تثير قضايا اللغة والهوية في بلدان المغرب
العربي نقاشات فكرية وثقافية وسياسية ممتدة، تتداخل فيها اعتبارات التاريخ
والاستعمار وبناء الدولة الوطنية والحقوق الثقافية والسياسات اللغوية. وهي،
بطبيعتها، من أكثر الملفات حساسية وتشعباً، إذ تتقاطع فيها قراءات متعددة، ومدارس
فكرية متباينة، ومقاربات أكاديمية وسياسية قد تصل إلى نتائج مختلفة.
وفي هذا السياق، تنشر "عربي21"
هذه المقالة للكاتب والمؤرخ الجزائري أحمد بن نعمان، بوصفها تعبيراً عن رؤية
صاحبها وتحليله لمسألة مستقبل اللهجات الأمازيغية وعلاقتها بالإرث الاستعماري
الفرنسي والسياسات اللغوية في المنطقة. وهي أطروحة تحمل مواقف واضحة وحاسمة، وتطرح
جملة من الأفكار والاستنتاجات التي تبقى محل نقاش وجدل في الأوساط الفكرية
والبحثية.
وإذ تفتح "عربي21" صفحاتها لهذا
النص، فإنها تنطلق من إيمانها بأن القضايا الكبرى لا تُحسم بالمصادرة أو الإقصاء،
وإنما بالحوار الحر، والنقاش العلمي الرصين، وتبادل الحجج والقراءات المختلفة في
إطار من الاحترام المتبادل. ومن هذا المنطلق، ترحب الصحيفة بمختلف الإسهامات
والردود العلمية والفكرية التي تثري هذا النقاش، وتتيح للقارئ الاطلاع على زوايا
نظر متعددة، بعيداً عن التجريح أو التخوين، وبما يخدم المعرفة ويعزز ثقافة الحوار.
كائنات حية
إنّ
اللغات كالكائنات الحية التي تولد
وتتغذى وتربى وتمرض وتشفى وتموت وتحيا لتبعث من جديد؛ مثل العبرية بالتوراة،
والعربية بالقرآن.
وبالنسبة للغات العالمية الأخرى إزاء
العاميات الشفهية واللغات المحلية، فهي باقية في الواقع ما دامت الأمية موجودة
وطاغية أحياناً في بعض البلدان. ولذلك فإنّ الذي يعرف هذه العاميات (من أمه
المتعلمة أو الأمية) لا يتعلمها، والذي لا يعرفها لا يحتاجها في حياته العملية في
المناطق الأخرى من وطنه الصغير أو عالمه الكبير؛ لأنّ لكل منطقة ما يكفيها من
الأميين الذين لا يعرفون المدارس طوال حياتهم، ومع ذلك فهم يتواصلون مع أبناء
قبيلتهم في أوطانهم طوال حياتهم بالصوت أو حتى بلغة الإشارة.
ومن الناحية العلمية والتاريخية، فإنّ كل
اللغات العالمية الحالية كانت في الأصل لهجات محلية ولغات شفهية طورتها الشعوب
والدول بالإرادة السياسية، والقوة العسكرية، والعلمية، والصناعية، والاقتصادية،
والدينية، كالإسلام بالنسبة للعربية، واليهودية بالنسبة للعبرية، والمسيحية
بالنسبة للاتينية التي تفرعت عنها أهم اللغات الوطنية والرسمية في دول الاتحاد
الأوروبي الحالية وهي: (الفرنسية، والإسبانية، والإيطالية، والرومانية،
والبرتغالية، والكتالونية)، والقائمة مفتوحة رهن إرادة القوة الضاربة.
وما يجب أن نشير إليه هنا هو أنّ اللغات مثل
الأشجار التي تعتمد في وجودها وبقائها على عوامل وشروط "كيفية"، وليست
مواد كمية عضلية كبناء العمارات والجسور وناطحات السحاب. والدليل على ذلك أنك يمكن
أن تبني ناطحة سحاب في أسابيع معدودة، ولكنك لا تبني شجرة أو تصنع لغة قائمة
بذاتها في عدة عقود.
