الدولة القُطرية بعد قرن من نشأتها.. هل آن أوان المصالحة بين الوطني والقومي؟

إنَّ الاعتراف بواقع الدولة القطرية التي تمكنت خلال عقود من الزمن من إنشاء وتكريس بنى اجتماعية ونفسية داخل مجتمعها ليس انحرافاً أو تنازلاً كما يتوهم بعض القوميين، بل هو شرطٌ لمعرفة نشأة هذه الدولة وتكوّنها معرفة موضوعية..
إنَّ الاعتراف بواقع الدولة القطرية التي تمكنت خلال عقود من الزمن من إنشاء وتكريس بنى اجتماعية ونفسية داخل مجتمعها ليس انحرافاً أو تنازلاً كما يتوهم بعض القوميين، بل هو شرطٌ لمعرفة نشأة هذه الدولة وتكوّنها معرفة موضوعية..
شارك الخبر
الكتاب: الدولة الهجينة أوحين تنوء الدولة القُطريّة بتاريخها
الكاتب: علي الصالح مولى
الناشر: مؤمنون  بلا حدود للنشر و التوزيع، لبنان-بيروت، الطبعة الأولى 2026، (عدد صفحات الكتاب 430 من القطع الكبير)


هل كانت الدولة العربية القُطرية مجرد نتاج استعماري عابر، أم أنها تحولت، رغم هشاشتها وإخفاقاتها، إلى حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها في أي مشروع نهضوي عربي؟ بهذا السؤال يختتم الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني، في الجزء الثالث والأخير من قراءته لكتاب "الدولة الهجينة أو حين تنوء الدولة القُطرية بتاريخها" للباحث علي الصالح مولى، نقاشًا يتجاوز نقد الدولة الوطنية إلى مراجعة أحد المسلمات الراسخة في الفكر القومي العربي.

ويناقش المديني، في قراءته الخاصة بـ "عربي21"، الأطروحة التي يدافع عنها المؤلف، ومفادها أن المأزق العربي لا يكمن في وجود الدولة القُطرية بحد ذاته، بل في العجز عن تحويلها إلى دولة وطنية ديمقراطية، قادرة على أن تكون قاعدة للتكامل العربي لا نقيضًا له. ومن هذا المنطلق، يطرح الكتاب دعوة إلى مصالحة فكرية بين الوطني والقومي، باعتبارها شرطًا لتجاوز ثنائية أرهقت الفكر العربي لعقود، ولبناء مشروع وحدوي أكثر واقعية، ينطلق من الدولة القائمة بدل إنكارها، ومن الإصلاح الديمقراطي بدل الاكتفاء بالشعارات الأيديولوجية.


الدولة القطرية وإشكالية العلاقة بين بين القومي والقطري

يبدو، إذن، أنه من المبالغة الزعم أن الدولة القطرية الجديدة ولدت في الفراغ؛ أي خارج الشروط الموضوعية، وبعيداً عن المطالب الاجتماعية والسياسية والتمدينية عامة. لكن ذلك، لا يمنع من الإقرار بأن شروطاً أساسية لم تكن قد نضجت بعد الميلاد وعي تاريخي حقيقي يستدعيها وجوباً. ونعتقد أنّ الإقبال على تقليب سيرة هذه الدولة في الواقع اليومي المعيش يمنحها، بنسب متفاوتة بعض ملامح الدولة الحديثة كما ظهرت في الغرب. فالوظائف التي تصدت لها والحاجات التي نزعت إلى تلبيتها تدعو موضوعياً إلى الاعتراف بكونها في كثير من ملامحها دولة حديثة بالمعنى الذي تعرضنا إليه في بابه. إنها، إضافة إلى الشروط القانونية الدستورية (الجغرافيا، السيادة، المؤسسات المواطنة...) مارست جملة من الأدوار في قطاعات عديدة ونجحت نجاحات لا يمكن إنكارها. فقد بنت المؤسسات السيادية (الجيش، الأمن، القضاء) والمؤسسات الخدمية (التعليم، الصحة، الإدارة عموماً) والمؤسسات الاقتصادية الإنتاجية، وربما أرجعنا هذه النجاحات أو جزءاً منها على الأقل، إلى أن القيادات السياسية والهيئات الاستشارية المصاحبة التي باشرت قيادة هذه الدولة في أكثر من قطر عربي "من الطبقة الوسطى الحديثة ذات التعليم العصري والمتأثر بالفكر الليبرالي والقومي الأوروبي".

