السيسي يفتتح "الأوكتاغون".. وتساؤلات عن التكلفة والعائد ومصير مقرات الجيش بالقاهرة

يعد "الأوكتاغون" أكبر مجمع عسكري بالعالم ورابع أكبر مركز قيادة استراتيجية بالعالم- عربي21
يعد "الأوكتاغون" أكبر مجمع عسكري بالعالم ورابع أكبر مركز قيادة استراتيجية بالعالم- عربي21
شارك الخبر
يفتتح رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة مقر "القيادة الاستراتيجية" للدولة المصرية (الأوكتاغون) بالعاصمة الإدارية، الأحد المقبل، بحضور رؤساء دول ووزراء دفاع، وذلك بعد تدشينه كأكبر مبنى عسكري في العالم قبل 10 سنوات، وبدء أعمال تنفيذه في آب/ أغسطس 2017.



وتقام العاصمة الإدارية على نحو 230 ألف فدان، وتضم الحي الحكومي حيث مقار الوزارات والهيئات، بجانب الحي الرئاسي والذي يشمل القصر الرئاسي والمخابرات العامة، وبالإضافة لمقر الجيش "الأوكتاغون"، توجد أحياء المال والأعمال، والفنون والثقافة.

ماهية "الكيان" العسكري
ووفق خريطة مشروعات مصر يقع "الأوكتاغون" بين القاهرة ومدينة السويس وقناة السويس، ويشغل قلب "العاصمة الإدارية"، كمدينة محصنة بأسوار عالية وبأحدث طرز الحماية التكنولوجية تضم 10 مبان كل منها 5 أدوار، منها 8 مبان خارجية مثمنة الأوجه، تمثل الفروع الرئيسية الثمانية للقوات المسلحة، ومبنيان وزاريان بمركز الدائرة يرتبطان بباقي المباني بممرات طولية.

 فخامة مباني "الأوكتاغون" الذي قامت على بنائه "الهيئة الهندسية للقوات المسلحة"، ويعني ثماني الأضلاع باللغة "اليونانية القديمة"، والتي تمزج عمارته بين الحضارة المصرية القديمة فتحاكي واجهاته معبد "حتشبسوت" بالأقصر، وتستوحي النجمة الإسلامية من الطراز الإسلامي، إلى جانب ضخامة المجمع المقام بمساحة 22 ألف فدان (89 كم²)، دفع جميعها موقع "TWZ" الدفاعي، لوصفها بأنها "تظهر من الفضاء كقاعدة للمخلوقات الفضائية".

وفي حين تقدر المساحة الفعلية للمباني بـ45 ألف متر مربع، يعد "الأوكتاغون" أكبر مجمع عسكري بالعالم ورابع أكبر مركز قيادة استراتيجية بالعالم بعد "البنتاغون"، و"مركز الدفاع الوطني" بروسيا، والمركز الاستراتيجي للجيش الصيني؛ وتم تجهيزه بأحدث وسائل القيادة والسيطرة الرقمية، ويضم مراكز "البيانات الاستراتيجية"، و"التحكم بشبكات الاتصال العسكرية والمدنية"، و"إدارة مرافق الدولة"، و"إدارة الطوارئ والأزمات".

اظهار أخبار متعلقة


تساؤلات ومخاوف وترقب
وأعاد الحديث عن افتتاح مقر "قيادة الدولة الاستراتيجي"، تساؤلات محللين حول "دلالات اختيار هذا الموقع المتوسط بين القاهرة، وقناة السويس، وسيناء، والمخاطر الأمنية والعسكرية المحتملة لهذا الاختيار"، مذكرين بـ"وصول جيش الاحتلال الإسرائيلي أثناء (ثغرة الدفرسوار) 1973، إلى طريق (مصر- السويس) حيث توجد حاليا العاصمة الإدارية ومقر (الأوكتاغون)".



وإلى جانب مخاوف "تجميع كافة وحدات القيادة العامة للقوات المسلحة ومقرات أفرعها بنقطة مركزية واحدة"، ذهبت التساؤلات للحديث عن "تكلفة تلك المباني الضخمة وتجهيزاتها التقنية والتكنولوجية، ومصدر التمويل، وهل هو من موازنة الدولة العامة، أم من عائدات المشروعات الاستثمارية للقوات المسلحة، أم عبر قروض خارجية؟، إلى جانب السؤال عن الجدوى الاقتصادية على المدى الطويل للتك المباني، وكيفية استرداد هذه التكاليف؟.

ويلفت المحللون كذلك إلى مصير إرث الجيش في العاصمة القديمة القاهرة، والتي تحتل فيها مقرات وزارة الدفاع والمباني والإدارات والنوادي والكليات العسكرية التابعة للقوات المسلحة أماكن استراتيجية وتعج بها أحياء شرق القاهرة بين: العباسية، ومصر الجديدة، ومدينة نصر، والقاهرة الجديدة، وغيرها.

