ثمة حالة عارمة من الجدل اندلعت في وسائل
التواصل الاجتماعي حول نظم الحمية الغذائية وطرق الحماية من داء السكري ومحابة
السمنة، يقودها أطباء استشاريون، يحمل كل واحد منهم نظامه الخاص، أو أفكاره التي
تبدو متناقضة مع أفكار غيره. بعضها يتماشى مع التقاليد الطبية المتعارف عليها،
وبعضها الآخر، يسير في اتجاه معاكس لها، أو يسعى بكل جدية إلى الانشقاق عليها، ومن
ثمة التشكيك في مسماتها، بما في ذلك تلك التي لها علاقة بالأمراض المزمنة مثل
السكري وأمراض الضغط الدموي وغيرها.
قد تبدو الظاهرة طبيعية في مجتمعات أصبحت
فيها وسائل التواصل الاجتماعي مؤثرة، وأصبح فيه
الرأي الطبي أكثر تداولا فيها من
فضاءات الاستشارة المهنية. لكن القضية تصير خطيرة حينما تبرز ظواهر تحدث زلزالا
عنيفا في المسلمات الطبية، فيحدث الجدل بشأنها حالة من اللاأمن الصحي، ودرجة عالية
من الحيرة والاضطراب في تخير مواد النظام الغذائي بعيدا عما تم التعود عليه لعقود
طويلة من الزمن. بل إن الأمر، قد يتخذ
أبعادا أخرى تتجاوز ما هو غذائي وطبي، فتشتبك بما هو اقتصادي وتجاري، ويأخذ أيضا
ابعادا سياسية، فالاستشارات الطبية بخصوص النظام الغذائي تمس أحيانا الصناعة
الغذائية، وتهدد بعض سلاسل الإنتاج، فتحدث كتلا شعبية مناهضة لمصالح شركات
وصناعات، مما قد يحولها في بعض الأحيان إلى سلاح يستعمل في التنافس التجاري بين
الشركات سواء بإيعاز منها أو بدون علمها، فيصير الاستشاري المختص في التغذية، من
غير علم جمهوره، يعمل لصالح شركات ضد شركات أخرى، وقد يهدد التوازن الاقتصادي من
غير أن يكون له قصد في ذلك.
لعل أخطر ما يمكن أن يلجأ إليه العالم والطبيب في خوض معركة علمية، هو الدين ونصوصه، محاولة منه إلى استمالة جمهور واسع لا يمتلك الخلفية العلمية الكافية لنقد الأفكار العلمية، فيرى أن تقوية جبهته، قد تتم بالسلاح الفتاك السهل الاستعمال، وهو استعمال النصوص الدينية لدعم آراء طبية هي محل جدل علمي واسع.
على أن الأمر، لا يقتصر فقط على التأثير
الاقتصادي والتجاري، بل قد تكون له تداعيات سياسية، فتتحول الاستشارات في المجال
الغذائي إلى آلية تعبئة للمقاطعة الاقتصادية والتجارية لبعض المنتجات، بما يحدث
أزمات تضطر الدولة إلى التدخل لإقامة التوازن، وأحيانا للبحث عن السياسي الثاوي
وراء تلك الاستشارات الطبية.
في واقع الأمر، قد يأخذ الرأي العلمي والطبي
هذه الطبيعة دون أن يكون له قصد في ترتيب هذه التداعيات، وذلك بحكم أنه يمس حياة
الناس اليومية، ومعاشهم وأنظمة تغذيتهم، فيكون أمام العالم أو الطبيب أو الاستشاري
أن يخوض معركته في أكثر من واجهة، واجهة العلم والطب، وواجهة أخرى لا يحسن
قواعدها، هي واجهة الصراع مع اللوبيات ومراكز القرار.
ولعل أخطر ما يمكن أن يلجأ إليه العالم
والطبيب في خوض معركة علمية، هو الدين ونصوصه، محاولة منه إلى استمالة جمهور واسع
لا يمتلك الخلفية العلمية الكافية لنقد الأفكار العلمية، فيرى أن تقوية جبهته، قد
تتم بالسلاح الفتاك السهل الاستعمال، وهو استعمال النصوص الدينية لدعم آراء طبية
هي محل جدل علمي واسع.