جعل الخطاب السياسي والأيديولوجي للأحزاب القومية، الحزب القومي يتماهى مع الأمة العربية في هويةٍ واحدةٍ، بحيث لا يعود للأمة من وجودٍ خارج حُدُودهِ ورؤاه. كما تحكمت في الفكر القومي رؤية أيديولوجية (ذاتية خاصة) حصرية وتمامية تَحْجُبُ واقع الدولة القطرية، وتَحُولُ دون معرفته كما هو، ومنطق تبريري يتمحور حول معصومية الذات (الحزب، الجماعة) وتماميتها وكمالها.

حين نتحدث عن الأمة العربية على نحو ما يتحدث القوميون بلا تبصرٍ، تَفْرُضُ علينا الصفة (العربية) أنْ نتجاهل واقع أنَّ الأمةَ العربيةَ مقسمةٌ إلى عدَّةِ دولٍ ومجتمعاتٍ، مصرية، تونسية، وعراقية، وعن شعوب مصرية ولبنانية وتونسية .ولكنَّ الفكر القومي يَرْفُضُ الحديثَ عن الدولة الوطنية في هذه الأقطار، لأنَّ الدولة القطرية لا تزال هامشيةً تقع على محيط دائرة مركز ها "الأمة العربية" التي تحتم عليه أن يقصر مفهوم الدولة على الدولة القومية.
ثمة وجهة نظر شائعة لدى العديد من الأحزاب القومية على اختلاف مسمياتها المهتمة بقضايا المنطقة العربية، تتعَامَلُ بشكلٍ عامٍ مع الواقع العربي وكأنَّ لا وجودَ فيه للدولة القطرية، معتبرةً أنَّها مجرَّدَ نتاجٍ استعماريٍّ زائلٍ حتماً، والحال أنَّ الاستعمارَ لم يكن في الحقيقة سوى أحدِ العواملِ التي أسْهَمَتْ في نشوءِ الدولةِ القطريةِ. وتؤَكِّدُ الرؤيةُ القوميةُ أنَّ الدولة العربية القطرية الحديثة قد نشأت نشأة "مصطنعة" على يد الاستعمار الأوروبي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ويترتب على وجهة النظر السابقة نتيجة شديدة الخطورة، تتمثل في عدم الاعتراف بشرعية هذه الدول القطرية ككيانات مستقلة، تتسم بسمات الدولة الوطنية وتتيح وجهة النظر هذه المجال أمام الراغبين من القوميين في القضاء على هذه الدولة القطرية، بغض النظر عن توجهاتهم الفكرية، لتحدي وجود هذه الدولة المصنطعة، والسعي للقضاء عليها لمصلحة صيغة أخرى من الدولة القومية.

من الناحية التاريخية، اضْطَلَعَتْ الدول الأوربية، المستعمرة، أو المحتلة، أو المنتدبة، بالدور المحوري في تحديد توقيت الاستقلال الرسمي للدول العربية القطرية التي خَضَعَتْ للاحتلالِ أو الانتدابِ، واتَفَقَتْ فيما بينها على ترسيمِ الحُدُودِ بين الدول العربية وبعضها بعضًا، أو بينها وبين الدول المجاورة غير العربية، ولا يُعَدُّ هذا استثناءً خاصًا بالدول العربية، بل لقد حدث هذا في معظمِ دولِ العالم في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية بل وفي وسط وشرق أوروبا، ولم يتوقف أحدٌ طويلاً عند هذه الظاهرة في باقي دول العالم، على النقيض من المحللين الأيديولوجيين القوميين العرب، من منطلق الحرص على رفض هذه "الدولة القطرية المصطنعة".

