تبدو الدعوة إلى تجاوز الاستقطاب بين "
العسكر
والإخوان" دعوة محمودة من حيث المبدأ؛ فلا أحد يريد أن تبقى المجتمعات أسيرة
الانقسام، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول نقد الاستقطاب إلى إعادة كتابة التاريخ، أو
إلى مساواةٍ بين أطراف تختلف في طبيعتها ووظيفتها ومسؤولياتها القانونية والسياسية
والتاريخية.
المطروح لا يناقش الوقائع بقدر ما يصنع سردية جديدة تقوم
على قاعدة واحدة: "الجميع مسؤول بالقدر نفسه". وهذه ليست قراءة موضوعية،
بل هي تبسيط مخل لتاريخ معقد امتد أكثر من سبعين عاماً.
التأسيس على مغالطة "المساواة الزائفة"
ليس كل خصمين متساويين في المسؤولية، كما أن وجود
صراع
بين طرفين لا يعني أن كليهما أنتج النتائج نفسها أو امتلك الأدوات نفسها، فالمؤسسة
العسكرية كانت طوال العقود الماضية هي صاحبة السلطة الفعلية وأدوات الدولة: الجيش،
والأجهزة الأمنية، والتشريع في مراحل كثيرة، والإعلام الرسمي، والبيروقراطية،
والموارد العامة.
الحياة السياسية المصرية لم تكن يوماً محصورة بين العسكر والإخوان، لقد وُجدت أحزاب ليبرالية، ويسارية، وقومية، ومستقلة، وحركات شبابية، ونقابات، وشخصيات عامة، لكن المشكلة الحقيقية لم تكن وجود الإخوان، بل ضعف البيئة الديمقراطية التي تسمح بتداول السلطة
أما جماعة الإخوان فلم تكن طوال تاريخها هي السلطة
الحاكمة إلا لفترة قصيرة ومقيدة ومليئة بالصراعات السياسية والدستورية، ولم تكن
تملك مؤسسات الدولة العميقة ولا أدوات القوة السيادية. ولهذا فإن تحميل الطرفين
المسؤولية نفسها عن كل ما جرى يخالف أبسط قواعد التحليل السياسي؛ لأن المسؤولية
تتناسب مع حجم السلطة والقدرة على اتخاذ القرار.
القول إن الإخوان والعسكر "شريكان" منذ عام
1952 يتجاهل التاريخ
نعم، أيّدت جماعة الإخوان حركة الضباط الأحرار في
بدايتها، كما فعلت معظم القوى الوطنية آنذاك، باعتبارها خطوة لإنهاء الاحتلال
والملكية، لكن هذا التأييد لم يتحول إلى شراكة في الحكم. فالخلاف انفجر مبكراً،
وانتهى عام 1954 بصدام شامل، وحل الجماعة، واعتقال الآلاف، وإعدام عدد من
قياداتها، واستمرت المواجهة عقوداً، فكيف توصف علاقة استمرت أغلب سنواتها
بالمطاردة والسجون والإعدامات بأنها "شراكة"؟
إن تحويل أشهر قليلة من التقارب إلى سبعين عاماً من
الشراكة ليس قراءة تاريخية، بل إعادة صياغة للتاريخ بما يخدم نتيجة مسبقة.
الحديث عن "المظلومية" وكأنها مجرد خطاب دعائي
يتجاهل الوقائع
قد يختلف الناس في تقييم الخطاب السياسي للإخوان، لكن لا
يمكن إنكار أن الجماعة تعرضت عبر عقود لموجات متكررة من الاعتقالات، والمحاكمات
الاستثنائية، والحل، والمنع من العمل السياسي، والمصادرات، والإعدامات في أكثر من
مرحلة. وهذه ليست "سردية" اخترعتها الجماعة، وإنما أحداث موثقة تاريخياً.
والخلط بين وجود مظلومية حقيقية وبين استثمارها سياسياً خلط غير علمي، فقد تستثمر
جماعة ما معاناتها سياسياً، لكن ذلك لا ينفي أصل المعاناة.