في هذا المقال، نخوض في هذه القضية الشائكة،
وذلك على خلفية الجدل الواسع الذي اندلع حول "نظام الطيبات امتد إلى كل
العالم العربي، ولا يهمنا ضمنه مناقشة صحة وموثوقية الآراء العلمية المساندة أو
المعارضة، بل القصد تجريد هذا النقاش بالجملة من التوظيفات الدينية التي تزيد
الأمر حدة وتعقيدا، ولا تقدم شيئا إلى النقاش العلمي الذي يفترض أنه الذي يحسم
الخلاف.
فوضى اللجوء إلى النص الديني لدعم نظم
الحمية الغذائية
ثمة تساؤل مهم يثار بشأن خلفيات اللجوء إلى
النص الديني في معارك نظم الحميات الغذائية، أو في الصراع مع التقاليد الطبية
المعمول بها حديثا، فبعض استشاريي الأنظمة
الغذائية يتركون النقاشات العلمية التي توفر وحدة قواعد الحجاج العلمي، ويدخلون
النصوص الدينية وحياة الرسول عليه الصلاة والسلام وآدابه في الطعام في معارك
الحميات الغذائية، ويعتقدون أن النص
الديني ينهي الخلاف، أو أن هدي الرسول في الطعام والشراب، هو المرجعية التي ينبغي
أن تحكم ما عداها من المرجعيات في النظام الغذائي.
ليس ثمة شك أن خروج المعارك عن فضاءات
النقاش العلمي، أي الجامعات ومختبرات الطب، والتجارب العلمية والمجلات العلمية
المحكمة، والدراسات والبحوث ذات الموثوقية العليا، إلى فضاء الجمهور الواسع، لكسب الأنصار والأتباع على وسائل التواصل
الاجتماعي، صار يتطلب من جهة الانتقال بالطب من المستوى النخبوي العالم، إلى
المستوى الشعبوي، وقد أقر بعض
المختصين، ممن دخلوا بقوة غمار المعارك
الطبية حول الأنظمة الغذائية، أنه نجح في أن "يشعبن" الطب، ويبسط
مقولاته وقواعده حتى يسهل على الجمهور ليس فقط فهمها، ولكن أيضا، أن يكون جزءا من
معركة "نظام الطيبات" ضد "المسلمات الطبية، التي يرى أنه من الضرورة مراجعتها والثورة عليها.
قد تكون هذه المهمة هي الأخرى، جزءا من مهمة
الطبيب المختص بوصفه مثقفا، يروم تبسيط المعرفة العلمية ونقلها إلى الشارع بأسلوب
يناسب مكوناته، لكن، ثمة تساؤل مهم حول جدوى الاستعانة بالنصوص الدينية في معركة
علمية ذات طبيعة طبية بامتياز؟
هل القصد توسيع دائرة الأتباع أو إضفاء طابع
علمي وديني ورمزي على أطروحات طبية لم تختبر بعد علميا وبحثيا؟ أم المقصود تأصيل
ديني لهذه الاختيارات، فتكون الأولوية إثبات الإعجاز الغذائي القرآني والنبوي، في
الوقت الذي يتم فيه تسليط الضوء على من اكتشفه من استشاريي التغذية؟
قد تكون كل هذه المقاصد مرجوة، فالدين أصبح
يمثل في الفضاء الثقافي العربي سلطة مهمة، لا يمارسها فقط العلماء ذوو الاختصاص
الشرعي، بل يمارسها أيضا ذوو الاختصاصات الأخرى ممن يسعى إلى إضفاء لبوس ديني على
آرائهم أو يسعى إلى تقديم تأويل طبي لبعض الممارسات النبوية أو لبعض النصوص
القرآنية.