وفي ضوء الهزائم التاريخية التي مُنِيَتْ بها الحركات القومية العربية التي وصلت إلى السلطة في بعض البلدان العربية، وفي ضوء التحدِّياتِ التي واجهت معظم الدول العربية القطرية، كان من أكثرها أهمية الحروب الأهلية الطاحنة، كان من شأنها القضاء على هذه الدول القطرية الفتية، وتوقع البعض أن تُؤَدِّيَ بعض هذه الحروب، -إن لم يكن كلها، بهذه الدول العربية المصطنعة وبالرغم من فداحة الخسائر البشرية والمادية، لاسيما في كل من الحرب الأهلية الأردنية (1970-1971) واللبنانية (1975-1989)- إلى الزوال، ومع ذلك تمكنتْ كلتا الدولتين من البقاء بالحدود نفسها التي رسمها الاستعمار، واستمرت كذلك كل من سلطنة عمان والعراق، حتى الآن، بحدودهما، بينما تمكن السودان من البقاء، بالرغم من انفصال الجنوب.

في ضوء كل هذه العوامل السلبية المدمرة، إضافة إلى ندرة الموارد البشرية والطبيعية، وتكرار تغير النظم السياسية والنخب الحاكمة، والمعارضة المسلحة، وأزمات التنمية السياسية (أزمات الهوية، وبناء الأمة، وبناء الدولة، والشرعية والفاعلية)، التي كانت تُنْذِرُ بعدم قدرة هذه الدول العربية القطرية على البقاء، فإنّ هذه الدول القطرية تمكنت من البقاء، وتقدم لنا دول، مثل الأردن والبحرين، وعمان وقطر، والإمارات، لاسيما قبل طفرة النفط، أمثلة بارزة في هذا الصدد. وإذا كان النفط قد تسَبَّبَ في زيادةٍ هائلةٍ في موارد كل من قطر، والإمارات، وعمان بدرجة أقل، فقد تمكنت كل من الأردن، والبحرين، وتونس، ولبنان من تحقيق معدلاتٍ مرتفعةٍ في مؤشرات التنمية البشرية، بالرغم من ندرة أو انعدام الموارد النفطية.

من المؤكد، اليوم، بعد ما حصد الفكر القومي خيباتٍ ونكساتٍ خطيرةٍ، أنَّه ما لم يعترفْ هذا الفكر بوجود الدولةِ القطريةِ، وما لم يَعِدُّهَا من حقائق الواقع العربي، فإنَّه يَصْعُبُ عليه التوصل إلى بديلٍ قوميٍّ ممكنِ التحققِ.

ويطرح المحللون العرب الذين عايشوا إخفاق التجربة القومية العربية في بناء دولة قومية مركزية، مجموعة من الأسئلة حول مكونات الواقع وأهمها مسألة وجود الدولة القطرية ذاته من عدمه، بمعنى ما المقصود بالدولة القطرية من حيث الشكل؟ وهل تحمل أصلاً صفة الدولة، ذلك أنَّ الواقع العربي يتسع حالياً ليشمل أكثر من نموذج "دولة" بمعنى آخر، هل هناك دولة بالمعنى الحقوقي والمؤسساتي أم لا؟ أم نحن أمام نماذج مختلفة؟..

إنَّ الاعتراف بواقع الدولة القطرية التي تمكنت خلال عقود من الزمن من إنشاء وتكريس بنى اجتماعية ونفسية داخل مجتمعها ليس انحرافاً أو تنازلاً كما يتوهم بعض القوميين، بل هو شرطٌ لمعرفة نشأة هذه الدولة وتكوّنها معرفة موضوعية، نعتقد أنَّ الفكر هو اليوم أحوج ما يكون إليها في مسعاه إلى صياغة البديل القومي المقنع والمقبول.

إنَّ من بين أشكال الوعي الاجتماعي العربي يبدو الوعي القومي أكثرها التباساً لأنَّه ممزّق بين تعبيرين:واقعي كما تعبّر عنه الجماهير العربية ونظري (نخبوي) كما يتجلّى في الفكر القومي، يفتقران إلى الانسجام. وهذا ما شكَّل على مدى عقودٍ وما يزال يشكّل عائقاً في وجه تقدّم الوعي القومي وتأثيره المنشود في تحقيق أهداف الأمة العربية . لذلك نرى من الضروري تسليط الضوء على إبراز الأسباب التي تُبَاعِدُ ما بين هذين التَعْبِيرَيْنِ وتَمْنَعُ الانسجام بينهما، وفي مقدمتها المفهوم الأيديولوجي الممثل للعلاقة بين القطري والقومي.

