حقبة السيسي السوداء: كيف هدم "جنرال الخراب" أركان الدولة المصرية واقتادها إلى كابوس النفق المغلق؟

سعد الغيطاني
"نجح نظام السيسي في تحويل مصر من ثقل إقليمي وقوة قائدة في المنطقة، إلى مجرد دولة تابعة، غارقة في الديون"- جيتي
"نجح نظام السيسي في تحويل مصر من ثقل إقليمي وقوة قائدة في المنطقة، إلى مجرد دولة تابعة، غارقة في الديون"- جيتي
شارك الخبر
مقدمة: طعنة في قلب الوطن واغتيال لروح يناير

لم يكن الثالث من تموز/يوليو 2013 مجرد انقلاب عسكري تقليدي أطاح برئيس مدني منتخب، بل كان طعنة غادرة ومسمومة في قلب الدولة المصرية، واغتيالاً متعمداً لآمال الشعب الذي ثار في 25 يناير من أجل الحرية والكرامة الإنسانية. في ذلك اليوم المشؤوم، ارتدى عبد الفتاح السيسي عباءة "المنقذ"، مستغلاً آلة البروباغندا والتزييف، ليقود الثورة المضادة إلى سدة الحكم. ولم يكن بيانه الانقلابي سوى إعلان رسمي لافتتاح المقصلة التي نحرت السياسة، والقانون، والاقتصاد، والكرامة الوطنية.

اليوم، وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً عجافاً من التدمير الممنهج، يبدو المشهد السريالي في مصر ناطقاً بالخراب؛ فالوعود البراقة بـ"الفجر الجديد" و"مصر الدنيا" تبخرت تماماً، ليحل محلها واقع أسود ومخيف. لقد نجح نظام السيسي في تحويل مصر من ثقل إقليمي وقوة قائدة في المنطقة، إلى مجرد دولة تابعة، غارقة في الديون، ومجردة من أوراق قوتها التاريخية، بينما يرزح شعبها تحت وطأة تجويع متعمد وقمع لم تشهد البلاد له مثيلاً حتى في أحلك عصور الاستبداد. إنها قراءة في كتاب الخراب الذي خطّه جنرال الانقلاب، دافعاً بأكبر دولة عربية إلى قاع نفق مظلم ومسدود.

السياسات التي اتبعها كشفت عن عقلية تدميرية لا تؤمن بالدولة بل بالغنيمة. لقد أدار البلاد بعقلية "المقاول الأوحد" الذي يستنزف دماء الشعب لصالح ترسيخ نفوذ جنرالاته وحاشيته


أولاً: عسكرة حتى النخاع.. كيف حوّل السيسي اقتصاد مصر إلى إقطاعية عسكرية وباع أصولها للغريب؟

حين سطا السيسي على السلطة، برر جريمته بإنقاذ الاقتصاد، لكن السياسات التي اتبعها كشفت عن عقلية تدميرية لا تؤمن بالدولة بل بالغنيمة. لقد أدار البلاد بعقلية "المقاول الأوحد" الذي يستنزف دماء الشعب لصالح ترسيخ نفوذ جنرالاته وحاشيته، ويمكن رصد ملامح هذا الدمار الاقتصادي الشامل عبر الحقائق التالية:

1. الإعصار التضخمي وسحق الجنيه

شهدت العملة الوطنية في عهد السيسي سلسلة من الانهيارات والتعويمات القسرية المتتالية، مما أفقد الجنيه أكثر من 90 في المئة من قيمته الشرائية. هذا الانهيار المتعمد قذف بملايين الأسر المصرية تحت خط الفقر المدقع، وتحولت السلع الأساسية إلى كوابيس يومية، بينما واجه المجتمع موجات غلاء غير مسبوقة التهمت المدخرات وحطمت الطبقة المتوسطة تماماً.