وإذا كان من الممكن والوارد استعمال النصوص
الدينية في أي حقل من حقول الصراع، واستدعاء مقولة الإعجاز العلمي القرآني، التي
واجهها غير واحد من العلماء، محذرين من توسيع نطاقها، فإن التساؤل الذي يثار في
حقل الأنظمة الغذائية هو قابلية النصوص والهدي النبوي إلى هذا التوظيف، وهل يمكن
لي أعناقها لخدمة أهداف واختيارات معدة سلفا؟ وما التصور الكلي الإسلامي لقضية
الغذاء، وما المقاصد الكلية التي تحكمه، وتحصنه من أي عملية تأويل أو توظيف غير
علمي؟
في مناقشة توظيفات استشاريي نظم التغذية
للنصوص القرآنية والهدي النبوي
تختلف توظيفات استشاريي نظم التغذية لنصوص
القرآن، والهدي النبوي، وتشترك جمعيها في البعد الانتقائي، وغياب الفهم الكلي
والمقاصدي لقضية الغذاء في الإسلام، فضلا عن استبعاد السياق التاريخي والحضاري
وأثره في صوغ الهدي النبوي في الطعام.
فجميع استشاريي التغذية ممن يلجأون إلى
النصوص القرآنية والهدي النبوي يتوقفون على مركزية العسل والحبة السوداء والتمر
والزبيب في الغذاء والاستشفاء، وبعضهم ينقل كراهية النبي لبعض الأطعمة إلى قانون يلزم به الأمة، مدعيا أنها مضرة
وأنها ليست من الطيبات وذلك مثل البصل والثوم، ومنهم من يعتبر القطاني والبقول أطعمة دنيا لا يجوز الاقتراب منها لأنها
مضرة، ويتم وصفها بأنها خاصة باليهود، والمفارقة أن جدلا واسعا يقوم بين هؤلاء حول
الفائدة الغذائية من اللبن، فمنهم من يدعي أنه الغذاء الأكمل نسبة إلى ذكر للنبي
صلى الله عليه وسلم عند شربه يقول فيه: "وزدنا منه" في مقابل "وزدنا خيرا منه"
بالنسبة لبقية الأطعمة الأخرى، ومنهم من يقول بأنه لا يندرج مطلقا ضمن نظام
الطيبات من الأكل كما نص عليها القرآن،
وأن المدة الزمنية التي تستوجب تناول
اللبن هي سنتين بعد الولادة، وأن الجسم بعد الفطام من هذه المدة لا يحتاج مطلقا
هذا النوع من الشراب.
انتبه العلماء إلى قاعدتين كليتين قررهما القرآن في تناول الأطعمة والأشربة هما: أكل الطيب الحلال وعدم الإسراف، ولم يزد على ذلك شيئا، وترك أمر تقرير لائحة الطيبات لعوائد البشر وطبيعة المكان، وما تنبته الأرض فيها من الثمار.
بعض الاستشاريين يفرقون بين حالات المستهلك،
فيمنعون مريض السكري من تناول العسل والتمر، انسجاما مع التقاليد الطبية، أو يوصون
بقدر ضئيل منهما مع ملازمة ذلك بممارسة الرياضة عقب الأكل، وبعضهم يثور على
التقاليد الطبية ويقول بأن المشكلة ليست في العسل ولا في التمر، وإنما في النظام
الغذائي الذي يلتزمه المستهلك فيسبب له ارتفاعا في نسبة السكري في الدم، ويتم نسبة
ذلك للعسل أو التمر مجاراة لتقاليد طبية غير مثبتة علمية.
