هل يطوي العراق صفحة الماضي ويكافح الفساد أم تنتهي بتراضي السياسيين؟

قال رئيس الحكومة العراقية إن حملة مكافحة الفساد لا تزال في "مرحلتها الأولى" - مكتب رئاسة وزراء العراق
قال رئيس الحكومة العراقية إن حملة مكافحة الفساد لا تزال في "مرحلتها الأولى" - مكتب رئاسة وزراء العراق
شارك الخبر
في حملة وُصفت بالأكبر منذ عام 2003، والتي أسفرت عن اعتقال العشرات من الشخصيات السياسية والإدارية البارزة بينهم نواب، أكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن الحكومة مصممة على مواصلة مكافحة الفساد لاستعادة الأموال العامة.


وبعد يوم مما أُطلق عليه "صولة الفجر"، قالت الحكومة العراقية إن عدداً آخر من المتورطين ما يزالون هاربين وتواصل الأجهزة المختصة ملاحقتهم، وسط توقعات بأن تطال الحملة مئات آخرين خلال الأيام القادمة.


ونظراً لطبيعة نظام الحكم الذي اعتمد نهج المحاصصة الطائفية والعرقية طوال العقدين الماضيين، فمن المرجح أن يكون للاعتقالات آثار متتابعة في جميع أنحاء المشهد السياسي العراقي المتصدع، حيث تتقاطع اتهامات الفساد بشكل متكرر مع التنافس على السلطة والنفوذ، وفقاً لـ"سي أن أن".

"القرار عراقي"

بدوره، نفى المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، وجود ارتباط بين زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي المرتقبة إلى واشنطن و"صولة الفجر" أو "فجر الخضراء" وقال: إنها فعل عراقي لم يتدخل فيه أي طرف دولي، مؤكداً أن الاعترافات قادت إلى شبكة من التفاصيل على مستوى الأسماء والأموال.



وقال العبودي: إنه "لا تمييز في محاسبة المتورطين بالفساد" وأن القانون سيطبق على الجميع، نافياً وجود قرار نهائي بشأن ما إذا كانت محاكمة "الفاسدين" ستبث علناً أو غير ذلك، ولكنه شدد على أن النتائج ستكون بذات الوضوح الذي نُفذت فيه العملية.

رواتب وامتيازات النواب المعتقلين مستمرة

من جهته، قال مرصد "إيكو عراق" المتخصص بالشؤون الاقتصادية، الاثنين، إن النواب المعتقلين بتهم الفساد يستمرون في تقاضي رواتبهم وامتيازاتهم القانونية ما لم يصدر حكم قضائي بات أو قرار رسمي بإسقاط عضويتهم.

Image1_6202630124132304675915.jpg
 
وقال المرصد، في بيان صحفي، إن الرواتب والمخصصات المالية المخصصة للنواب والمسؤولين تبقى مستمرة ما دام لم يصدر حكم قضائي بات أو قرار رسمي بإسقاط العضوية أو إنهاء المنصب، مشيراً إلى أن ذلك يشمل حالات التوقيف أو التحقيق بتهم الفساد أو غيرها.

اظهار أخبار متعلقة


وأشار المرصد إلى أن استمرار صرف الرواتب في مثل هذه الحالات يفتح باباً واسعاً للنقاش بشأن عدالة إدارة المال العام، مطالباً بإصلاح التشريعات المالية والإدارية المنظمة لرواتب ومخصصات المسؤولين خلال فترة التوقيف أو الاتهام.

ودعا إلى إيقاف أو تجميد الرواتب والمخصصات فور توقيف المسؤولين في قضايا الفساد أو الجرائم المالية، معتبراً أن إصلاح هذا الملف يمثل خطوة أساسية لتعزيز ثقة المواطنين بالدولة وترسيخ مبدأ العدالة في إدارة الموارد العامة.

رفع الحصانة

وفي أول تعليق له عقب بدء الحملة، كشف ضياء جعفر، قاضي التحقيق في المحكمة المركزية لمكافحة الفساد في العراق، عن تلقي المحكمة تقارير تزعم إنفاق العديد من المرشحين مبالغ طائلة لدعم حملاتهم الانتخابية، وبدعم من شخصيات نافذة في الحكومة السابقة.

وقال إن التحقيق كشف عن تورط مجموعة من المشرعين في "استغلال موارد الدولة لأغراض انتخابية والاستفادة من العقود الحكومية، بشكل مباشر أو غير مباشر، للحصول على عمولات ومزايا شخصية لأنفسهم وللآخرين".



وأوضح جعفر أن رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي رفع الحصانة عن أعضاء البرلمان الذين وردت أسماؤهم ضمن دعاوى الفساد، حيث تم تنفيذ أوامر الاعتقال الصادرة بحقهم عقب ذلك.

الحكومات المتعاقبة تنسف بعضها بعضا

قال محللون لصحيفة "ذا ناشيونال" إن الدراما المحيطة بالحملة، بما في ذلك لقطات لمركبات مدرعة في شوارع بغداد وصور تُظهر مخابئ نقدية مدفونة في الحدائق الخلفية للمشتبه بهم، تهدف إلى تصوير علي الزيدي كشريك موثوق به لدى الولايات المتحدة.

