عقب الاعتراف الإسرائيلي بـ "مذابح الأرمن".. انتقادات حادة لسياسة نتنياهو

توتر كبير بين الاحتلال وتركيا بعد الإبادة في غزة- الأناضول
توتر كبير بين الاحتلال وتركيا بعد الإبادة في غزة- الأناضول
شارك الخبر
أثار اعتراف دولة الاحتلال بالإبادة الجماعية للأرمن جملة من التساؤلات الصعبة في أروقتها، لأن الخطوة ظهرت كم أنها "صبيانية"، ومناكفة لتركيا ورئيسها، ولم تكن سوى ردّا على زيادة نفوذها في المنطقة.

عضوة الكنيست، والمستشارة السابقة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وباحثة في كلية القدس الأكاديمية، إيلينا بارديتش-يالوف، ذكرت أن "الحكومة الإسرائيلية وافقت بالإجماع على اقتراح وزير الخارجية جدعون ساعر بالاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن في الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، ويؤكد البيان الرسمي مراراً وتكراراً على التزام إسرائيل الأخلاقي، مما يثير سؤالاً بسيطاً: إذا كان هذا بالفعل التزاماً أخلاقياً، فلماذا أصبح كذلك الآن فقط".

وأضافت يالوف في مقال نشره موقع ويللا، وترجمته "عربي21" أنه "لعدة عقود، امتنعت الحكومات الإسرائيلية عن الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، واقترح سياسيون من جميع ألوان الطيف السياسي القيام بذلك، لكن كل حكومة إسرائيلية اختارت في النهاية عدم القيام بذلك، معتمدةً على اعتبارات استراتيجية ودبلوماسية، لكن السؤال الأخلاقي لم يتغير قط، ومفاده أنه إذا كان الاعتراف بالمأساة الأرمنية واجبًا أخلاقيًا اليوم، فلماذا لم يكن كذلك في 2006 أو 1996، إذن الجواب ليس أخلاقيًا أبدًا".

وأوضحت الكاتبة أنه "وفقًا لتقارير واسعة الانتشار على مر السنين، في ثمانينيات القرن الماضي، أنتجت هيئة البث الإسرائيلية فيلمًا وثائقيًا عن المجازر الجماعية للأرمن عام 1915، لكن الفيلم لم يُبث قط، والسبب المعلن هو ضغوط من الحكومة والمؤسسة الأمنية، بعد أن حذرت تركيا، التي كانت آنذاك من أقرب شركاء إسرائيل الإقليميين، من أن بث الفيلم قد يعرض عملية أمنية حساسة للخطر، المهم أن الحكومات الإسرائيلية تعاملت لعقود مع هذه القضية علنًا كمسألة مصلحة سياسية، وليس كمبدأ أخلاقي".

وأكدت يالوف أن "اليوم تغير هذا الواقع الاستراتيجي، وليس في ذلك غرابة، فالدول تُشكل سياستها الخارجية وفقًا لمصالحها يوميًا، لكن إن كان هذا ما حدث، لكان ينبغي وصف هذا القرار بصدق بأنه بادرة دبلوماسية مُغلّفة بلغة أخلاقية، لا وفاءً بالتزام أخلاقي، وقد يجادل مؤيدو قرار الحكومة بأن فعله متأخرًا أفضل من عدم فعله أبدًا، لكن هذه الحجة تُثير تساؤلًا آخر شائكًا: إذا كان الاعتراف قائمًا بالفعل على مبدأ أخلاقي ثابت، فهل يُسمح لحكومة مستقبلية بسحب اعترافها إذا ما استُعيدت العلاقات مع تركيا بشكل كامل يومًا ما"؟

وأشارت إلى أنه "لك أن تتخيّل زعيمًا تركيًا مستقبليًا، ملتزمًا باستعادة الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل، يطلب منها إلغاء اعترافها بقصة الأرمن كجزء من عملية مصالحة أوسع، فهل سترفض لأن المبادئ الأخلاقية غير قابلة للتفاوض، أم ستتغير الحسابات السياسية مرة أخرى، وإذا كان الجواب يعتمد على الظروف الجيوسياسية الراهنة، فإن الأخلاق لم تعد هي التي تُوجّه السياسة، بل السياسة هي التي تُوجّه الأخلاق".

وأضافت أنه "لهذا السبب تحديدًا، ينبغي أن تبقى الأسئلة المتعلقة بأحداث ١٩١٥ في أيدي المؤرخين بالدرجة الأولى، وليس السياسيين، حيث يعمل المؤرخون بالوثائق الأرشيفية، وشهادات شهود العيان، والسجلات العسكرية، والتفسيرات المتضاربة، ومسؤوليتهم تكمن في تتبع الأدلة أينما قادتهم، لكن الحكومات، حتمًا، تتخذ قراراتها من منظور المصالح الدبلوماسية المعاصرة".

اظهار أخبار متعلقة



واستدركت يالوف بالقول إن "جوانب مهمة من أحداث 1915 لا تزال محل نقاش تاريخي، بما في ذلك سياق الحرب، ودور الميليشيات الأرمنية، والدعم المالي والعسكري من روسيا، وتشريد وتطهير المسلمين في القوقاز على يد الإمبراطورية الروسية، والقرارات التي اتخذتها السلطات العثمانية، وهذه المسائل مكانها في الأرشيفات والجامعات والمجلات العلمية، لا في قرارات حكومية تُصاغ وفقًا للأولويات الدبلوماسية الراهنة، لأنه بمجرد أن تبدأ الحكومات بإصدار أحكام رسمية بشأن نزاعات تاريخية وقعت قبل أكثر من قرن، فأين ينتهي هذا المسار".

وأوضحت الكاتبة، أن "اعتراف إسرائيل بالأحداث التي وقعت في الإمبراطورية العثمانية لا يتطلب تحويل مأساة تاريخية عمرها أكثر من قرن إلى أداة سياسية معاصرة، لاسيما وأن الخطوة الإسرائيلية حصلت في وقت تقترب فيه أرمينيا من تطبيع العلاقات مع تركيا، وفي ظلّ تأكيد قيادتها على رفضها تحويل تلك الأحداث إلى سلاح سياسي في أيدي دول أخرى لأغراضها الخاصة، وهنا يظهر أن الخطوة أضعفت الجانبين السياسي والأخلاقي اللذين تذرعت بهما إسرائيل".

تقدم هذه القراءة الإسرائيلية لخطوة الاعتراف بأحداث مر عليها أكثر من قرن من الزمن إقرارا مكشوفاً، وليس ضمنياً، بأنها خطوة انفعالية نزقة، تعبر عن عجز لمواجهة تعاظم الدور التركي في المنطقة، وتستعيض عن ذلك بنبش التاريخ، والبحث في أرشيفاته.
التعليقات (0)