هذه الفوضى التي تخترق وسائل التواصل
الاجتماعي، والتي انتقلت إلى تمييز بعض الأطعمة، مثل الخضر والفواكه، ونسبة بعضها
إلى الأنعام، والبعض الآخر إلى الإنسان، مع التوصية بمنع الدواجن والبيض، تأخذ هي
الأخرى حجاجا دينيا، فيتم استدعاء النصوص القرآنية، ويتم الادعاء بأن لائحة واسعة
من الخضر والفواكه هي مخصصة للأنعام، مثل الخيار والبطيخ، والقليل منها ما يجوز للإنسان تناوله ويندرج ضمن الطيبات مثل
البطاطس، فيتم استعداء قوله تعالى:" متاعا لكم ولأنعامكم" وغيرها من
الآيات المشابهة لإثبات حجية هذه الاختيارات، وبعضهم يستند إلى هدي النبي، ويحصر
لائحة مطعومات النبي عليه السلام في العسل والتمر وزيت الزيتون والزبيب والثريد
ولحوم الأنعام وغيرها وورى أنها هي لائحة متكاملة لنظام ما يسمى بالطيبات، لكن
هؤلاء جميعا، وهم يحاججون في قضايا علمية
تتعلق بنظام التغذية، يدخلون حقل اختصاص آخر، من المؤسف أنهم يقتحمونه بدون مكنة
علمية شرعية، وبدون استناد على آراء العلماء والأصوليين ممن يمكن أن يقدموا رؤية شرعية لموقع التغذية ونظم الطعام في
الشريعة الإسلامية، وموقع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه في الطعام في
التراتبية التشريعية، وهل هو تشريع يلزم الأمة أم له مرتبة أخرى، أصل لها العلماء،
ووضعوا لها ضوابطها وخصوصياتها.
آيات القرآن وهديه صلى الله عليه وسلم في
الطعام
وردت مادة أكل في القرآن الكريم 109 مرة،
تفيد معاني متعددة منها ما يتعلق بأكل الحرام وأموال الناس بالباطل والسحت، وتأتي
بعضها في معنى العذاب وتناول أطعمة وأشربة في النار تقطع الأمعاء، ومرة بمعنى
الثمار المختلفة الأنواع التي تؤتيها البساتين والجنان، ومرة تفيد معنى المذاق،
ومرة بمعنى المطعومات المخرجة من الأرض المخصصة للناس والأنعام.
وقد ذكر القرآن المطعومات على الإجمال بمعنى
الطيبات، واستثنى منها ما هو محرم بنصه، وذكر أجناس بعض المطعومات مثل "ما
تخرجه الأرض" أو مات تنبته" أو ثمار الأرض والأشجار أو الحب، ولحم
البحر، ولحم الطير، ولحوم الأنعام، وذكر في المقابل مطعومات أخرى بأعيانها، فخص من
ذلك اللبن والعسل والتمر والعنب والرمان وغيرها، ولم يرد في القرآن تفصيل آخر
للمطعومات يزيد عن لائحة الطيبات ولائحة الخبائث المحرمة بنص القرآن، فما ورد في
القرآن هو المحرمات من الأطعمة والأشربة، وما عداها يدور في دائرة الإباحة.
فالأصل في ذلك كما قال شيخ الإسلام ابن
تيمية في مجموع فتاواه:" إن اللهَ تعالى أذِنَ للمُؤمِنينَ في الأكلِ مِنَ
الطَّيِّباتِ ولم يَشتَرِطِ الحِلَّ، وأخبَرَ أنَّه لم يُحَرِّمْ عليهم إلَّا ما
ذكَرَه، فما سواه لم يكُنْ مُحَرَّمًا على المؤمنينَ، ومع هذا فلم يكُنْ أحَلَّه
بخِطابِه، بل كان عَفْوًا" وقد بنى ابن تيمية هذا الرأي على ما اثر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال:" كان أهلُ
الجاهليَّةِ يأكُلونَ أشياءَ ويَترُكونَ أشياءَ تقَذُّرًا، فبعَثَ اللهُ تعالى
نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنزَلَ كِتابَه، وأحَلَّ حَلالَه، وحَرَّمَ
حرامَه، فما أحَلَّ فهو حلالٌ، وما حَرَّمَ فهو حرامٌ، وما سكَتَ عنه فهو عَفْوٌ،
وتلا قوله تعالى : قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى
طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلى آخِرِ الآيةِ".
فالأصل في الأطعمة الحل كما تبين، فكل طعام
يأكله أهل بلد فهو حلال، إلا ما دل الدليل على حرمته، قال الله تعالى:"يَا
أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا" وقد نبه العلماء إلى
صيغة العموم الواردة في قوله تعالى "مما" أي كل ما في الأرض، إلا ما دل
الدليل على حرمته.