أما حيدر الشاكري، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز تشاتام هاوس للأبحاث، فقال: "من الشائع بعد تشكيل حكومة جديدة أن تقوم القيادة الجديدة بتقليص نفوذ الشبكات المرتبطة بسابقتها تدريجياً".
 
من جهته، أكد أرث حسن، الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أنه "ليس من غير المألوف أن تطلق الحكومات العراقية الجديدة حملات لمكافحة الفساد في بداية فترة ولايتها، ولكن هذه الجهود تفقد زخمها بمرور الوقت".

Image1_6202630124828417974592.jpg

ويكشف وجود نحو خمسة من النواب من بين المعتقلين حقيقة مدى تفشي الفساد في العراق، حتى في أعلى مستويات الحكومة، لكن الخبراء يقولون إن مدى إمكانية اعتبار هذا جهداً حقيقياً لمكافحة الفساد يعتمد على هوية المحتجزين والفصائل المسلحة التي يمثلونها.

حكم أوروبا غير نهائي على الزيدي

على الصعيد الدولي، أشاد سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق، كليمنس سيمتنر، بأداء الحكومة العراقية لاسترداد الأموال، لكنه أشار إلى عدم إمكانية الحكم بشكل نهائي على تلك المؤشرات، فهناك الكثير من العمل؛ لأن حجم الأموال كبير جداً وما زلنا ننتظر.

وأضاف سيمتنر في تصريح له، إن “المؤشرات التي استُلمت عن أداء الحكومة الحديثة لاسترداد الأموال وخلال فترة قليلة إيجابية وجيدة”، وتابع “بحسب تواصلنا مع شركائنا الدوليين وزملائنا في البعثات، هناك إشارات جيدة وممكن تقديم التقارير لدعم الحكومة العراقية لاسترداد المزيد من الأموال”.

تحذير من التشكيك في إجراءات ملاحقة الفاسدين

من جهته، حذّر المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، الثلاثاء، من حملات تستهدف بث الإحباط بين المواطنين عبر الادعاء بأن جهود مكافحة الفساد ستتوقف، أو أنها لن تطال بعض "الرؤوس الكبيرة"، أو تصويرها كإجراءات ذات أهداف سياسية.

وأكد المركز، في بيان، أن الفساد هو "العدو الأخطر" للدولة العراقية؛ كونه تسبب على مدى سنوات باستنزاف مئات المليارات من الدولارات، وإضعاف المؤسسات، وحرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية في التعليم والصحة والسكن والخدمات.

وأضاف البيان أن حملات التشكيك المنظمة لا تخدم سوى شبكات الفساد ومن يقف خلفها؛ كونها تمنح الفاسدين فرصة لإرباك الرأي العام، والتأثير في مسار العدالة، مؤكداً أن الأفعال التي تشمل نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في سير التحقيقات تستوجب المساءلة وفق أحكام القانون.

وأشار إلى أن الشعب العراقي لم يعد يقبل بأي حصانة للفاسدين، وأن معيار نجاح الدولة يكمن في وصول العدالة إلى كل من تثبت مسؤوليته قضائياً، مهما كان منصبه أو نفوذه، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الحزبية.

أموال وذهب ومليارات

تشير مصادر مطلعة إلى أن “القضايا التي استندت إليها الحملة تركزت عبر ملف رئيس تصدرته قضية وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، الذي تشعبت منه تحقيقات واسعة طالت عدداً من النواب والمسؤولين.

اظهار أخبار متعلقة


وبحسب المصادر، فإن تسعة من أصل أحد عشر نائباً شملتهم الإجراءات الأخيرة، وردت أسماؤهم في التحقيقات المرتبطة بملف الجميلي، فيما استُثني من هذا المسار النواب محمد الكربولي وحسن الخفاجي ومحمد جميل المياحي، إذ يواجه كل منهم قضية مستقلة.

Image1_620263012496115205748.jpg

ويضيف أن الأموال التي ضُبطت داخل منزل وكيل وزارة النفط لا يمكن أن تكون جميعها عائدة إليه، موضحاً أن المتورطين في قضايا الفساد يقومون بالتخلص سريعاً من الأموال أو إخفائها عبر وسائل مختلفة، بينها شبكات غسيل الأموال.

الجزء الظاهر من الحملة

ويضيف المصدر أن “التحقيقات التي أُجريت مع الجميلي قادت إلى قائمة تضم أكثر من مئة اسم، إذ كان يمتلك شبكة علاقات واسعة مع معظم القوى السياسية، وكان (لا يرد طلباً) سواء بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، وهو ما وسّع دائرة الأسماء التي وردت في إفاداته”.

ويقول عضو لجنة النزاهة النيابية حامد محمد إن ما يجري “ليس مجرد حملة اعتقالات معزولة، بل جزء من عمل تحقيقي واسع ما زال في بداياته”. وأضاف أن “الرأي العام لم يشاهد حتى الآن سوى الجزء الظاهر من الملف، فيما لا تزال هناك خيوط كثيرة قيد المتابعة والتحقيق”.
التعليقات (0)

خبر عاجل