كل اللغات العالمية الحالية كانت في الأصل لهجات محلية ولغات شفهية طورتها الشعوب والدول بالإرادة السياسية، والقوة العسكرية، والعلمية، والصناعية، والاقتصادية، والدينية، كالإسلام بالنسبة للعربية، واليهودية بالنسبة للعبرية، والمسيحية بالنسبة للاتينية التي تفرعت عنها أهم اللغات الوطنية والرسمية في دول الاتحاد الأوروبي الحالية وهي: (الفرنسية، والإسبانية، والإيطالية، والرومانية، والبرتغالية، والكتالونية)، والقائمة مفتوحة رهن إرادة القوة الضاربة.
ويمكن لأي دارس أن يطبّق ذلك على تاريخ
اللغات الحالية في العالم ليعرف مستقبل اللغات واللهجات حسب الشروط والإمكانيات،
والباب يظل مفتوحاً للمقارنة وقراءة المستقبل بالنسبة للغات الأميين الحالية (التي
تتجاوز 6000 لغة كما أسلفنا) كي تتحول إلى لغات العلماء والأدباء والكتاب
العالميين، كما فصّلنا ذلك في منشور سابق عن الفرق بين لغات الأميين ولغات
المتعلمين من العلماء والمفكرين والكتاب العالميين.
إنّ الأشجار الحية (المثمرة وغير المثمرة)
التي شبهنا بها اللغات هنا لا تُبنى مثل العمارات، ولكنها تُغرس وتُربّى بشروط
مناخية وكيفية معينة؛ إن لم تتوفر لها فلا تعيش الشجرة ولا تنمو وقد تموت. وهذا ما
قد حصل للعديد من اللغات القديمة المهجورة التي كانت سائدة منذ قرون فقط،
كاللاتينية في أوروبا الغربية إلى عهد قريب، والتي لم تعد تُستعمل الآن إلا في
حضرة الفاتيكان بكيفية رمزية فقط. أما العمارات والبنايات المتمثلة في الكنائس
والكاتدرائيات الكبيرة فلا تموت، وهي ما تزال تزين كل عواصم أوروبا (الشرقية
والغربية)؛ من موسكو وسان بطرسبرغ إلى كولونيا وبروكسل وأمستردام وباريس ولندن
ومدريد وبرشلونة، فلا تزال قائمة تجذب السياح من كل أنحاء العالم الناطق بغير
اللاتينية في هذه العواصم التي كانت ناطقة كلها بهذه اللغة قبل خمسة قرون فقط.
وبالنسبة للبربرية في البلاد المغاربية،
فإنّ معظم الدعاة إلى هذا التطوير والتوحيد والنقل اللغوي من الطور الشفهي إلى
الطور الكتابي والمدرسي والعلمي والرسمي والوطني، هم في الحقيقة من المدرسة
الجهوية، والفرانكفونية المذهبية، والصهيونية المتحالفة معها كما هو ثابت، وهم لا
يتجاوبون مع أية لغة أو لهجة أخرى غير اللغة الفرنسية التي لا يعرفون غيرها (في
الغالب كلغة تفكير وتعبير). ولن تسمح لهم فرنسا ذاتها بأن يطوروا هذه اللغة
ويوحدوها في لغة معيارية واحدة وطنية ومدرسية وإدارية ورسمية في كل البلاد
المغاربية؛ أريافاً وحواضر، لا في الماضي ولا في المستقبل المبني على معطيات
الحاضر.
