بعد أكثر من ثلاث سنوات من الجدل السياسي والقانوني، حسمت مجموعة أكسل شبرينغر الألمانية صفقة الاستحواذ على مجموعة تلغراف ميديا المالكة لصحيفة ديلي تلغراف العريقة مقابل 575 مليون جنيه إسترليني، لتنهي واحدة من أكثر صفقات الإعلام إثارة للجدل في
بريطانيا.
ولم تكن الصفقة مجرد منافسة تجارية بين شركات إعلامية، بل جاءت بعد فشل محاولة إماراتية ضخمة للاستحواذ على الصحيفة، اصطدمت برفض سياسي وتشريعي واسع داخل المملكة المتحدة، بسبب مخاوف تتعلق بحرية الصحافة وتأثير الحكومات الأجنبية على وسائل الإعلام البريطانية، وشكل الجدل حول محاولات
الإمارات الاستحواذ على واحدة من أعرق الصحف البريطانية اختبارا حقيقيا لمدى التزام المملكة المتحدة بالحفاظ على استقلالية الصحافة، ومنع الدول الأجنبية من التأثير على حرية الإعلام، خاصة وأن سجل الإمارات في مجال حرية الصحافة ليس ناصعا.
وهذه ليست المرة الأولى التي يسود القلق والشك البريطانيين إزاء نوايا الإماراتيين من الاستحواذ على صحف أو قنوات إعلامية بريطانية، حيث أنهت سكاي نيوز الإنجليزية منذ فترة ليست بالبعيدة شراكتها مع سكاي نيوز العربية التي حصلت أبوظبي على رخصتها من الشبكة الإنجليزية، وذلك بعد مخالفة النسخة العربية التي تتخذ من أبوظبي مقرا لها للسياسات التحريرية المعتمدة في الشبكة، خاصة في حرب السودان.
ونشرت صحيفة "ديلي تلغراف" نفسها
تقريرا أعده ممفيس باركر، قال فيه إن شبكة "سكاي نيوز الإنجليزية" قطعت علاقاتها مع القناة الشقيقة لها في دولة الإمارات العربية المتحدة، نظرا لاستخدام القناة للدعاية وتبييض الجرائم التي ارتكبتها ميليشيا سودانية.
كيف بدأت القصة؟
بدأت الأزمة في عام 2023 عندما فقدت عائلة باركلي، المالكة لصحيفة "ديلي تلغراف" منذ عام 2004، السيطرة على المجموعة بعد تراكم ديون تجاوزت 1.16 مليار جنيه إسترليني لصالح بنك لويدز.
وفي محاولة لإنقاذ المجموعة، توصل تحالف "ريدبيرد آي أم آي " RedBird IMI إلى اتفاق مع عائلة باركلي لسداد ديونها مقابل السيطرة على "تلغراف ميديا".
وضم التحالف شركة الاستثمار الأمريكية ريدبيرد كابيتال إلى جانب شركة الاستثمارات الإعلامية العالمية (IMI) في أبوظبي، التي كانت تمتلك 75% من التحالف، والمدعومة من الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات.
اظهار أخبار متعلقة
لماذا فشلت الصفقة الإماراتية؟
رغم امتلاك التحالف التمويل اللازم، واجهت الصفقة معارضة سياسية وإعلامية غير مسبوقة، حيث اعتبرت الأوساط السياسية والبرلمانية أن حرية الصحافة في بريطانيا والمحافظة على استقلاليتها هي قضية لها الأولوية، وأن بيع صحيفة عريقة لدولة أجنبية يؤثر على استقلال الإعلام في بريطانيا، وخاصة إذا كان السجل الحقوقي وسجل حرية الصحافة في تلك الدولة ليس ناصعا.
وأعرب نواب من حزبي المحافظين والعمال، إلى جانب مجلس اللوردات، عن مخاوف من انتقال إحدى أهم الصحف البريطانية إلى كيان تهيمن عليه جهة مرتبطة بحكومة أجنبية، معتبرين أن ذلك قد يهدد استقلالية التحرير.
