تسلّم رئيس
بوركينافاسو النقيب إبراهيم
تراوري أوراق
اعتماد سيمون سيروسي سفيرا فوق العادة ومفوضا لدولة الاحتلال
الإسرائيلي لدى بلاده، في وقت تشهد فيه منطقة الساحل الإفريقي إعادة ترتيب واسعة
للتحالفات والعلاقات الخارجية.
وقالت رئاسة بوركينافاسو إن تراوري استقبل
الدبلوماسي الإسرائيلي في 26 حزيران/ يونيو الجاري، موضحة أن
العلاقات بين
الجانبين تستند إلى اتفاقية عامة للتعاون الاقتصادي والعلمي والفني والثقافي،
إضافة إلى إطار مؤسسي للتعاون لم يدخل حيز التنفيذ بعد.
وسيروسي، الذي يقيم في ساحل العاج، سيكون
سفيرا غير مقيم لدى بوركينافاسو إلى جانب توغو وبنين، في إطار تحرك إسرائيلي يهدف
إلى تعزيز الحضور الدبلوماسي في غرب إفريقيا.
توقيت يحمل رسائل سياسية
يأتي اعتماد
السفير الإسرائيلي الجديد في
بوركينافاسو في لحظة حساسة، إذ تزامن مع إعلان واغادوغو إنهاء التعاون العسكري مع
فرنسا، في خطوة تعكس التحولات التي تشهدها منطقة الساحل منذ وصول مجالس عسكرية إلى
الحكم في عدد من دولها.
ومنذ توليه السلطة، عمل تراوري على إعادة
صياغة علاقات بلاده الخارجية، والابتعاد تدريجيا عن النفوذ الفرنسي التقليدي، مع
البحث عن شركاء جدد في مجالات الأمن والتنمية والاقتصاد.
وفي هذا السياق، يمثل استمرار العلاقات مع
إسرائيل جزءا من سياسة تنويع الشراكات التي تنتهجها بوركينافاسو، رغم أن طبيعة
التعاون بين الطرفين لا تزال محدودة مقارنة بعلاقات إسرائيل مع دول إفريقية أخرى.
حضور إسرائيلي متزايد في غرب إفريقيا
تسعى إسرائيل منذ سنوات إلى توسيع حضورها في
القارة الإفريقية عبر بوابة التعاون التقني والاقتصادي والأمني، مستفيدة من الطلب
المتزايد لدى بعض الحكومات الإفريقية على الخبرات المرتبطة بالزراعة وإدارة المياه
والتكنولوجيا والأمن.
وتنظر تل أبيب إلى غرب إفريقيا باعتبارها
منطقة ذات أهمية استراتيجية، سواء بسبب موقعها الجغرافي أو بسبب ثقلها داخل
المنظمات الإفريقية والدولية.
ويأتي تعيين سفير لدى بوركينافاسو ضمن مسار
دبلوماسي أوسع، بعدما كانت العلاقات بين الطرفين قد أعيدت عام 1994، عقب فترة من
القطيعة، قبل أن تتطور عبر لجان تعاون واتفاقيات مشتركة.
الساحل.. ساحة تنافس دولي
تجري هذه الخطوة في منطقة تشهد تنافسا
متزايدا بين قوى دولية وإقليمية، بعد تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي إثر
الانقلابات العسكرية التي أطاحت بحكومات حليفة لباريس في مالي وبوركينافاسو
والنيجر.
ومع خروج فرنسا تدريجيا من المشهد الأمني في
بعض دول الساحل، ظهرت محاولات من أطراف مختلفة لملء الفراغ، سواء عبر التعاون
العسكري أو الاقتصادي أو السياسي.
وفي هذا الإطار، فإن التقارب الإسرائيلي مع
بوركينافاسو لا ينفصل عن محاولات تل أبيب بناء علاقات جديدة في إفريقيا، خصوصا مع
حاجة إسرائيل إلى تخفيف العزلة الدبلوماسية التي تواجهها في عدد من المحافل
الدولية بسبب سياساتها تجاه القضية الفلسطينية.
تداعيات محتملة على المنطقة
قد يؤدي تعزيز العلاقات بين واغادوغو وتل
أبيب إلى فتح مجالات تعاون في قطاعات مثل التكنولوجيا والزراعة والأمن، وهي مجالات
تحظى باهتمام السلطات البوركينية التي تواجه تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة.
لكن الخطوة قد تثير أيضا جدلا داخليا
وإقليميا، خصوصا في ظل تصاعد الرفض الشعبي الإفريقي للسياسات الإسرائيلية تجاه
الفلسطينيين، ولا سيما بعد الحرب على قطاع غزة.