وذلك غير مسموح به أيضاً وطنياً وإقليمياً،
حتى لو اتفقت تلك الأطراف الطامعة والطامحة سياسياً (في الانفصال والاستقلال)
باعتماد إحدى تلك اللهجات
البربرية الشفهية؛ كالتاريفيت أو التاسوسيت أو
التامازيغت أو التاشلحيت في المغرب، أو التاشاويت أو التامزابيت أو التاماشقت أو
التاقبايليت في الجزائر بالذات، والتي تتعهّدها الأكاديمية البربرية في باريس منذ
1966 بتزويدها بالمفردات المصطنعة اصطناعاً بكل تكلف وتعسف، لإحلالها محل المفردات
العربية التي كانت مستعملة في هذه اللهجات المحلية منذ قرون، وذلك لحاجة في نفس
يعقوب الفرنسي (أو البربرنسي) كـ "صباح الخير أو مساء الخير" الذي أصبح
"أزول"، والشعب الذي أصبح "أغدود" (أﭬذوذ)، والشهيد
"أمغراس" (أمْغْرَاسْ)، والوطني "أغناو" (أَغناو)، والوزير
"أنغلاف" (أنغلاف)، والرئيس "أسلواي" (أسلواي)، والسياسة
"تاتسرتيت" (ثاتسرثيث)، والحزب "أكاغار" (أكاﭬار)، إلى غير
ذلك من مئات المفردات التي تستحدث في مخابر باريس أولاً، ثم في بلاد الأطلسين
لاحقاً لهذا الغرض، مثلما فعل شاه إيران الهالك رضا بهلوي، أو أتاتورك قبل ذلك إثر
إسقاط الخلافة الإسلامية واستبدال الحروف القرآنية بالحروف اللاتينية واستئصالها
من شواهد القبور مثل الأندلس بعد ذلك!
مع العلم أنّ فرنسا لن تقبل لهم الذهاب
بعيداً في ذلك إلا بالقدر الذي ينفّر بعض أبناء الوطن من اللغة العربية (لغة
الإسلام وعملة الأمة المحمدية في كل مكان فوق الكرة الأرضية)، ويكرّههم بالتالي
فيها وفي كتابها المقدس الحافظ لها أبد الدهر لدى المليارات من المسلمين الذين
يتعبدون بها خمس مرات في اليوم؛ من صلاة الفجر إلى العشاء حتى قيام الساعة، أملاً
في أن يبعث ذلك التنفير في هؤلاء الشباب المراهقين (المزعزعي العقيدة والمذبذبي
الانتماء الديني والوطني) روح الانتماء إلى هوية أخرى مغايرة لهوية الشعب المغاربي
المسلم في غالبيته الساحقة منذ أربعة عشر قرناً، والموحّد نظرياً ودستورياً -على
الأقل- إلى حد الآن، وليس من أجل الوصول بهم ولا بها إلى مستوى الاستغناء عن اللغة
الفرنسية بأي حال من الأحوال.
لأنّ خدمة الفرنسية في
المغرب العربي هي
محور وهدف كل هذه المخططات والمناورات التي تقوم بها فرنسا بوزاراتها المتتالية
التي أنشأتها لخدمة الفرانكفونية منذ ما يزيد عن نصف قرن. وليس من قبيل الصدفة أن
تكون وزيرة الفرانكفونية في إحدى الحكومات الفرنسية السابقة من أصل مغاربي، وقد
زارت تلك الدول الشمال أفريقية عدة مرات ولم تصطحب معها أي مترجم.
إنّ أية لغة كي تنتشر وتتطور يجب أن يكون
الناس محتاجين إليها بأي دافع من الدوافع، وبكيفية جماعية وليست فردية أو أسرية
محلية. واللهجات البربرية الحالية (حتى لو افترضنا أنها واحدة وموحّدة الاستعمال
داخل الوطن الواحد، وهو أمر غير ممكن التحقق لانتفاء عوامل نمو الشجرة اللغوية في
ظروف سوية)، فإن الذي لا يعرفها من أغلبية أبناء الوطن لا يوجد ما يرغّبه في
تعلمها، والذي يعرفها محلياً لا يحتاج إليها على الصعيد الوطني والمغاربي (فضلاً
عن الدولي). واللغة بنت الحاجة على
رأي ابن تيمية في تعلّم المنطق حيث يقول: "إنّ
البليد لا يحتاج إليه والذكي لا يستفيد منه" (أو كما ورد في النص: "إن
الأغبياء لا يفهمونه والأذكياء لا يحتاجون إليه"). وذلك لكونها لغة أقلية
فرنكوفونية أصلاً (كما اعترف أحد زعمائهم البارزين بذلك في فرنسا، وقال أستاذه
قبله: لو اعتمدت الجزائر اللغة الفرنسية لغة رسمية في الدستور الوطني بعد الاستقلال
سنة 1962 لما طُرحت القضية البربرية على الإطلاق، وقد قالها بالفرنسية على قناة
فرنسية في باريس). وليست البربرية، بالتالي، هي لغة التعامل الدارج والغالب بين
جميع الجزائريين والمغاربة عموماً، كما هو الشأن بالنسبة للعربية، حيث تمثّل بحقّ
عملة التواصل الوطني والإقليمي والقاري والجغرافي والتاريخي والديني بدون منازع.