وقد انتبه العلماء إلى قاعدتين كليتين
قررهما القرآن في تناول الأطعمة والأشربة هما: أكل الطيب الحلال وعدم الإسراف، ولم
يزد على ذلك شيئا، وترك أمر تقرير لائحة الطيبات لعوائد البشر وطبيعة المكان، وما
تنبته الأرض فيها من الثمار.
وقد فصل ابن القيم الجوزية في هدي النبي صلى
الله عليه وسلم في الطعام فقال في زاد المعاد:" وكذلك كان هديه صلى الله عليه
وسلم وسيرته في الطعام لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا، فما قرب إليه شيء من
الطيبات إلا أكله ، إلا أن تعافه نفسه فيتركه من غير تحريم (وما عاب طعاما قط ، إن
اشتهاه أكله وإلا تركه) كما ترك أكل الضب لما لم يعتده ، ولم يحرمه على الأمة ، بل أكل على مائدته وهو ينظر .وأكل
الحلوى، والعسل وكان يحبهما، وأكل لحم الجزور والضأن والدجاج، ولحم الحبارى، ولحم
حمار الوحش والأرنب، وطعام البحر، وأكل
الشواء، وأكل الرطب والتمر، وشرب اللبن خالصا ومشوبا، والسويق، والعسل بالماء،
وشرب نقيع التمر، وأكل الخزيرة وهي حساء يتخذ من اللبن والدقيق، وأكل القثاء
بالرطب وأكل الأقط، وأكل التمر بالخبز، وأكل الخبز بالخل، وأكل الثريد وهو الخبز
باللحم، وأكل الخبز بالإهالة وهي الودك، وهو الشحم المذاب، وأكل من الكبد المشوية،
وأكل القديد ، وأكل الدباء المطبوخة وكان يحبها، وأكل المسلوقة وأكل الثريد
بالسمن، وأكل الجبن، وأكل الخبز بالزيت، وأكل البطيخ بالرطب، وأكل التمر بالزبد
وكان يحبه، ولم يكن يرد طيبا ولا يتكلفه، بل كان هديه أكل ما تيسر، فإن أعوزه صبر".
فواضح من هذا الهدي أن قاعدة النبي في
المأكولات أكله من كل طيب حلال موجود، وأن ما امتنع عن أكله كالضب أو الثوم أو
البصل فإنه يعود لأمر خاص به، يتعلق بذوقه أو بلقائه بالملائكة وأنه لم يلزم أمته
بشيء من ذلك.
هدي الرسول في الطعام تشريع أم تصرف إرشادي
أم سلوك جبلي؟
ثمة اعتبار آخر، يتناساه الكثيرون حين
يلزمون أنفسهم بأطعمة النبي صلى الله عليه وسلم، لا يتعدونها إلى غيرها، ويحسبون
أنها تمثل اللائحة الحصرية لـ"الطيبات، فلا يجيزون إدخال غيرها إليها، فهؤلاء يغفلون عن قضية السياق الجغرافي
والتاريخي، فالنبي عليه السلام كان يعيش
في بيئة الجزيرة العربية المرتبطة بنموذج الغذاء الذي كان معروفا فيها أو في
البلدان التي توفر موارد غذائية إليها، فالجزيرة العربية زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كانت لا تتوفر على لائحة
واسعة من المطعومات، فالبيئة الصحراوية لا تتوفر فيها كثير من الخضار والفواكه فضلا عن أنوع من الثمار والحب والقطاني
التي عرفت في مناطق أخرى بعيدة عن الجزيرة العربية، ولذلك أكد ابن القيم في توصيفه لهدي النبي صلى الله
عليه وسلم أنه كان "لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا".
إذا تبين من مجموع النظرة الشرعية الكلية، أن قضايا الطعام تدور كلها على تجنب المحرمات المثبتة بنص، وتناول الطيبات الحلال التي ذكرت بنص أو تم العفو عنها (السكوت عنها)، والالتزام بضابط الاعتدال وعدم الإسراف، يتحصل من ذلك كله، أن حقل الدين ليس هو الحقل المناسب لإدارة الصراع حول القضايا المرتبطة بالنظام الغذائي، وأن الخلاف في الأفكار العلمية، إذا نتج عن تغير المطعومات بفعل الصناعات الغذائية الحديثة أو التدخل العلمي في وظائف الأنعام، أو التدخل في تعديل الغذاء، فإن الساحة الأمثل لإدارة الصراع حول هذه القضايا ينبغي أن تبقى في الحقل العلمي بعيدا عن النصوص الدينية وعن هدي النبي صلى الله عليه وسلم..