وتختلف مواقف دول الساحل وغرب إفريقيا من
إسرائيل؛ ففي حين حافظت بعض الدول على علاقات رسمية معها، اتخذت دول أخرى مواقف
أكثر تحفظا أو قطعت علاقاتها احتجاجا على سياساتها.
استمرار مسار بدأ قبل تراوري
ولا تعد خطوة اعتماد السفير الإسرائيلي
الجديد بداية للعلاقات بين البلدين، إذ سبق للرئيس البوركيني السابق روك مارك
كريستيان كابوري أن تسلّم في شباط/ فبراير 2021 أوراق اعتماد سفير إسرائيلي مقيم
في أبيدجان.
كما تسلّم تراوري نفسه في كانون الأول/
ديسمبر 2023 أوراق اعتماد السفيرة الإسرائيلية روني يديديا كلاين.
غير أن أهمية التطور الحالي ترتبط بالسياق
السياسي الجديد في الساحل، حيث تبحث دول المنطقة عن خيارات جديدة لعلاقاتها
الخارجية، بينما تسعى إسرائيل إلى تثبيت حضورها في إفريقيا عبر بوابة الشراكات
الثنائية.
وبذلك تصبح بوركينافاسو محطة جديدة في خريطة
التحرك الإسرائيلي بغرب إفريقيا، وسط تساؤلات حول حدود هذا التقارب وتأثيره على
توازنات المنطقة.
من ضابط شاب إلى رأس السلطة في بوركينافاسو
برز النقيب إبراهيم تراوري على الساحة
السياسية في بوركينافاسو خلال عام 2022، في خضم أزمة أمنية وسياسية خانقة كانت
تعيشها البلاد بفعل تصاعد هجمات الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمات متطرفة في
مناطق واسعة من البلاد، وتزايد الانتقادات الشعبية للحكومة بسبب عجزها عن احتواء
التدهور الأمني.
وكان تراوري ضابطا في الجيش البوركيني قبل
أن يقود في أيلول/ سبتمبر 2022 تحركا عسكريا أطاح برئيس المجلس العسكري آنذاك بول
هنري داميبا، الذي كان قد وصل إلى السلطة قبل أشهر فقط بعد انقلاب أطاح بالرئيس
المنتخب روك مارك كريستيان كابوري في كانون الثاني/ يناير من العام نفسه.
وجاء صعود تراوري بعد احتجاجات داخلية اتهمت
السلطات القائمة بالفشل في إدارة ملف الأمن ومواجهة الجماعات المسلحة، حيث تعهد
المجلس العسكري الجديد بإعادة بسط السيطرة على الأراضي، وتعزيز قدرات الجيش،
وإنهاء ما وصفه بالتبعية للخارج، خصوصا النفوذ الفرنسي الذي ظل حاضرا في منطقة
الساحل لعقود.
وعقب توليه السلطة، أصبح تراوري، البالغ من
العمر 34 عاما آنذاك، واحدا من أصغر قادة الدول في العالم، وأعلن نفسه رئيسا
انتقاليا للبلاد، مع تقديم خطابه السياسي على أساس استعادة "السيادة
الوطنية" وإعادة بناء الدولة ومراجعة علاقات بوركينافاسو الخارجية.
وخلال فترة حكمه، اتجهت واغادوغو إلى تقليص
التعاون العسكري مع فرنسا، التي كانت تعد شريكا أمنيا رئيسيا في منطقة الساحل، في
مقابل تعزيز علاقات جديدة مع قوى ودول أخرى. كما تقاربت بوركينافاسو مع دول
إفريقية ذات أنظمة عسكرية مشابهة، ضمن مسار قاد إلى إنشاء تحالف دول الساحل مع
مالي والنيجر.
ورغم الشعبية التي اكتسبها تراوري لدى
قطاعات من الشباب بسبب خطابه المناهض للنفوذ الأجنبي، واجهت حكومته انتقادات
مرتبطة باستمرار التحديات الأمنية والاقتصادية، واتهامات من منظمات حقوقية بشأن
أوضاع الحريات والانتهاكات خلال العمليات العسكرية.
ويأتي انفتاح تراوري على علاقات خارجية
جديدة، ومنها استمرار المسار الدبلوماسي مع إسرائيل، في إطار محاولة حكومته إعادة
تموضع بوركينافاسو دوليا، والحصول على دعم وشراكات تتوافق مع أولوياتها الأمنية
والاقتصادية.
اظهار أخبار متعلقة