اعتذار تاريخي في بريطانيا.. ستارمر يقر بمسؤولية الدولة عن مآسي التبني القسري

يأتي اعتذار الحكومة البريطانية بعد أن قدمت حكومتا ويلز واسكتلندا اعتذارين رسميين عام 2023 للأشخاص المتضررين من سياسات التبني القسري في أراضيهما.. جيتي
يأتي اعتذار الحكومة البريطانية بعد أن قدمت حكومتا ويلز واسكتلندا اعتذارين رسميين عام 2023 للأشخاص المتضررين من سياسات التبني القسري في أراضيهما.. جيتي
شارك الخبر
يعتزم رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، تقديم اعتذار رسمي باسم الدولة البريطانية إلى آلاف الأمهات والأطفال الذين تضرروا من سياسات التبني القسري التي طُبقت في إنجلترا وويلز خلال العقود الوسطى من القرن الماضي، في خطوة وُصفت بأنها استجابة لمطالب حقوقية استمرت لعقود.

ومن المقرر أن يدلي ستارمر ببيان أمام مجلس العموم البريطاني، بعد لقائه في مقر رئاسة الوزراء (10 داونينغ ستريت) ممثلين عن الناجين والحملات الحقوقية التي طالبت طويلاً باعتراف رسمي بمسؤولية الدولة عن تلك الممارسات.

نحو 185 ألف طفل انتزعوا من أمهاتهم


وتشير التقديرات إلى أن نحو 185 ألف رضيع انتُزعوا من أمهاتهم غير المتزوجات بين عامي 1949 و1976، وتم عرضهم للتبني في إنجلترا وويلز، في ظل ثقافة اجتماعية كانت تنظر إلى الحمل خارج إطار الزواج باعتباره وصمة عار.

وخلال تلك الفترة، كانت دور رعاية الأمهات والأطفال، التي أدارت معظمها مؤسسات دينية، تستقبل النساء الحوامل غير المتزوجات، قبل أن يتعرض كثير منهن لضغوط نفسية واجتماعية وإدارية دفعت إلى التخلي عن أطفالهن للتبني، فيما اضطلعت السلطات المحلية والمجالس البلدية بدور في إجراءات التبني.

ويؤكد نشطاء وحقوقيون أن كثيراً من عمليات التبني لم تكن نتيجة موافقة حرة، وإنما جاءت في ظل ضغوط مؤسسية ومجتمعية حرمت الأمهات من حق الاحتفاظ بأطفالهن.

اعتراف رسمي بعد سنوات من المطالبات


ويأتي الاعتذار بعد سلسلة من التوصيات البرلمانية والحقوقية التي دعت الحكومة إلى الاعتراف بمسؤوليتها.

فقد أوصت لجنة التعليم في مجلس العموم في تقرير صدر في آذار/ مارس الماضي بأن تقدم الحكومة اعتذاراً رسمياً للضحايا، معتبرة أن ذلك يمثل خطوة أساسية نحو معالجة إرث تلك المرحلة.

كما كانت اللجنة البرلمانية المشتركة لحقوق الإنسان قد دعت في عام 2022 إلى إصدار اعتذار رسمي، مؤكدة أن "الحكومة تتحمل المسؤولية النهائية عن الألم والمعاناة التي سببتها المؤسسات العامة وموظفو الدولة الذين دفعوا الأمهات إلى التخلي غير الطوعي عن أطفالهن".

تغيير في موقف الحكومة


ويمثل إعلان ستارمر تحولاً في الموقف الرسمي البريطاني، بعدما رفضت حكومة المحافظين السابقة تقديم اعتذار رسمي.

ففي عام 2023، قالت الحكومة المحافظة إنها "تعتذر باسم المجتمع" عن الطريقة التي عوملت بها النساء خلال تلك الحقبة، لكنها رأت أن الاعتذار الرسمي من الدولة ليس مناسباً، بحجة أن الدولة "لم تدعم تلك الممارسات بشكل مباشر".

غير أن حكومة حزب العمال تبنت موقفاً مختلفاً، إذ أكدت وزيرة التعليم البريطانية، بريدجيت فيليبسون، الشهر الماضي، أن الاعتذار المرتقب يتعلق بـ"فترة مخزية في تاريخنا"، في إشارة إلى الاعتراف بمسؤولية الدولة عن الضرر الذي لحق بالضحايا.

شهادات مؤلمة


وخلال السنوات الماضية، كشفت العديد من النساء عن تجارب قاسية رافقت إجبارهن على التخلي عن أطفالهن، متحدثات عن ضغوط مورست عليهن داخل دور الرعاية، إضافة إلى شعور دائم بالذنب والعار استمر لعقود.

وفي المقابل، تحدث بالغون تم تبنيهم في طفولتهم عن الآثار النفسية الممتدة لتلك السياسات، منتقدين الرواية التقليدية التي صورت التبني باعتباره "إنقاذاً" للأطفال، بينما تجاهلت ما ترتب عليه من فقدان الروابط الأسرية والهوية الشخصية.

اعتذارات سابقة في ويلز واسكتلندا


ويأتي اعتذار الحكومة البريطانية بعد أن قدمت حكومتا ويلز واسكتلندا اعتذارين رسميين عام 2023 للأشخاص المتضررين من سياسات التبني القسري في أراضيهما.

أما في إيرلندا الشمالية، فمن المتوقع إصدار اعتذار رسمي مستقبلاً، إلا أن ذلك سيأتي بعد انتهاء تحقيق عام يجري تنفيذه بشأن مؤسسات رعاية الأمهات والأطفال، ومغاسل "ماغدالين"، ودور العمل، تنفيذاً لتوصيات تقرير صدر عام 2021.

خطوة رمزية


ويشكل الاعتذار الرسمي اعترافاً سياسياً وأخلاقياً بمعاناة آلاف الأسر التي تأثرت بهذه السياسات، لكنه يفتح أيضاً الباب أمام مطالب جديدة تتعلق بحفظ السجلات، وتسهيل لمّ شمل العائلات، وتوفير الدعم النفسي، فضلاً عن دعوات بعض الناجين للنظر في أشكال من التعويض أو جبر الضرر.

ومن المنتظر أن يشكل بيان ستارمر أمام البرلمان أول اعتذار رسمي تصدره الحكومة البريطانية باسم الدولة بشأن سياسات التبني القسري التي استمرت لما يقرب من ثلاثة عقود، والتي باتت تُعد اليوم أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخ الرعاية الاجتماعية البريطانية.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)

خبر عاجل