التمييز بين الدولة القطرية كواقع موضوعي وبين الإيديولوجية القطرية المعادية للعروبة

لا بُدَّ من التمييز بين القطرية كواقع موضوعي يتمثل في وجود الدولة القطرية العربية وبين الأيديولوجية القطرية المعادية للقومية العربية التي تُنْتِجُهَا الأنظمة الحاكمة. إذْ ليس من الضروري، في رأينا، أن تنتج الدولة القطرية أيديولوجية ضدّ القومية، وليس صحيحاً أنّ هذه الدول، التي ارتبط قيامها باستراتيجيات تفتيت العالم العربي ومنع وحدته، محكومة بإنتاج أيديولوجية تكرّس هذه الاستراتيجيات ولا تستطيع الاستمرار كدولة دون هذه الأيديولوجية. إنَّ مصدر المطابقة الوهمية بين الدولة القطرية والأيديولوجية المعادية للقومية العربية يصدر عن خلط بين هذه الدولة وبين نظامها السياسي لا سيما أنَّ النظم السياسية في معظم الدول العربية تكاد تكون نُظُمًا مُؤَبَدَةً.

والحال أنَّ الدولة، كما هو معروف، ليست نظاماً سياسياً مهما طال عمر هذا النظام، لأنَّها أكبر وأبقى منه. ومصالح الدول، في ظل انعدام الديمقراطية وتفشي الاستبداد، ليست مطابقة بالضرورة مع مصالحِ أنظمتها أيضاً. وهو ما يتجلّى بشكلٍ مأساويٍّ في عالمنا العربي حيث التعارض جذري وحاد بين مصلحة الدولة ومصلحة النظام، ذلك أنَّ المصلحة الوطنية لهذه الدولة تكمن، موضوعياً، في التكامل القومي مع غيرها من الدول العربية، بينما تقتضي المصلحة الشخصية للنظام الحاكم الحفاظ على التفتيت القطري ومعارضة التكامل القومي الذي يرى فيه تهديداً لسلطاته المطلقة ولما يعتبره ويُعِدَّهُ ملكيةً خاصةً.

الدولة، كما هو معروف، ليست نظاماً سياسياً مهما طال عمر هذا النظام، لأنَّها أكبر وأبقى منه. ومصالح الدول، في ظل انعدام الديمقراطية وتفشي الاستبداد، ليست مطابقة بالضرورة مع مصالحِ أنظمتها أيضاً. وهو ما يتجلّى بشكلٍ مأساويٍّ في عالمنا العربي حيث التعارض جذري وحاد بين مصلحة الدولة ومصلحة النظام
ولأدلجة مصلحتها الخاصة عملت السلطات الحاكمة في الأقطار العربية على خلق وعي "قطري -قومي" يجعل من كل دولة عربية "أمة"، ويحل محل الوعي القومي العربي. وجنّدت في سبيل ذلك إمكانات مثقفيها وأيديولوجيتها. ولعلّها توهمّت أنَّ الخصوصيات القطرية والمشاعر الوطنية، بل والدولة القطرية نفسها، يمكن أن تشكل مضمون هذا الوعي البديل.. لكنّها وأمام النتائج الراهنة التي انتهى إليها هذا المشروع لجأتْ إلى استثمار الوعي القومي العربي عبر محاولتها توظيف العروبة والإسلام في خدمة أهدافها ومصالحها السلطوية مفرغة إياهما من كل مضمون سياسي قومي، وهو ما لم تنجح فيه أيضاً مما دفعها إلى الاعتماد على الحلول الأمنية في مواجهة أزمتها العميقة أزمة المشروعية السياسية والأيديولوجية.

بيد أنَّ المشكلة الرئيسة التي قفز عنها الفكر القومي لا تزال قائمة، على الصعيدين النظري والعملي، وهي عدم تطابق فكرة الأمة العربية مع وجود الدولة القطرية لذلك لا تزال مشكلة الهوية تقلق الفكر القومي، ولم يتوقف الكلام فيها بعد.

فهل يستمد العرب هويتهم من شروط وجودهم الواقعية: الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية، أم من شيء ما غير هذه الشروط وفوق هذا الوجود؟.

