في
ذكراه المشؤمة انقلاب 2013
وقف
رجل في صيف عام 2023، في أحد أحياء القاهرة الشعبيَّة أمام كاميرا صحفيٍّ مستقلٍّ،
وفي يده ربطة خبز اشتراها بنصف دخله اليوميِّ. سُئل عن رأيه في السياسات الاقتصاديَّة
لعبد الفتَّاح
السيسي، أجاب دون تردُّد: "ربنا يحميه، هو بيشتغل وإحنا مش فاهمين"،
ثمَّ انصرف.
لم
يكن الرجل جاهلاً ،لم يكن مدفوعاً، كان مواطناً عاديَّاً يعيش على هامش الكفاف، يدافع
بصدقٍ واقتناعٍ عن الرجل الذي أوصله إلى هذا الهامش. هذا المشهد ليس استثناءً مصريَّاً
طريفاً -إنَّه ظاهرة سياسيَّة- نفسيَّة بالغة التعقيد، تستحقُّ أن تُدرس بالأدوات ذاتها
التي درس بها العلماء ظاهرة الموالاة للطغاة عبر التاريخ.
السؤال
الحقيقيُّ ليس: لماذا يظلم السيسي؟ بل: لماذا يدافع المظلومون عنه؟
أوَّلاً:
تشريح الموالاة
أطاح
انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013 بأوَّل رئيس مدنيٍّ منتخب في تاريخ مصر، أنتج النظام
العسكري ظاهرةً اجتماعيَّة فريدة: قاعدة شعبيَّة صلبة تدافع عنه بعدوانيَّةٍ حقيقيَّة،
رغم أنَّها الأكثر تضرُّراً من سياساته. فالأرقام لا تكذب ولا تُجامل:
• فقد فقد الجنيه المصريُّ أكثر من 80 في المئة من
قيمته منذ 2013.
• تجاوز معدَّل التضخُّم 35 في المئة في ذروته، وارتفع
الدَّين الخارجيُّ من 46 ملياراً إلى ما يتجاوز 165 مليار دولار.
• تحتلُّ مصر المرتبة 166 من 180 في مؤشِّر حريَّة
الصحافة الدوليِّ، فيما يُقدِّر المراقبون عدد المعتقلين السياسيِّين بأكثر من ستِّين
ألف شخص. ومع ذلك، تستمرُّ الموالاة، بل تزداد ضراوةً.
لفهم
هذه المفارقة، لا بدَّ من تجاوز التفسيرات السطحيَّة -الغباء الجمعيُّ، الجهل، الخوف-
والنزول إلى البنية النفسيَّة العميقة. يصبح هنا "إيريك فروم" دليلاً لا
غنى عنه. في كتابه الصادر عام 1941، الهروب من الحريَّة، أثبت فروم أنَّ الحريَّة ليست
دائماً مطلوبة؛ حين تصبح عبئاً نفسيَّاً لا يُحتمل، يلجأ الإنسان طوعاً إلى أحضان السلطة
الاستبداديَّة، لأنَّ اليقين المُذلَّ أريح نفسيَّاً من الحريَّة المقلِقة.
ثانياً:
هندسة الموالاة.. 30 يونيو كنموذج
لكنَّ
الموالاة في مصر لا تُفسَّر بعوامل نفسيَّة فرديَّة وحسب، إنَّها أيضاً نتاج هندسةٍ
سياسيَّة مُحكَمة بدأت قبل الانقلاب لا بعده. ما جرى في الثلاثين من يونيو 2013 كان
تخطيطاً استراتيجيَّاً مدروساً، لا استجابةً شعبيَّةً عفويَّة.
أربعة
أدلَّة لا تقبل الطعن: في أقلِّ من ثمانية وأربعين ساعةً من الإطاحة بمرسي ظهرت خارطة
طريق سياسيَّة متكاملة لا تُصاغ في ليلة واحدة:
• في غضون ساعات تحوَّلت قنوات تلفزيونيَّة بأكملها
من خطابٍ إلى خطابٍ معاكس، وهو أمرٌ يستحيل دون تنسيقٍ مسبق.
• في 14 من آب/ أغسطس من ذات العام نفَّذت قوَّات الأمن
مجزرة رابعة العدويَّة التي راح ضحيَّتها ما بين 800 الى 1000 مواطن في ساعات، ووصفتها
هيومن رايتس ووتش بأنَّها "أحد أكبر مجازر المدنيِّين في التاريخ الحديث".
• بدأت حملات الاعتقال بدقَّةٍ جراحيَّة بقوائم أُعدّت
على مدى أشهر.
الشعبيَّة
السيساويَّة لم تنبع من قناعةٍ تلقائيَّة، إنَّها مُنتَج سياسيٌّ مُصنَّع بأدواتٍ محدَّدة.