وقال بعظمة لسانه في تصريح موثق بالصوت
والصورة على قناة (فرنسا 24) بأنّ الحركة البربرية أوجدتها فرنسا من أجل محاربة
اللغة العربية لحساب الفرنسية التي لم يبقَ لها إلا البربرية في بلاد القبائل
(الزواوية الجزائرية) كقارب نجاة للفرانكفونية في شمال القارة الإفريقية.
(والفيديو موجود على يوتيوب لمن يريد التحقق من ذلك التصريح).
وليست هذه البربرية ـ بالتالي ـ لغة التعامل
الدارج والغالب في الواقع بين جميع السكان في البلاد المذكورة، وهو عكس الشأن
بالنسبة للعربية التي تمثل بحق (مثل الفرنسية في فرنسا) عملة التواصل الوطني
والإقليمي والقاري والجغرافي والتاريخي والديني دون منازع، كما هو واقع. والدليل
على ذلك نتائج كل الانتخابات الشعبية الحرة والنزيهة التي جرت منذ الاستفتاء على
تقرير المصير والاستقلال في الجزائر سنة 1962 حتى الآن. ونحن نراهن على الإرادة
الشعبية للأغلبية المسلمة في كل هذه البلدان المغاربية، كما تجسّد ذلك في موقفها
الواضح مع الشعب الفلسطيني الشقيق ضد الظلم والعدوان الصهيوني الشنيع الواقع عليه،
وضد أنظمة الخيانة الرسمية والخذلان، وذلك أضعف الإيمان.
اللهجات البربرية الحالية (حتى لو افترضنا أنها واحدة وموحّدة الاستعمال داخل الوطن الواحد، وهو أمر غير ممكن التحقق لانتفاء عوامل نمو الشجرة اللغوية في ظروف سوية)، فإن الذي لا يعرفها من أغلبية أبناء الوطن لا يوجد ما يرغّبه في تعلمها، والذي يعرفها محلياً لا يحتاج إليها على الصعيد الوطني والمغاربي (فضلاً عن الدولي).
ـ إذا افترضنا أن هذا التوحيد لهذه اللهجات ممكن نظرياً،
لتصبح البربريات المحلية والجهوية واحدة مثل الفرنسية في فرنسا الحالية مثلاً، فهل
سيتم ذلك بالاختيار الديمقراطي الحر للسكان كافة، مثلما تم الاستفتاء على تقرير
المصير المذكور، أم سيتم بالإجبار؟
وفي كلتا الحالتين، ستكون النتيجة سلبية
بالنسبة للغة الجديدة؛ حيث إنها في حالة الإجبار (أي فرض اللغة الجديدة بالقوة)،
ستكون النتيجة لصالح الفرنسية، مثلما هو حاصل الآن ومنذ سنة 1830. وفي حالة
الاختيار الديمقراطي الحر، مثلما فعل جورج واشنطن بإجراء الاستفتاء العام للشعب
الأمريكي على اللغة الوطنية والرسمية التي يختارها الأمريكيون من كل الأعراق
والأديان بين اللغة الإنجليزية والإسبانية والألمانية؛ إذ نجحت الإنجليزية على رأس
اللغات الثلاث لتتوج كلغة رسمية ووطنية وحيدة لدولة الولايات المتحدة الأمريكية،
وإلا لما وُجدت هذه الدولة بقوتها ووحدتها وثرائها اليوم على الإطلاق.
