دعا الأمين العام لحزب العدالة والتنمية
المغربي، عبد الإله بنكيران، إلى بناء تحالف سياسي وإقليمي جديد تقوده كل من تركيا
وقطر وسوريا، معتبراً أن الظروف التي أفرزتها حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة،
والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أثبتت أن المنطقة لم تعد تحتمل استمرار
الانقسامات
العربية والإسلامية، وأن تشكيل نواة إقليمية متماسكة بات "حاجة
ملحة يرتبط بها بقاء الأمة"، على أن تنضم إليها لاحقاً كل من السعودية ومصر،
ثم تتوسع لتشمل بقية دول العالم الإسلامي.
وقال بنكيران، في
تصريحات خاصة
لـ
"عربي21"، إنه ينظر بإيجابية إلى التقارب الذي بدأ يتشكل بين تركيا
وقطر وسوريا، معتبراً أنه يمثل بداية مشروع استراتيجي ينبغي تطويره إلى تحالف
سياسي حقيقي قادر على فرض نفسه في معادلات المنطقة والعالم.
وأضاف: "أنا فرحان للتقارب بين تركيا
وقطر وسوريا"، معتبراً أن هذه الدول الثلاث تمتلك مقومات سياسية واستراتيجية
تؤهلها لتشكيل نواة لتحالف جديد، في ظل
التحولات التي تشهدها المنطقة.
ورأى أن هذا التقارب لا ينبغي أن يبقى في
حدود التنسيق السياسي، وإنما يجب أن يتحول إلى إطار دائم للتعاون، قائلاً إن
"هذا التجمع الأولي له منطق للتقارب الحقيقي، باعتبارها دولاً سنية ودولاً
مناضلة، مع شيء من التعقل، ولا تملك مصر ولا السعودية إلا أن تنضما إلى هذا
التحالف".
وأكد أن انضمام الرياض والقاهرة إلى هذا
المشروع سيغيّر موازين القوى الإقليمية بصورة كبيرة، مضيفاً: "إذا وقع
الانضمام لهذا التحالف سنصبح جهة تؤخذ بعين الاعتبار في أعين الكبار، مثل الصين
وروسيا وغيرها من القوى الدولية".
"إيران تدافع
عن نفسها.. لكن"
وفي معرض حديثه عن الحرب الأخيرة مع إسرائيل
والولايات المتحدة، شدد بنكيران على أن إيران تتحرك وفق حساباتها الخاصة، قائلاً:
"إيران تعالج مشاكلها بنفسها، وهي تعمل للدفاع عن نفسها، والتمكن من السيطرة
على المنطقة".
واعتبر أن المشروع الإيراني لا يمكن أن يكون
بديلاً عن مشروع عربي وإسلامي مستقل، مضيفاً: "أما نحن أهل السنة، الذين
يشكلون أغلبية المسلمين في العالم، فقد بقينا ممزقين ومتفرقين، تتداعى علينا الأمم
كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها".
وأوضح أن طهران لا تسعى إلى شراكة متكافئة
مع محيطها الإسلامي، قائلاً: "إيران لا تريد أن ننضم إليها، وإنما تريد أن
ننضم إليها وهي تهيمن علينا".
ومع ذلك، أكد أن موقفه لا ينطلق من خصومة مع
إيران، بل من ضرورة بناء توازن إقليمي مستقل، موضحاً: "إيران تدافع عن نفسها،
وهي في وضع مريح نسبياً، وإذا استطاعت أن تتجاوز بعدها الطائفي ورغبتها في الهيمنة
فأهلاً بها، ولكن أهل السنة في حاجة إلى بناء قوتهم أيضاً".
باكستان ومصر والسعودية
ورأى بنكيران أن هذا المشروع مرشح للتوسع
مستقبلاً، متوقعاً أن تجد باكستان نفسها أقرب إليه بحكم مصالحها وموقعها في العالم
الإسلامي.
وقال: "المنطق يقول إن باكستان ستدعم
هذا التوجه"، مضيفاً أن النواة الحالية تمتلك بالفعل عناصر القوة السياسية
والاستراتيجية، وأن "مصر والسعودية ليستا بعيدتين عنها".
وأوضح أن الهدف النهائي لا يقتصر على إنشاء
تحالف سياسي عابر، وإنما تأسيس قطب إقليمي جديد تكون له مكانته في النظام الدولي.
وأضاف: "هذا يسير في اتجاه تشكيل نواة
يكون لها موقعها في العالم".