فإذا انصرفنا عن هذه القضية التي لها علاقة
بتأثيرات السياق والبيئة الجغرافية على أنواع المطعومات الموجودة والمفقودة في
الجزيرة العربية ومن بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الأصوليين، وضعوا قواعد
تضبط موقع هديه صلى الله عليه وسلم في الطعام في سلم التشريع.
والثابت أن الإمام القرافي كان من بين أوائل
الأئمة الذين لفتوا الانتباه إلى تعدد مراتب تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم،
فتحدث عن تصرفاته بصفة التبليغ، وتصرفاته
بصفة الفتوى وتصرفاته بصفة القضاء وتصرفاته بصفة الإمامة، وذكر الشيخ ولي الله
الدهلوي تقسيما آخر، أدخل بعض الأصناف
التي ذكرها القرافي في القسم الذي يوجب الاتباع لأنه صادر عن وحي، وأضاف قسما
جديدا، جعل أصله العادة البشرية لا العبادة، وعليه سار عدد من الأصوليين المتأخرين
مثل الطاهر ابن عاشور، في إبعاد التصرفات البشرية عن مشمول الرسالة والتبليغ،
وساروا على نسق الأصوليين القدامى في
إدخال آداب الطعام والشراب في الأمور
الجبلية التي كان يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم بصفته بشرا، لا بصفته نبيا موحى
إليه، وأدرجوا هذا القسم ضمن منطقة الإباحة، لا الوجوب أو الندب، إلا ما ظهر منها
الاشتراك بين الهادة البشرية وبين
العبادة.
فقد ذكر أغلب ألأصوليين في مسألة عدم
التكليف بالمور الجبلية قضايا الأكل ولشرب واللباس، وميز بعضهم ضمنها ما كان عادة
بشرية محضة وما التبس منها بعبادة، وكلهم مجمعون على أن ما ارتباط بمحض التجربة
التشريعية لم يكن تشريعا.
عودة إلى توظيف النصوص الدينية لدعم أنظمة الغذاء
فإذا تبين من مجموع النظرة الشرعية الكلية،
أن قضايا الطعام تدور كلها على تجنب المحرمات المثبتة بنص، وتناول الطيبات الحلال
التي ذكرت بنص أو تم العفو عنها (السكوت عنها)، والالتزام بضابط الاعتدال وعدم الإسراف، يتحصل من ذلك كله، أن حقل الدين ليس هو الحقل المناسب لإدارة الصراع حول
القضايا المرتبطة بالنظام الغذائي، وأن الخلاف في الأفكار العلمية، إذا نتج عن
تغير المطعومات بفعل الصناعات الغذائية الحديثة أو التدخل العلمي في وظائف الأنعام، أو التدخل في
تعديل الغذاء، فإن الساحة الأمثل لإدارة الصراع حول هذه القضايا ينبغي أن تبقى في
الحقل العلمي بعيدا عن النصوص الدينية وعن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن
اللجوء إلى الحقل الديني لإضفاء مشروعية
على آراء علمية بخصوص أنظمة الغذاء أو أنظمة الحمية، يمثل تهديدا للدين قبل أن يمثل انحرافا عن
قواعد النقاش العلمي والطبي، ذلك لأنه ينسف البناء الأصولي الذي يجعل قضايا
المطعومات في دائرة الإباحة سوى ما نص على
تحريمه، وينقل هدي النبي في الطعام من
دائرة العادة والتجربة الشخصية إلى دائرة الواجب أو المستحب الشرعي (الحكم الشرعي)
ويتسبب في فوضى دينية، تضاف إلى فوضى ما يسمى بأنظمة الاستشارات الطبية حول الأنظمة الغذائية أو حول
الحمية الصحية.