2. فخ الديون الأسطوري والارتهان للخارج

قاد السيسي أكبر عملية اقتراض مجنونة في تاريخ مصر، حيث قفز الدين الخارجي من قرابة 43 مليار دولار عام 2013 إلى أرقام فلكية مرعبة تجاوزت الـ160 مليار دولار، فضلاً عن انفجار الدين الداخلي. الصادم أن هذه الأموال الضخمة لم توجّه نحو الصناعة، أو الزراعة، أو إصلاح منظومتي الصحة والتعليم المنهارتين، بل أُهدرت بالكامل على مشاريع "الفشخرة السياسية" والخرسانة الصماء.

3. بيع أصول الدولة السيادية

تحت وطأة العجز عن سداد فوائد هذه الديون الكارثية، انتقل نظام السيسي من مرحلة الاقتراض إلى مرحلة "البيع الفج" لكل ما تملكه مصر. جرى التنازل عن شركات وطنية تاريخية، وموانئ استراتيجية، وأراضٍ مميزة، وصولاً إلى صفقات مشبوهة كـ"رأس الحكمة" وما تلاها، حيث تم تسليم مقدرات البلاد لصناديق خليجية وأجنبية في مشهد يمثل تفريطاً كاملاً بالسيادة الوطنية والقرار السياسي.

4. تجريف القطاع الخاص وعسكرة الإنتاج

احتكرت "الهيئة الهندسية للقوات المسلحة" وشركات الجيش كافة مفاصل الاقتصاد المصري، من مقاولات البناء والكباري إلى إنتاج البسكويت والبلح والمواد الغذائية، مع إعفاء كامل من الضرائب والجمارك. هذا التغول العسكري أدى إلى تطفيش وتدمير القطاع الخاص المحلي، وهروب الاستثمارات الأجنبية الجادة، وتحول الاقتصاد إلى ريعي وهش.

* المؤشر الاقتصادي قبل انقلاب 2013 في حقبة السيسي الحالية

- الدين الخارجي: 43 مليار دولار تجاوز 160 مليار دولار.

- قيمة الجنيه أمام الدولار: 7 جنيهات للدولار انهيار تاريخي وتخطّي حواجز قياسية.

- الملفات التنموية (صحة/تعليم): حد أدنى من الخدمة انهيار تام وتوجيه الميزانيات للخرسانة.

- إدارة الأصول والشركات الوطنية المملوكة للدولة والشعب: بيع واستحواذ لصالح صناديق أجنبية.

"إن ما جرى لاقتصاد مصر ليس مجرد أزمة عابرة أو تداعيات لظروف دولية، بل هو تخريب معتمد وممنهج أدارته عقلية عسكرية جاهلة بألف باء التنمية، لا ترى في الدولة سوى جباية، وفي المواطن سوى وعاء للنهب".

ثانياً: جمهورية الخوف والتنازلات.. سحق الداخل والانبطاح في الخارج تحت وطأة الديكتاتورية العسكرية

على الصعيدين السياسي والاستراتيجي، أحدث السيسي شرخاً وجودياً في بنية الدولة والمجتمع، متجاوزاً ببطشه كل الخطوط الحمراء التي حافظت عليها النظم الاستبدادية السابقة في مصر.

1. مجازر الدم وصناعة الخوف المطلق

تأسست شرعية السيسي على برك من دماء المصريين؛ وبدأت بمجزرتي "رابعة العدوية" و"النهضة" التي صُنفت كأبشع عملية قتل جماعي لمتظاهرين سلميين في التاريخ الحديث. وامتد هذا البطش ليشمل تشييد عشرات السجون والمسالخ البشرية الجديدة (كمجمعات سجون بدر ووادي النطرون)، واحتجاز أكثر من 60 ألف معتقل سياسي من كافة التيارات (إسلاميين، ليبراليين، يساريين، شباب الثورة، وصحفيين). وحوّلت السلطة السجون إلى مقابر للقتل البطيء عبر الإعرام الطبي، والذي أسفر عن استشهاد أول رئيس مدني منتخب للدولة، الدكتور محمد مرسي، داخل قاعة المحكمة.