كما انتقدت منظمات الدفاع عن حرية الصحافة سجل الإمارات في مجال حرية الإعلام، وحذرت من أن امتلاكها صحيفة بريطانية مؤثرة قد يخلق سابقة خطيرة في المشهد الإعلامي البريطاني.
ومع تصاعد الضغوط, تدخلت الحكومة البريطانية وأقرت تشريعًا جديدًا يمنع الحكومات الأجنبية أو الجهات المرتبطة بها من امتلاك صحف بريطانية، كما فرض سقفًا لا يتجاوز 15% لأي مساهمة تعود لدولة أجنبية في المؤسسات الإعلامية.
وبذلك أصبحت صفقة RedBird IMI غير قابلة للتنفيذ، واضطر التحالف إلى التخلي عن "التلغراف" وإعادتها إلى السوق.
اظهار أخبار متعلقة
كيف فاز الألمان؟
بعد سقوط الصفقة الإماراتية، دخلت مجموعة ديلي ميل آند جنرال تراست (DMGT) السباق وعرضت 500 مليون جنيه إسترليني وكانت الأقرب للفوز، بعدما حصلت على موافقة الحكومة البريطانية لنقل خيار الشراء إليها.
لكن المفاجأة جاءت عندما تقدمت مجموعة أكسل شبرينغر الألمانية بعرض بلغت قيمته 575 مليون جنيه إسترليني، أي أعلى بنحو 75 مليون جنيه من منافستها.
ولم يكن السعر وحده العامل الحاسم، إذ تمتعت الشركة الألمانية أيضًا بمسار تنظيمي أكثر سهولة، لأنها مؤسسة إعلامية أوروبية خاصة لا تخضع لقيود قانون الملكية الأجنبية الجديد، ما سمح بالحصول على الموافقات التنظيمية في المملكة المتحدة وأيرلندا والنمسا دون العقبات التي واجهتها الصفقة الإماراتية.
وأعلنت المجموعة هذا الأسبوع إتمام الاستحواذ رسميًا بعد استكمال جميع الموافقات المطلوبة.
يوم تاريخي
ووصف الرئيس التنفيذي لمجموعة أكسل شبرينغر الألمانية ، ماتياس دوبفنر، إتمام الصفقة بأنه "يوم تاريخي"، مؤكدًا أن "أكسل شبرينغر" و"التلغراف" تتشاركان الالتزام بحرية الصحافة، والابتكار، وتسريع التحول الرقمي في قطاع الإعلام.
وقال دوبفنر إن الاستحواذ يشكل "أساسًا قويًا لتسريع التحول الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي"، مؤكدًا أن استقلالية تحرير "التلغراف" ستظل "مقدسة ولا يمكن المساس بها"، وأعلن الإبقاء على الإدارة الحالية، وفي مقدمتها رئيس التحرير كريس إيفانز والرئيسة التنفيذية آنا جونز.
وأكدت المجموعة التي تتخذ من برلين مقرًا لها، إنها حصلت على جميع الموافقات التنظيمية اللازمة في المملكة المتحدة وأيرلندا والنمسا، ما مكنها من إتمام عملية الاستحواذ بشكل كامل.
وبموجب الصفقة، تنضم "التلغراف" إلى محفظة إعلامية تضم صحيفة بيلد، أكبر صحيفة من حيث التوزيع في أوروبا، وصحيفة دي فيلت الألمانيتين، إلى جانب منصتي بوليتيكو وبيزنس إنسايدر الرقميتين.
صحيفة عمرها 171 عامًا
تأسست ديلي تلغراف عام 1855، وتُعد من أعرق الصحف البريطانية وأكثرها تأثيرا، وتتبنى توجهًا محافظًا جعلها لسنوات قريبة من حزب المحافظين وصناع القرار في لندن.
وأصبحت عملية بيعها اختبارًا لقدرة بريطانيا على الموازنة بين جذب الاستثمارات الأجنبية وحماية استقلال وسائل الإعلام، لتنتهي في النهاية بفوز مستثمر أوروبي خاص، بعد أن أطاح التشريع البريطاني بمحاولة استحواذ مدعومة من الإمارات.