقافية خلال سنوات
الثورة، في إطار مساعٍ لإعادة بناء المشهد الثقافي السوري على أسس أكثر انفتاحا
وتعددية.
امتيازات للعضوية الشرفية
وأوضح الاتحاد، في بيان نقلته وكالة الأنباء
السورية الرسمية (سانا)، أن
العضوية الشرفية ستترافق مع جملة من الإجراءات
التنفيذية، من بينها إصدار بطاقات عضوية خاصة تمنح أصحابها مزايا اعتبارية، وتتيح
لهم المشاركة في الأنشطة والفعاليات الثقافية التي ينظمها الاتحاد.
كما أعلن عن إنشاء سجل شرف خاص داخل أرشيف
الاتحاد، يضم أسماء الأعضاء المكرمين وإنتاجهم الفكري، بهدف توثيق مساهماتهم
الثقافية وحفظها ضمن الذاكرة الأدبية السورية.
وسيتمكن أعضاء الشرف كذلك من النشر في
الدوريات والمجلات والمطبوعات التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب، فضلا عن المشاركة
في الندوات والمؤتمرات والمهرجانات والملتقيات الأدبية والفكرية التي يشرف عليها
الاتحاد بصورة دورية، بما يعزز حضورهم في الحياة الثقافية السورية.
وأشار البيان إلى أن الاتحاد يعمل على تنظيم
حفل تكريمي رسمي في مقره بدمشق خلال الفترة المقبلة، لتسليم بطاقات العضوية
الشرفية والدروع التقديرية للمكرمين.
واجب تجاه المبدعين
وقال رئيس اتحاد الكتاب العرب، الدكتور أحمد
جاسم الحسين، إن منح العضوية الشرفية لأعضاء اتحاد كتاب سوريا الأحرار يأتي وفاء
لما قدموه من عطاء ثقافي وإبداعي، مؤكدا أن هذه الصفة ذات طبيعة تكريمية، ولا تمس
الجوانب القانونية المنظمة للعضوية العاملة داخل الاتحاد.
وأضاف أن المبادرة تستهدف دعم الكتاب
وتشجيعهم على مواصلة الكتابة والنشر، وتعزيز حضورهم في المشهد الثقافي، بما يسهم
في إثراء الثقافة الوطنية وإعادة الحيوية إلى المؤسسات الثقافية السورية.
خطوة نحو إعادة تشكيل المشهد الثقافي
وتحمل هذه المبادرة دلالات تتجاوز الجانب
التكريمي، إذ تعكس تحولا في مقاربة المؤسسات الثقافية الرسمية للمرحلة الجديدة في
سوريا، مع السعي إلى استيعاب مختلف التجارب الأدبية التي برزت خارج الأطر الرسمية
خلال سنوات الثورة، بعد أن شهد الوسط الثقافي انقساما حادا بين كتاب ومثقفين
اصطفوا إلى جانب النظام السابق، وآخرين انخرطوا في دعم الحراك الشعبي أو غادروا
البلاد بسبب مواقفهم السياسية.
ويشكل منح أعضاء هذا الاتحاد صفة العضوية
الشرفية في اتحاد الكتاب العرب خطوة رمزية نحو رأب الانقسام الذي أصاب المؤسسة
الثقافية السورية خلال السنوات الماضية، كما يعكس توجها لإعادة بناء الحياة
الثقافية على قاعدة الاعتراف بتعدد التجارب الأدبية، وإشراك مختلف الأصوات الفكرية
في صياغة المشهد الثقافي في سوريا الجديدة.
وبحسب ما أعلنه اتحاد الكتاب العرب، فإن هذه
الخطوة تأتي ضمن رؤية تهدف إلى تعزيز دور المثقف السوري بوصفه شريكا في بناء الوعي
الوطني، والانفتاح على مختلف التجارب الإبداعية التي أسهمت في خدمة الثقافة
السورية، بما يعزز مكانة الاتحاد باعتباره مؤسسة ثقافية جامعة ترعى الأدباء وتواكب
التحولات التي تشهدها البلاد.
وشكل "اتحاد الكتاب العرب"، منذ
وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، إحدى أبرز المؤسسات الثقافية الرسمية في
سوريا، إذ ارتبط بصورة وثيقة بسياسات الدولة الثقافية، وعمل تحت إشرافها المباشر،
فيما تعرض على مدى عقود لانتقادات من مثقفين ومعارضين اعتبروا أنه فقد استقلاليته
وتحول إلى أحد أذرع السلطة في المجال الثقافي.
وخلال سنوات حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد،
ثم ابنه بشار الأسد، لعب الاتحاد دورا في تكريس الخطاب الثقافي الرسمي، بينما واجه
عدد من الأدباء والكتاب الذين تبنوا مواقف معارضة التهميش أو الفصل أو المنع من
النشر، واضطر كثير منهم إلى مغادرة البلاد أو ممارسة نشاطهم الثقافي من المنفى.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، اتسعت
الهوة داخل الوسط الثقافي، وانحاز الاتحاد، بصفته الرسمية، إلى جانب نظام الأسد،
فيما أعلن عشرات الأدباء والروائيين والشعراء انسحابهم منه أو جرى استبعادهم بسبب
مواقفهم السياسية، قبل أن يؤسس عدد منهم "اتحاد كتاب سوريا الأحرار"
ليكون إطارا ثقافيا مستقلا يعبر عن المثقفين المؤيدين للثورة، وينظم أنشطتهم داخل
سوريا وخارجها.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024،
بدأت المؤسسة الثقافية الرسمية تشهد تحولات واسعة شملت إعادة هيكلة عدد من
المؤسسات وإعادة النظر في علاقتها بالمثقفين الذين ظلوا خارجها طوال سنوات الصراع،
ويأتي قرار منح أعضاء اتحاد كتاب سوريا الأحرار عضوية شرفية في هذا السياق،
باعتباره مؤشرا على محاولة طي صفحة الانقسام الثقافي الذي رافق سنوات الثورة،
وإعادة بناء مؤسسة الكتاب على أسس أكثر انفتاحا وتعددية.
اظهار أخبار متعلقة