قلت: لو يتم استفتاء مماثل على إحدى هذه
اللغات القائمة والمُدسترة في كل البلاد المغاربية كالعربية أو البربرية المزمع
توحيدها بعد دسترتها وتعميم استعمالها في التعليم والإدارة بدل العربية والفرنسية
المستعملتين في بعض هذه البلاد المغاربية المذكورة (كالمغرب والجزائر خاصة)، فلو
يقع فيها الاستفتاء للتوحيد (على غرار أمريكا)، فستكون النتيجة ساحقة لصالح
العربية كما عوّدتنا هذه الشعوب على ذلك دائماً، عندما تُترك حرة أمام الصناديق
لتقرير مصيرها بنفسها. ونتحدى كل أعداء وحدة الشعب والوطن في الخارج والداخل من
الفاعلين الحقيقيين ومن نواب الفاعل (المقاولين الموسميين)، أن يقبلوا بالاستفتاء
على ثوابت الهُوِيَّة الوطنية (في الجزائر والمملكة المغربية بالذات)، لأنهم
يعرفون النتيجة مسبقاً ولذلك يرفضون.
وإذا اعتبرنا أنّ هذه اللغة الجديدة (إحدى
البربريات المختارة) المُرسمة نظرياً (دون تحديد ودون توحيد) في دستوري البلدين
المذكورين قد تجاوزت عائق إجماع الأغلبية، مثل الفرنسية الوحيدة في فرنسا وغيرها
كما قلنا (علماً أن في فرنسا الآن 10 لغات محلية وجهوية)، فإنّ أول من سيحاربها
بشراسة هي فرنسا ذاتها. ومن يشك في ذلك فليبحث عن سبب رفض فرنسا القاطع لتطبيق
قانون اللغة العربية في الجزائر، ورفضها لتعريب العلوم والطب والهندسة في الجامعات
الوطنية، رغم أنّ هذه اللغة كانت وما تزال هي اللغة الوطنية والرسمية في جميع
الدساتير الوطنية في الدول المغاربية، ورغم أنها زميلة للغة الفرنسية ذاتها في
الأمم المتحدة وهيئاتها الرسمية، وأنها أرقى حضارياً وأوسع انتشاراً منها في
العالم دون منازع، حيث إنّ اللغة العربية في المرتبة الرابعة عالمياً بينما
الفرنسية في المرتبة التاسعة. ومع ذلك تحاربها فرنسا في هذه البلاد لمنافستها
وإعاقتها عن استمرار هيمنتها على القارة السمراء، ولكونها ستمكن بلاد المغرب
العربي من تحقيق استقلالها الفعلي عنها، إذ إنّ الاستقلال الحقيقي الكامل هو
التعريب الحضاري كما أكدنا ذلك مراراً، وهو ما تحاربه فرنسا في كل العالم العربي
مشرقاً ومغرباً. وبالرغم من أنّ العربية في الجزائر والبلاد المغاربية تتوفر على
صفة الإجماع وصفة الارتباط بالكتاب المقدس (القرآن الكريم)، ومع ذلك تتعثر أمام
الجبروت الفرنكوفوني، فما بالكم بتوحيد وتطوير لغة لم يستطع دعاتها أن يوجدوا لها
حروفاً موحدة تُكتب بها ولن يتفقوا عليها أبداً، داخل البلد الواحد بالتوافق أو
الإجماع الاختياري، فضلاً عن البلدان المغاربية الأخرى منفردة أو مجتمعة!