كما اعتبر أن نجاح هذه النواة سيتيح لاحقاً
إعادة ترتيب العلاقات داخل بقية الأقاليم الإسلامية، مضيفاً: "بعدها نحن أهل
المغرب العربي لن يكون لدينا مشكل في تكوين تكتل آخر".
وقف الإبادة في غزة مدخل الاستقرار
وربط بنكيران بين نجاح أي مشروع إقليمي وبين
إنهاء العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، مؤكداً أن القضية الفلسطينية تظل مركز
الاستقرار في الشرق الأوسط.
وشدد على أن الأولوية العاجلة يجب أن تكون
وقف حرب الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون في قطاع غزة، وإنهاء معاناتهم
الإنسانية، معتبراً أن التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية يضمن للشعب الفلسطيني
العيش بحرية وأمن على أرضه، يمثل المدخل الحقيقي لاستقرار المنطقة.
كما حذر من استمرار التوسع الإسرائيلي،
مشيراً إلى أن تداعياته لم تعد تقتصر على الأراضي الفلسطينية، بل امتدت إلى لبنان
وسوريا، في ظل ما وصفه بمشروع توسعي يهدد الأمن الإقليمي برمته.
"بقاء الأمة"
وأكد بنكيران أن الحروب الأخيرة كشفت حجم
الفراغ الاستراتيجي الذي تعيشه المنطقة، معتبراً أن استمرار الخلافات العربية
والإسلامية لم يعد ترفاً سياسياً يمكن احتماله.
وقال إن "التحالف الذي برز الآن حاجة
ملحة أفرزتها الظروف، وهو أمر ملح، وبه يرتبط بقاء الأمة من زوالها"، داعياً
إلى تجاوز المناكفات السياسية وبناء شراكة حقيقية بين الدول القادرة على حماية
مصالح شعوب المنطقة.
ويأتي حديث بنكيران في وقت تشهد فيه منطقة
الشرق الأوسط تحولات متسارعة منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في
تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما تبعها من اتساع المواجهات إلى لبنان وسوريا واليمن،
ثم المواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران، والتدخل الأمريكي ضد منشآت
نووية إيرانية، وهي تطورات أعادت إلى الواجهة النقاش حول مستقبل الأمن الإقليمي
وإمكانات تشكل توازنات وتحالفات جديدة في المنطقة.
كيف تشكل التقارب بين قطر وتركيا وسوريا؟
وجاءت إشادة بنكيران بالتقارب بين قطر
وتركيا وسوريا في ظل تحول لافت تشهده العلاقات الإقليمية منذ سقوط نظام بشار الأسد
في كانون الأول/ ديسمبر 2024، ووصول الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع،
التي تبنت
سياسة تقوم على إعادة الانفتاح على محيطها العربي والإسلامي، مع إعطاء
أولوية لإعادة بناء الدولة وإنهاء العزلة التي عاشتها سوريا خلال سنوات الحرب.
وبرزت كل من تركيا وقطر بوصفهما من أبرز
الداعمين للإدارة السورية الجديدة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، إذ كثف
البلدان اتصالاتهما مع دمشق، وأعلنا دعمهما لجهود إعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات
الدولة، وتحقيق الاستقرار، إلى جانب التنسيق في ملفات الأمن واللاجئين والطاقة
والاستثمار.
وشهدت الأشهر الماضية سلسلة لقاءات ثلاثية
وزيارات متبادلة بين مسؤولين أتراك وقطريين وسوريين، تناولت تعزيز التعاون
الاقتصادي والأمني، وفتح قنوات استثمار جديدة، فضلاً عن تنسيق المواقف إزاء
التطورات الإقليمية، ولا سيما الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والتصعيد العسكري
في لبنان وسوريا، والمواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران.
ويتجاوز هذا التقارب البعد الثنائي، إذ يعكس
محاولة لتشكيل محور إقليمي جديد يقوم على التعاون بين قوى إقليمية مؤثرة، في وقت
تتجه فيه المنطقة إلى إعادة رسم توازناتها السياسية والأمنية بعد سنوات من
الصراعات. كما يراهن أنصار هذا المسار على أن يؤدي نجاحه إلى استقطاب دول عربية
أخرى، وفي مقدمتها السعودية ومصر، بما يسهم في بلورة إطار إقليمي أكثر تماسكاً في
مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية المتصاعدة.
اظهار أخبار متعلقة