وإلى جانب مقر وزارة الدفاع، ومقر المنطقة العسكرية المركزية، ومراكز التجنيد الرئيسية، والكليات الحربية والفنية العسكرية والدفاع الجوي، توجد مباني إدارات المشاة، والمدرعات، والمدفعية، والدفاع الجوي، والشرطة العسكرية، والهيئة الهندسية، والخدمات الطبية، والإمداد والتموين، والمعاشات، وإدارة الضباط، والفنادق والنوادي والمستشفيات والمنشآت الرياضية، واستاد الكلية الحربية.

ولهذا يثار السؤال عن كيفية تعامل الجيش مع إرثه في القاهرة، واحتمالات تفريط القوات المسلحة في مقراتها التاريخية، وإمكانية التعامل معها كما جرى مع مباني باقي الوزارات بضمها لـ"صندوق مصر السيادي"، وطرح الأراضي والمباني التاريخية أمام المستثمرين العرب والأجانب وتحويلها لمشروعات استثمارية وفنادق ومقرات إدارية، ولصالح من يتم الطرح، للجيش أم الدولة؟.

اظهار أخبار متعلقة


غياب الأرقام جوهر القضية
وفي تعليقه، قال الخبير في الاستراتيجية وإدارة الأزمات الدكتور مراد علي، إن "قرب المقر من موقع ثغرة حرب 1973 ينبغي أن يكون محل نقاش متخصص، وهنا تظهر أهمية المؤسسات"، مضيفا: "في دولة طبيعية، يجب أن يكون مشروع كهذا محل نقاش لجنة الأمن القومي، والمؤسسات الرقابية المختصة، وبالقدر المناسب داخل المجتمع والإعلام، دون كشف أسرار عسكرية أو إضرار بالأمن القومي".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد أن "الرقابة لا تعني إضعاف الجيش، والنقاش العام لا يعني التشكيك بالدولة؛ على العكس، الحوار المؤسسي الحر يساعد على تحسين القرار، ويكشف المخاطر، ويمنع تضارب الأولويات، ويزيد ثقة المواطن بمؤسسات بلده".

ويرى أن "السؤال الأهم ليس: هل تحتاج الدولة إلى مقر قيادة حديث ومتطور؟، فكل دولة تحتاج إلى تحديث مؤسساتها، ولا خلاف على أهمية امتلاك القوات المسلحة بنية قيادة واتصال وسيطرة متقدمة؛ والسؤال الحقيقي هو: بأي تكلفة؟ ومن أي مصدر؟ ووفق أي أولويات؟ وتحت أي رقابة؟".

وأكد أن "مصر اليوم ليست في حالة حرب شاملة، ولا تواجه حالة أمنية عاجلة تبرر إنفاقاً ضخماً ومفتوحاً بلا كشف حساب أمام الرأي العام؛ لذلك فإن غياب الأرقام ليس مسألة شكلية، بل هو جوهر القضية".

وأوضح أنه "من حق المصريين أن يعرفوا: هل تم بناء هذا المشروع من الموازنة العامة للدولة؟، أم من عوائد المشروعات الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة؟، أم من قروض مباشرة أو غير مباشرة؟، وما تكلفة التشغيل والصيانة؟، وما العائد المؤسسي الحقيقي منه؟".

وأكد أنه "إذا كان التمويل من الموازنة العامة، فهذا يعني أن المواطن من دفع، وحقه أن يعرف، وإذا كان من عوائد النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة، فنحن أمام سؤال آخر: هل تخضع هذه العوائد للرقابة العامة نفسها التي تخضع لها أموال الدولة؟، وإذا كان التمويل عبر قروض أو التزامات خارجية، فالسؤال يصبح أكثر إلحاحاً: من يسدد؟ ومن يضمن؟ ومن يتحمل العبء في النهاية؟".

تكلفة عالية وورطة الديون
وبينما يطغى الغموض حول تكلفة بناء "الأوكتاغون"، تشير الأرقام إلى أن تكلفة العاصمة الإدارية نحو بـ58 مليار دولار، وأن الجيش المصري يمتلك 51 بالمئة من أسهم شركة "العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية"، والنسبة المتبقية لـ"هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة" (حكومية)، وفق موقع "find aproperty Egypt"، المتخصص في العقار.

وكان الكاتب المتخصص بمجال الدفاع تايلر روجواي، قد قال إن "حجم المنطقة العسكرية الجديدة، ومدى تعقيدها، مثير للدهشة؛ ولا يمكننا العثور على تقدير لتكلفتها، ولكن يكفي القول إنها باهظة الثمن"، مشيرا إلى تمويل بعشرات المليارات من الدولارات من الخليج العربي والصين واستثمارات أجنبية أخرى، ومبيعات الأراضي.

ويؤكد محللون أن بناء العاصمة الجديدة ومنها الأوكتاغون، كان إحدى أسباب أزمة الديون الداخلية والخارجية لمصر والتي تتعدى 380 مليار دولار، مشيرين إلى أن السيسي أغرق البلاد في الديون خوفا من اقتحامات الثوار للقصر الجمهوري بالقاهرة.