ومن ثَمَّ، فإنّ الإجماع على تطوير وتوحيد
استعمال البربرية المعيارية غير وارد (والتاريخ بيننا)، إلا بالبلقنة والصربنة
والسودنة، وهذا عمل لا يتم إلا على حساب وحدة الشعب الذي قرر مصيره على هذا الأساس
الهوياتي منذ عقود، بموجب ذلك التقرير للمصير بعد حرب التحرير التي حققت هذا
الاستقلال، على ما هو عليه من عدم الاكتمال كما هو واقع الحال. وهذا التمزيق
للوحدة الوطنية سيكون بالقطع لصالح الأمة الفرنسية وحدها كما أسلفنا، وكما تنبّه
إلى ذلك قادة الثورة في بيانهم الواضح بالنسبة لوحدة اللغة والدين الغالب للشعب
المغاربي (شمال أفريقيا جغرافياً، والعربي المسلم انتماء وثقافة) كما ورد حرفياً
في أول بند من أهداف الثورة الجزائرية حيث يقول البيان: "تحقيق وحدة شمال
أفريقيا في إطارها الطبيعي العربي الإسلامي".
ـ إنّ أغلبية السكان المسلمين لا يرضون بديلاً عن العربية
لأسباب كثيرة (وطنية ودينية)، وهم غير متجاوبين قط مع الدعوة إلى اصطناع أي وضع
لساني جديد لأهداف "استحلالية" واضحة وفاضحة، كما أشرنا آنفاً وأثبتناه
في غير هذا المكان بالحجة والبرهان.
إنّ الإجماع على تطوير وتوحيد استعمال البربرية المعيارية غير وارد (والتاريخ بيننا)، إلا بالبلقنة والصربنة والسودنة، وهذا عمل لا يتم إلا على حساب وحدة الشعب الذي قرر مصيره على هذا الأساس الهوياتي منذ عقود، بموجب ذلك التقرير للمصير بعد حرب التحرير التي حققت هذا الاستقلال، على ما هو عليه من عدم الاكتمال كما هو واقع الحال.
أما بعض الأقليات الأيديولوجية من تلامذة
الأكاديمية البربرية، فهم يدعون (ظاهرياً) إلى تطوير وترسيم إحدى اللهجات البربرية
(كالقبائلية مثلاً)، ولكنهم في قرارة أنفسهم وفي حقيقة أمرهم لا يفعلون ذلك إلا
نكاية في اللغة العربية التي يناصبونها العداء الشديد لارتباطها العضوي بوحدة
الوطن ودين الشعب، ولحساب اللغة الفرنسية وحدها دون منازع في الإدارة والمدرسة
والجامعة والصحافة والثقافة والشارع؛ بدليل أنّ أحد أقطاب هذا الاتجاه قال بأنه لو
تم التنصيص على توطين وترسيم اللغة الفرنسية في الدستور الوطني بعد الاستقلال (مثل
مالي والنيجر والسنغال)، لما طُرح موضوع ترسيم البربرية على الإطلاق. وهو صادق في
ذلك.
وحتى لو افترضنا أنّ بعض المتحمسين لترسيم
وتوحيد وتطوير إحدى لهجات هذه البربرية (أو الأمازيغية) وترقيتها كما يرغبون
صادقين في نيتهم فعلاً، فإنهم إذا لم يستقلوا عن الفرنسية لا يتطورون ولا يتقدمون،
وإذا حاولوا أن يستقلّوا عنها فستحاربهم فرنسا ذاتها بالتأكيد، مثلما حاربت وتحارب
استكمال مقومات السيادة والاستقلال بتطبيق الدستور الوطني مثل "فرنسا في
فرنسا"، واستبدال استعمال اللغة الوطنية (العربية) باللغة الفرنسية (المسماة
أجنبية) منذ نصف قرن. (انظر كتابنا: التعريب بين المبدأ والتطبيق، دار الأمة،
الجزائر 1982)، وانظر قانون اللغة العربية ومرسوم تجميده بعد الانقلاب على الإرادة
الشعبية سنة 1992 لهذا الغرض بالذات كما تبيّن لاحقاً وإلى الآن؛ وذلك لأنّ أية
لغة إذا كانت لا تُستعمل في الحياة العملية والرسمية والأبحاث العلمية هي آيلة إلى
الجمود والزوال، هذا إن كانت هذه اللغة موجودة، ولا يُكتب لها الظهور فضلاً عن
التطور والرقي إذا كانت مفقودة. وهذا الكلام ينطبق على أية لغة في العالم،
باستثناء تلك التي تكون مرتبطة بكتاب مقدس، أو أجمع كل أو جل الشعب المتحدث بها
على ذلك، مثل العرب واليهود في الحالة الأولى، أو البلغار والفيتناميين
واليابانيين والكوريين والألمان والإنجليز والفرنسيين في الحالة الثانية.