ثالثاً:
اغتيال الذاكرة.. الجريمة الأكبر
لم
يكتفِ النظام العسكري بتوطيد سلطته السياسيَّة، فقد انخرط في مشروعٍ أعمق: اغتيال ذاكرة
ثورة يناير 2011 من الوجدان الجمعيِّ المصريِّ. والسبب جليٌّ: يناير أثبتت حقيقةً وجوديَّة
تُهدِّد الدولة العميقة العسكريَّة في صميمها، وهي أنَّ الشعب المصريَّ قادرٌ على الثورة
والتغيير.
استُخدمت
4 أدوات منهجيَّة في هذه العمليَّة: إعادة التأطير الإعلاميِّ الذي حوَّل يناير من
ثورة الكرامة إلى مؤامرة مُدبَّرة، وملاحقة رموز الثورة كالدكتور محمد البلتاجى والأستاذ
حازم صلاح أبو إسماعيل وعلاء عبد الفتَّاح وأحمد ماهر وزجِّهم في السجون. كما قاموا
بحذف الذاكرة الفيلمية للثورة وأحداثها من مواقع عدة، وتوظيف الفتوى الدينيَّة لتحريم
الخروج على وليِّ الأمر، وأخطرها جميعاً: تزوير الذاكرة الجماعيَّة عبر تكرارٍ منهجيٍّ
أوصل كثيراً من المصريِّين إلى الشكِّ فيما رأوه بأعينهم في التحرير. يُسمِّي علماء
النفس هذه الآليَّة "الغاز لايتنغ".
رابعاً:
الذراع الرقميَّة.. القمع بلا حدود
لم
يتوقَّف المشروع القمعي عند حدود الجغرافيا المصريَّة، فقد طوَّر النظام العسكري ذراعاً
رقميَّةً تمتدُّ عبر القارَّات. ما تكشفه تقارير مراكز رصد الفضاء الرقميِّ المستقلَّة
كـ"Stanford
Internet Observatory" هو بنيةٌ تحتيَّة ممنهجة: آلاف الحسابات
الوهميَّة للإبلاغ الجماعيِّ عن حسابات المعارضين، ووحدات إلكترونيَّة استخباراتيَّة
تُدير الهجمات، وضغطٌ مباشر على شركات التكنولوجيا الكبرى لحذف المحتوى المعارض.
فكاتب
هذه السطور، المقيم حاليا في هولندا، ليس مجرَّد حالة فرديَّة، فما حدث معي نموذجٌ
موثَّق لظاهرة أشمل. تعرَّضت لإغلاقٍ متكرِّر لحساباتى في حملات إبلاغٍ منظَّمة، وتلقَّيت
تهديداتٍ موثَّقة، وجرت ملاحقة أسرتي داخل مصر كأداة ابتزاز. والأشدُّ دلالةً: القضيَّة
رقم 1282 لسنة 2024، التي أُدرج فيها اسمي متَّهماً لا لجريمةٍ ارتكبها، بل لرأيٍ أبديته
من أرضٍ أوروبيَّة حرَّة.
لا
توجد مسافةٌ كافية، ولا حدودٌ آمنة، وصمت الديمقراطيَّات الغربيَّة عن هذا الاختراق
تواطؤٌ لا يُغتفر.
خامساً:
ثلاثة مفاتيح نظريَّة
لا
تكتمل القراءة دون ثلاثة مفاتيح علميَّة:
•متلازمة
ستوكهولم الجماعيَّة التي تُفسِّر تعلُّق الشعب بمن يقمعه بعد طول أسر.
• تجربة ميلغرام التي أثبتت في عام 1961 أنَّ 65
في المئة من البشر العاديِّين مستعدُّون لإيذاء الآخرين حين تُصدر السلطة أمرها. الإنسان
ليس شرِّيراً بطبعه لكنَّه قابلٌ للتحوُّل إلى أداة للشرِّ.
• الهيمنة الثقافيَّة عند غرامشي التي تُفسِّر كيف
يصبح المحكومون حرَّاس المنظومة التي تقمعهم.
ختاماً:
الشفقة لا تعني الاستسلام
عندما
نفهم لماذا يدافع الفقير عن جلَّاده، لن تكرهه ستشفق عليه، لأنَّه ليس شريراً بل ضحيَّة،
ليس متواطئاً بل مهندَساً، ليس حارساً مختاراً بل سجيناً مُبرمَجاً على حراسة سجنه.
لكنَّ
الشفقة لا تعني الاستسلام، وفهم الآليَّة هو الخطوة الأولى في تفكيكها، وتفكيكها يبدأ
بما بدأت به كلُّ ثوراتٍ حقيقيَّة في التاريخ: بالكلمة التي ترفض أن تصمت. الإنسان
الذي يدافع عن جلَّاده إنسانٌ سُرقت منه أدوات التفكير الحرِّ واستعادة هذه الأدوات
هي المهمَّة الحضاريَّة الأعمق في مواجهة الاستبداد الذكيِّ في عصر الخوارزميَّات.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.