اظهار أخبار متعلقة


ليست أسئلة معادية للجيش
وهنا يقول الدكتور مراد علي: "لو كانت بمصر حرية إعلام حقيقية، لكان هذا المشروع مجالاً مشروعاً للحوار حول: ضرورته، وتكلفته، ومصدر تمويله، وأثره على الموازنة، ومصير المقار العسكرية القديمة بالقاهرة، وهل ستؤول عوائد أي تصرف في هذه الأراضي أو المباني إلى الخزانة العامة أم إلى كيانات خاصة بالمؤسسة العسكرية؟".

وأكد أن "هذه ليست أسئلة معادية للجيش، بل أسئلة ضرورية لحماية المال العام؛ فالجيش الوطني القوي يجب أن يكون محل تقدير واحترام، لكن هذا لا يعني أن يصبح خارج النقاش أو فوق المساءلة المالية والمؤسسية، وحماية الجيش لا تكون بإبعاده عن الرقابة، بل بحماية صورته ودوره من التداخل المفرط في الاقتصاد والسياسة وإدارة الأصول".

وفي تقديره "لا يمكن فصل هذا المشروع عن الفلسفة العامة التي حكمت إدارة الدولة السنوات الماضية، فالمراقب يلاحظ أن المؤسسة العسكرية حظيت بأولوية استثنائية في الإنفاق، وإدارة قطاعات اقتصادية واسعة، وتنفيذ المشروعات القومية الكبرى؛ ومن ثم قد يُقرأ إنشاء هذا المقر الضخم باعتباره جزءاً من توجه أوسع يمنح المؤسسة العسكرية موقعاً مركزياً ببنية النظام السياسي، انطلاقاً من تصور يرى أن استقرار الحكم يرتبط بدرجة كبيرة بدعم المؤسسة العسكرية ورضاها".

ويعتقد أنه "هنا تكمن المشكلة الحقيقية: حين تصبح شرعية النظام مرتبطة بالمؤسسة العسكرية أكثر من ارتباطها برضا المجتمع، وبقوة الاقتصاد، وبكفاءة الإدارة، وبالرقابة والمحاسبة، تختل الأولويات؛ فتتقدم مشروعات السلطة والهيبة والمقار الكبرى، بينما تتراجع أسئلة التعليم والصحة والصناعة والدين العام ومستوى المعيشة".

وأكد أنه "اقتصادياً، لا يمكن تقييم مقر عسكري سيادي بمنطق العائد التجاري المباشر؛ فهو ليس فندقاً ولا مشروعاً استثمارياً عادياً، لكن يمكن، بل يجب، تقييمه بمنطق تكلفة الفرصة البديلة: هل كان هذا الاستخدام الأفضل لموارد دولة تعاني أزمة ديون؟، هل كان الأولى ضخ هذه الأموال بالتعليم، والصحة والتصنيع ودعم الإنتاج؟، وهل تمت دراسة هذا الاختيار في إطار أولويات وطنية معلنة؟".

وخلص للقول إن "الأمن القومي لا يتحقق بالمقرات الضخمة وحدها، ولا بالسلاح وحده، بل يتحقق بجيش قوي ومحترف، واقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات تخضع للمساءلة، ومجتمع يثق في أن أمواله تُدار لصالحه لا بعيدا عنه".

فصل الدولة والجيش عن الشعب
ويضم "الأوكتاغون" مقر "مركز قيادة الدولة الاستراتيجي" أو "عقل الدولة" والذي كشف عنه السيسي، في 31 يوليو/ تموز 2019، وعن تكلفته المقدرة بـ 25 مليار جنيه (نحو 1.6 مليار دولار حينها)، وما يضمه من منظومة سيرفرات (خوادم) ضخمة وأجهزة ومعدات هي الأحدث في قطاع الأمن والمخابرات والتنصت.

وفي كانون الأول/ ديسمبر 2021، كشف تسريبات موقع "ديسكلوز" الاستقصائي الفرنسي، عن تفاصيل مشروع "عقل الدولة" ودوره في مراقبة هواتف وحسابات المصريين عبر  تكنولوجيا إسرائيلية وفرنسية بتمويل إماراتي تستخدمها أجهزة المخابرات الحربية، والعامة، والأمن الوطني، والرقابة الإدارية.

وتشير تقارير صحفية غربية وتصريحات محلية إلى أن السيسي، وعقب ثورة "25 يناير 2011" قرر فصل الدولة والجيش ووزارة الداخلية عن الشعب، ووضع الأجهزة السيادية كالمخابرات العامة والحربية والأمن الوطني بمأمن عن ثورات غضب المصريين.

وكان الكاتب المتخصص بمجال الدفاع تايلر روجواي، قد قال إن هدف السيسي من مشروع العاصمة "إرساء صورة جديدة لمصر منفصلة عن الاضطرابات السياسية خلال الربيع العربي 2011".

وهو ذات الرأي الذي تبناه الكاتب ريان هايت مؤكدا أن هدف السيسي، "فصل الحكومة عن الشعب"، وذلك بـ"جعل أي احتجاج بالعاصمة الجديدة صعباً"، ليزيد بقوله إن "وجود المقر العسكري الضخم في الجوار سيمكّن من الانتشار السريع لقمع أي تهديدات محتملة، مما يعزز حماية الحكومة من الثورات أو محاولات الانقلاب".
التعليقات (0)