ولكنّ البربرية أو الأمازيغية (كما هي عليه
الآن) لا تتوفر على أية صفة من الصفتين المذكورتين (في الحالة الأولى أو الحالة
الثانية). وإذا افترضنا أنّ هذه اللغة تجاوزت العائق الثاني (عائق إجماع
الأغلبية)، وأصرّ الداعون إليها على أن تكون هي لغة كل شيء مثل الفرنسية في فرنسا،
فإنّ أول من سيحاربهم هي فرنسا ذاتها للأسباب المذكورة آنفاً؛ ونحن نتفهم دفاعها
عن مصلحتها الوطنية خارج وطنها، ولكننا لا نتفهم مواقف غيرها ضد أنفسهم ووحدة
وطنهم تراباً وشعباً، لساناً وبياناً ووجداناً، رغم أنّ هذه اللغة المقدسة لدى كل
المسلمين الصادقين هي زميلة للغة الفرنسية في الأمم المتحدة وهيئاتها الرسمية،
وأنها أرقى حضارياً وأوسع انتشاراً في العالم أجمع كما قلنا.
ومع ذلك، تحاربها فرنسا دون هوادة لكونها
ستمكن البلاد المغاربية من تحقيق استقلالها الفعلي (الثقافي والهوياتي) ككل البلاد
الشقيقة الأخرى بشكل متفاوت نسبياً، رغم أنّ اللغة العربية تتوفر على صفة الإجماع
وصفة الارتباط بالكتاب المقدس (الإنجيل والقرآن) حتى في لبنان.
ومع ذلك، تتعثر أمام الجبروت الفرانكفوني؛
فما بالكم بتطوير لغة لم يستطع دعاتها أن يوجدوا لها حتى الآن حروفاً موحدة على
المستوى الوطني تُكتب بها كإيران أو تركيا أو الصومال؟ ومن ثَمَّ، فإنّ نجاح تطوير
اللغة الدستورية الموحدة عملياً وإدارياً وتعليمياً في كل البلاد المغاربية مثل
فرنسا في فرنسا أو ألمانيا أو بريطانيا أو إيطاليا (بدل اللاتينية المستبدلة في
هذه البلاد منذ أقل من خمسة قرون) غير وارد حسب تجربتي المتواضعة مع هذا الموضوع
منذ نصف قرن، والتاريخ المستقبلي بيننا حاضرين أو غائبين في الظروف الديمقراطية
البعيدة عن الإكراه الذي مارسته إدارة الاحتلال الفرنسي منذ غزو الجزائر سنة 1830.
والوضع اللغوي الحالي هو من النتائج الحتمية لذلك الغزو الذي لم ينتهِ بتوقيف
الحرب النارية سنة 1962 بالنسبة للجزائر، لتبدأ حرب أخرى بشكل مغاير في التغليف
والتوظيف، عرفنا بدايتها مع الاحتلال ولن نعرف نهايتها حتى استكمال مقومات السيادة
والاستقلال وتوحيد استعمال اللسان الوطني والرسمي قولاً وفعلاً؛ هذا هو الأساس
وفصل المقال، والمسؤولية الكاملة يتحملها ولاة الأمور عندنا في كل جيل من الأجيال،
والتاريخ الوطني للأمم قد يغفر للخاطئين عن جهل، ولكنه لا يرحم الخائنين عن علم
بأي حال من الأحوال.