ولا تزال إشكالية القطري والقومي تسبب للفكر القومي غير قليل من الإرباك والحرج، وقد اجتهد فيها المجتهدون، إذًا القطري هو الواقع القائم غير المعترف به، والقومي هو المستقبل المنشود وغير المعروف، مع أنَّ نظام البعث الذي حكم في كل من سوريا والعراق، نظام قومي وثوري، نظرياً، وقطري عملياً.

عجز الدولة القطرية عن التحول إلى دولة -أمة بالمعنى الغربي الحديث

إنَّ فشلَ مشروعِ صياغةِ وعيٍ قطريٍّ ـ قوميٍّ بديلٍ هو نتيجة لعجز الدولة القطرية نفسها عن أنْ تكون دولة ـ أمة، أو ضد الأمّة كما يريد حكامها. وهذا ما يضعها أمام خيارين: إمّا أن يستمرّ حكامها في إنتاج أكذوبة أنها دولة ـ أمة، وتقوية النزعة القطرية بما يعمّق التناقض مع الأمّة العربية والمصالح القومية المشتركة، رغم ما تبديه ظاهرياً من حرصٍ كاذبٍ على هذه المصالح، وهو ما يبدو خياراً بلا أفق لأنَّه يكّرسُ ضعف هذه الدولة وهشاشتها، ويضخّم طبيعتها الأمنية، وإمّا أن تسلك السلطة الحاكمة طريق تغليب المصالح الوطنية للدولة ولا سيما في التكامل القومي، وإشاعة الديمقراطية وهذا هو مفهوم الدولة الوطنية الذي يفترض وجود سلطة وطنية ديمقراطية تأتي عبر النضال السياسي.

لا تزال إشكالية القطري والقومي تسبب للفكر القومي غير قليل من الإرباك والحرج، وقد اجتهد فيها المجتهدون، إذًا القطري هو الواقع القائم غير المعترف به، والقومي هو المستقبل المنشود وغير المعروف، مع أنَّ نظام البعث الذي حكم في كل من سوريا والعراق، نظام قومي وثوري، نظرياً، وقطري عملياً.
وفي الحالتين تبدو الدولة القطرية حقيقة موضوعية من الخطأ القفز عليها. لَكِنَّ الفرقَ نوعيٌّ بين أن تكون هذه الدولة غير المكتملة مزرعة خاصة يمتلكها الحاكم ولا يتورع عن إعلاء أسوارها والتناحر مع أمثاله من حكام الدول العربية الأخرى. بل ولا يتورع عن السير في ركاب أعداء الأمّة، وبين أن تنخرط هذه الدولة في مشروعٍ قوميٍّ متكاملٍ لا يتناقض مع سيادتها بقدر ما يساعدها على تجاوز مواطن ضعفها وهشاشتها، وهذا هو البعد الوطني الذي يجب أن يشكل بعداً سياسياً من أبعاد الوعي القومي.

حين نتحدث عن الأمة العربية على نحو ما يتحدث القوميون بلا تبصرٍ، تَفْرُضُ علينا الصفة (العربية) أنْ نتجاهل واقع أنَّ الأمةَ العربيةَ مقسمةٌ إلى عدَّةِ دولٍ ومجتمعاتٍ، مصرية، تونسية، وعراقية، وعن شعوب مصرية ولبنانية وتونسية .ولكنَّ الفكر القومي يَرْفُضُ الحديثَ عن الدولة الوطنية في هذه الأقطار، لأنَّ الدولة القطرية لا تزال هامشيةً تقع على محيط دائرة مركز ها "الأمة العربية" التي تحتم عليه أن يقصر مفهوم الدولة على الدولة القومية.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ينتمي العربي ثقافياً وروحياً إلى دولة قومية متخيلة، لا وجود لها سوى في الذهن، ولا ينتمي إلى الدولة القطرية القائمة بالفعل هنا والآن؟.

إنَّ تجاوز التناقض بين القومي والقطري بإلغاء القطري هو تماماً كتجاوزه بإلغاء القومي لا يمكن أن يصدر في الحالتين إلا عن وعيٍ مبتورٍ غير متكاملٍ. ولهذا لا بُدَّ من الإقرارِ أولاً بهذه الثنائية التعارضية التي دعت مفكّراً كهشام جعيط إلى القول بأنَّ الأمّة العربية لا توجد حالياً وأنَّ القوتين الواقعيتين الوحيدتين هما الشخصية العربية والإسلامية والشخصية القومية المحدودة (يقصد الوطنية).