2. تجريف السياسة وتأميم الإعلام

أُممت الحياة السياسية بالكامل؛ وتحول البرلمان بغرفتيه إلى مسرح للدمى تديره المخابرات العامة والأمن الوطني. أما الإعلام، فقد جرى اقتياده إلى "حظيرة" الصوت الواحد بعد استحواذ الشركات الأمنية والسيادية على كافة القنوات والصحف، ومحاصرة وحجب مئات المواقع الإخبارية المستقلة، حتى بات توجيه أي نقد للرئيس أو سياساته، ولو عبر تدوينة بسيطة، جريمة عقوبتها الإخفاء القسري أو السجن بتهمة "نشر أخبار كاذبة ومشاركة جماعة إرهابية".

3. التفريط في الثوابت والأمن القومي

بينما استعرض السيسي عضلاته الأمنية وقبضته الحديدية في الداخل ضد العزل والأحرار، أظهر انبطاحاً وتفريطاً مخزياً في الملفات الخارجية لتأمين شرعيته الدولية وحماية كرسيه:

- التنازل عن تيران وصنافير: في سابقة لم تفعلها أي سلطة عبر تاريخ مصر، تنازل السيسي عن جزر مصرية استراتيجية في البحر الأحمر لصالح السعودية، مقدماً خدمة مجانية للاحتلال الإسرائيلي بتحويل الممر الملاحي إلى ممر دولي.

- التوقيع على وثيقة سد النهضة: وقّع السيسي في 2015 على اتفاقية المبادئ بالخرطوم، مانحاً إثيوبيا صكاً قانونياً وشرعياً لبناء "سد النهضة" دون قيد أو شرط، ما أدى إلى تعطيش مصر والمهدد المباشر لحصة البلاد التاريخية من مياه النيل (شريان الحياة الوحيد).

حالة الغليان المكتوم في صدور الملايين، والتآكل المستمر لجدار الخوف تحت وطأة الجوع والقهر، تشير بوضوح إلى أن هذا النفق المسدود لن يدوم، وأن الخلاص من هذه الحقبة السوداء بات ضرورة قصوى لإنقاذ ما تبقى من مصر، وإعادة الاعتبار لروح يناير المجيدة

-التواطؤ في ملف غزة وفلسطين: تحول النظام إلى مجرد حارس لحدود الاحتلال؛ بمشاركته الفجة في حصار قطاع غزة وتخاذله المخزي أمام حرب الإبادة والتهجير، وإغلاق معبر رفح، وتراجع الدور المصري بالكامل في السودان وليبيا، لتبدو مصر في عهده معزولة وبلا وزن إقليمي.

خاتمة: جدار الخوف يتآكل وحتمية الانفجار

إن الحصاد المر لعقد وثلاثة أعوام من حكم السيسي يؤكد للقاصي والداني أن مصر لم تعد تواجه مجرد أزمة سياسية أو ضائقة مالية، بل تعيش مرحلة "هدم دولة" حقيقية وجودية. لقد حوّل السيسي مصر العظيمة بتاريخها ومكانتها إلى "أشباه دولة" تسير بغير هدى في نفق مظلم ومغلق، صُنعت بواباته من الأنانية العسكرية والاستبداد المطلق.

ولكن التاريخ يحمل حقيقة راسخة: الطغاة الذين يبنون عروشهم على عظام الضحايا ودماء الأبرياء، ويقتاتون على تجويع شعوبهم وتجريف أوطانهم، يسرعون بخطى ثابتة نحو نهايتهم. إن حالة الغليان المكتوم في صدور الملايين، والتآكل المستمر لجدار الخوف تحت وطأة الجوع والقهر، تشير بوضوح إلى أن هذا النفق المسدود لن يدوم، وأن الخلاص من هذه الحقبة السوداء بات ضرورة قصوى لإنقاذ ما تبقى من مصر، وإعادة الاعتبار لروح يناير المجيدة.

سؤال للقراء:

بعد كل هذا الدمار الممنهج والتفريط بالسيادة والأرض والمياه، هل يمتلك نظام السيسي أي فرصة للاستمرار بالاعتماد على آلة القمع والارتهان للخارج، أم أن الانهيار الشامل بات مسألة وقت وحتمية تاريخية لا مفر منها؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)