أخطاء الإخوان وكأنها حقائق متفق عليها دون تمييز
من حق أي باحث أن ينتقد أداء الجماعة بعد ثورة يناير، أو
قراراتها السياسية، أو خطابها الإعلامي، أو أسلوب إدارتها للتحالفات، لكن تحويل
هذه الانتقادات إلى مسلّمات نهائية دون مناقشة الظروف الموضوعية، أو الضغوط
المؤسسية، أو حجم المعارضة، أو دور مؤسسات الدولة في إفشال التجربة، يجعل النقد
أقرب إلى إصدار الأحكام منه إلى التحليل.. فالتحليل العلمي لا يكتفي بذكر الأخطاء،
بل يدرس البيئة التي وقعت فيها.
الحقيقة أن الحياة السياسية
المصرية لم تكن يوماً محصورة
بين العسكر والإخوان، لقد وُجدت أحزاب ليبرالية، ويسارية، وقومية، ومستقلة، وحركات
شبابية، ونقابات، وشخصيات عامة، لكن المشكلة الحقيقية لم تكن وجود الإخوان، بل ضعف
البيئة الديمقراطية التي تسمح بتداول السلطة وتكافؤ الفرص بين جميع القوى.. إن
اختزال الأزمة في وجود الإخوان وحدهم يُغفل أزمة بنيوية أعمق تتعلق بطبيعة النظام
السياسي ذاته.
شعار "لا عسكر ولا إخوان" ليس برنامجاً سياسياً
قد يكون شعاراً جذاباً، لكنه لا يجيب عن الأسئلة
الجوهرية:
- ما شكل النظام السياسي البديل؟
- كيف تُضمن الرقابة على السلطة؟
- كيف يُمنع احتكار القوة؟
إذا كان المقصود إنهاء الاستقطاب، فإن الطريق إليه ليس إقصاء طرف يمثل شريحة من المجتمع، بل بناء نظام يسمح بالتنافس السلمي، والاحتكام إلى الانتخابات، واحترام نتائجها، وخضوع الجميع للدستور والقانون
- كيف تُحمى الحريات؟
- كيف تُدار العلاقة بين الهوية والدولة؟
- كيف تُبنى المؤسسات؟
وعشرت الأسئلة تحتاج إجابات.. إن إسقاط الفاعلين لا يعني
بالضرورة بناء البديل.. فالسياسة ليست قائمة شعارات، بل منظومة مؤسسات وقواعد
دستورية وضمانات قانونية.
النهضة لا تتحقق بإقصاء تيار اجتماعي
واسع
إذا كان المقصود إنهاء الاستقطاب، فإن الطريق إليه ليس
إقصاء طرف يمثل شريحة من المجتمع، بل بناء نظام يسمح بالتنافس السلمي، والاحتكام
إلى الانتخابات، واحترام نتائجها، وخضوع الجميع للدستور والقانون. فالديمقراطية لا
تقوم على اختيار من يحق له المشاركة، وإنما على قبول التعددية ما دام الجميع ملتزماً
بالسلمية والقانون.
إن الأزمة المصرية ليست في وجود "العسكر" أو "الإخوان"
بوصفهما اسمين، وإنما في غياب قواعد سياسية عادلة تحكم العلاقة بين الدولة
والمجتمع، وتمنع احتكار السلطة، وتضمن تداولها، وتُخضع الجميع للمساءلة. أما
المساواة بين جميع الأطراف دون تمييز بين من يملك السلطة ومن ينافس عليها، وبين من
يصنع القرار ومن يخضع له، فهي ليست حياداً، بل اختزال يفتقر إلى الدقة.
إن تجاوز الاستقطاب هدف مشروع، لكن الطريق إليه لا يكون
بإعادة إنتاج سرديات جديدة تقوم على المساواة بين المختلفين، وإنما ببناء دولة
القانون، واحترام الإرادة الشعبية، والقبول بالتعددية، ومحاسبة كل طرف بقدر سلطته
ومسؤوليته.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.