لكنَّ المفكر الراحل هشام جعيط يقترح على الفكر السياسي العربي حلاًّ لذلك مهمته إدماجِ الشخصيتين وتجاوزهما وتركيبهما تركيبًا قائمًا على نظرةٍ شاملةٍ للمصير ومتعلقاً بأمل التجديد، ذلك أنَّ الشخصية العربية الإسلامية وحدها عاجزةٌ عن إنشاء المستقبل، ولكنَّ تركيبها مع العنصر القومي (الوطني) من شأنه أن يجعلها تُسْهِمُ بقوّةٍ في بناء مصير مشترك وتعزيز الصلة العضوية بين الشعوب.

إنَّ الدولة القطرية لا تمثل، في حدّ ذاتها، عائقاً في وجه الوعي القومي العربي أولاً لأنَّها ليست دولة - أمّة مثلما يحلو لحكامها أن يتصوروا، ولا تمتلك مقومات مثل هذه الدولة. وثانيًا لأنَّ الانتماء الوطني لا يلغي الانتماء العربي الإسلامي بل على العكس يؤكِّدَهُ. وبدل أن تكون الدولة القطرية بفعل سلطتها السياسية القطرية، ضدّ الأمة، يمكن أن تتحوّلَ، وبفعل سلطتها الوطنية، دولة مع وحدة الأمة. بل "إنَّ تحويل الدولة القطرية القائمة اليوم إلى دولةٍ وطنيةٍ أي إلى دولةٍ مستقلةٍ ذات سيادة إزاء الخارج وتعبيرٍ عن الكلية الاجتماعية في الداخل، هو الخطوة الضرورية الأولى نحو الوحدة العربية. وكلما كانت دولة عربية ذات سيادة فعلية واستقلال فعلي إزاء الخارج، وتعبيراً فعلياً عن كليّة مجتمعها تغدو أكثر قابلية للاندماج في مشروع وحدوي أو في صيغة وحدوية.وعلى هذا فإنَّ البحث في إمكانية المصالحة بين "القومي" و"القطري" أمر واقعي وممكن، ولعلّه أكثر فائدة للقضيّة القومية من العداء القومي التقليدي للدولة القطرية العربية.

في ختام هذا البحث المعمق يقول الباحث علي الصالح:"وبعد، فهذه مغامرة تعقبنا فيها سياقات تكون الدولة القطرية. ونظن أننا، بما أقدمنا عليه، ساهمنا في نقل جزء من اهتمامات الباحثين التقليدية من المساحات التي أنهكت تحليلاً ونقداً، وهي تلك المتعلقة بسيرة هذه الدولة المنجزة وتجربتها في التنمية وقربها من تطلعات مواطنيها، أو بعدها عنها إلى مساحة أخرى بدا لنا أنها قليلة الارتياد رغم أهميتها، وهي تلك المتعلقة بأسئلة التكوّن ومساراته. فما شَغَلَنا، إذن، فرضية مركزية مفادها أن لا شيء أقدر على الإجابة عن أسئلة الإنجاز من الظفر بالأجوبة عن أسئلة التكوّن. ولذلك، لم نتحمس كثيراً لاقتناص الأجوبة الجزئية والتفصيلية والموضعية والآنية التي تستدعيها أسئلة الإنجاز، مثل تعثر التجارب الديمقراطية والتضييق على الحريات والعجز عن إخراج التنمية والتحديث من القطاعات المادية والاستهلاكية، لتشمل مجال العلوم النظرية والتطبيقية.

لقد رجحنا أن الإخفاقات والأزمات والأحلام المجهضة، التي حاصرت عقل الدولة القطرية، لم تكن بسبب إخلالات في تطبيق مخططات التنمية أو تقديرات غير دقيقة في حسابات المداخيل وأوجه الإنفاق، أو سوء الإدارة والفساد، أو الأحداث الدولية ذات التأثير السلبي. وتساءلنا: ماذا لو كانت الأجوبة كامنة في مسار وجود الدولة نفسها؟ وماذا لو كانت المآزق آتية من أعطال بنيوية في أصل النشأة وفلسفة التكون؟ (ص 390). ولمثل هذه الأسئلة كان هذا الكتاب.
التعليقات (0)