الدولة العربية بين ميراث الخلافة وتعثر الحداثة السياسية.. قراءة في كتاب

الأزمة التي أشار إليها جورج طرابيشي ليست أزمة "الدولة القطرية"، بل هي أزمة ناجمة عن تعثر عملية بناء الدولة الوطنية في كل بلد من البلدان العربية..
الأزمة التي أشار إليها جورج طرابيشي ليست أزمة "الدولة القطرية"، بل هي أزمة ناجمة عن تعثر عملية بناء الدولة الوطنية في كل بلد من البلدان العربية..
شارك الخبر
الكتاب: الدولة الهجينة أوحين تنوء الدولة القُطريّة بتاريخها
الكاتب: علي الصالح مولى
الناشر:مؤمنون  بلا حدود للنشر و التوزيع، لبنان-بيروت، الطبعة الأولى 2026، (عدد صفحات الكتاب 430 من القطع الكبير)


في الجزء الأول من هذه القراءة، توقفنا عند الإطار النظري الذي يقيم عليه الباحث علي الصالح مولى أطروحته حول "الدولة الهجينة"، بوصفها نتاجًا لمسار تاريخي تعثر فيه الانتقال من الدولة السلطانية والإمبراطورية إلى الدولة الوطنية الحديثة. وبيّنا كيف يفسر المؤلف هشاشة الدولة العربية من خلال تداخل الموروث السياسي القديم مع مؤسسات الدولة الحديثة، من دون أن يتحقق الانفصال الحاسم بينهما.

أما في هذا الجزء الثاني، وهو قبل الأخير، فتنتقل القراءة، التي يكتبها خصيصا لـ "عربي21" الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني، إلى قلب الإشكالية الفكرية التي يعالجها الكتاب، من خلال مساءلة العلاقة بين الأمة والدولة، وبين الخلافة والدولة القومية، وبين الفكر والممارسة السياسية في التاريخ العربي الحديث. ويخوض المؤلف حوارًا نقديًا مع أبرز منظري القومية العربية، كما يعيد قراءة اللحظة المؤسسة التي أعقبت سقوط الخلافة العثمانية، متوقفًا عند كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق بوصفه أحد أهم النصوص التي حاولت تحرير مفهوم الدولة من الإرث السياسي للخلافة، وإرساء أسس نظرية جديدة للدولة الوطنية الحديثة.

ولا ينظر المؤلف إلى هذه السجالات باعتبارها مجرد وقائع من تاريخ الفكر، بل يعدّها مدخلًا ضروريًا لفهم أسباب تعثر بناء الدولة العربية الحديثة، ولمساءلة العلاقة الملتبسة بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية، وهي علاقة ما تزال تلقي بظلالها على أزمات الدولة والمجتمع في العالم العربي حتى اليوم.


أراء المنظرين العرب في عدم تشكل الدولة القومية العربية

لئن كان إسقاط عامل الدولة من المسألة القومية هو القسمة المشتركة للنزعة الثقافوية لدى القوميين الرواد ولدى منظري الأربعينات وورثتهم ومتابعيهم، فإنَّ المعللات التاريخية لهذا المنحى في تفسير المبدأ القومي تختلف اختلافاً بيناً، بحكم اختلاف الظروف التاريخية بالذات. ففي ظل الإمبراطورية العثمانية، وريثة الخلافة الإسلامية، كان فك الارتباط بين مسألة الدولة ومسألة الأمة شبه محتم تحت ضغط هاجس التضامن الديني. ومع أنه كان من المفروض في ظل مثل تلك الإمبراطورية المتعددة القوميات أن تتكلم النزعة القومية، حين تتكلم، بصوتها الثاني، صوت الانفصال، فإنَّ القوميين الرواد، المتوزعة مشاعرهم (وسياساتهم) بين الولاء القومي والولاء الديني، وجدوا المهرب من هذه الازدواجية في تفسير حق الأمة بأنه حق لغة وانتماء وحكومة، لا حق دولة.

في الوقت الذي استنفرت فيه الأيديولوجية القومية كل قواها، في عصر القوميات الأوروبي، كيما تنتقل بالأمة من مرحلة القومية الثقافية إلى مرحلة القومية السياسية، تركزت كل جهود القومية العربية على تقديم عامل الثقافة على عامل السياسة، وعلى اختزال الأمة من الدينامية السياسية إلى فاعلية (نحن قد نقول سكونية) ثقافية..
وبالمقابل، فإن فك الارتباط بين مسألة الدولة ومسألة الأمة أمسى مرة ثانية شبه محتم عندما أفاق العرب من حلم الوحدة العربية الكبرى، الذي داعب مخيلاتهم على امتداد الربع الأول (من القرن العشرين) على كابوس التجزئة القطرية التي رسم حدودها وأرسى مداميكها الاستعمار الأوروبي، على امتداد الفترة الفاصلة ما بين الحربين العالميتين. وإنما هرباً من هذا الكابوس، الذي كشفت الاستقلالات القطرية غداة الحرب العالمية الثانية أنه منقوش في صخر الواقع بالذات، نفى منظرو الأربعينات وورثتهم جدلية الأمة والدولة، وقلدوا الأولى كل الفعالية، وأنكروا على الثانية أية فعالية، وأكدوا على حتمية ذوبان الكيانات القطرية، ولم يروا خطر تصلبها.

ومن هنا كانت أولى المفارقات: ففي الوقت الذي استنفرت فيه الأيديولوجية القومية كل قواها، في عصر القوميات الأوروبي، كيما تنتقل بالأمة من مرحلة القومية الثقافية إلى مرحلة القومية السياسية، تركزت كل جهود القومية العربية على تقديم عامل الثقافة على عامل السياسة، وعلى اختزال الأمة من الدينامية السياسية إلى فاعلية (نحن قد نقول سكونية) ثقافية..

"يقول ساطع الحصري، في نهاية الخطاب المفتوح الذي وجهه إلى طه حسين على صفحات مجلة "الرسالة" المصرية 1938: إني أعتقد أن توحيد الثقافة من أهم العوامل التي تهيئ سائر أنواع التوحيد. وأقول بلا تردد: اضمنوا لي وحدة الثقافة وأنا أضمن لكم كل ما بقي من ضروب الوحدة". ويقترب رأي عبد العزيز الدوري من رأي الحصري حين يقول: إن القومية العربية قومية ثقافية، تستند إلى المقومات الثقافية للأمة العربية، لأن مفهوم الأمة العربية قد تكون حول اللغة والتعريب والتراث الثقافي والدور التاريخي للعرب".

يقول الباحث جاد الكريم الجباعي، الذي اعتمد على استشهادات جورج طرابيشي في تفسير عوامل انفصال مفهوم الأمة العربية عن مفهوم الدولة: لا بد من ملاحظة جملة من الفروق النوعية بين الحركة القومية العربية والحركات القومية الحديثة، التي تشكلت بموجبها الدول / الأمم الحديثة. أهم هذه الفروق أن الحركة القومية العربية لم تكن حركة تشكل جماعة سياسية حديثة، أو حركة توحيد قومي، بل كانت، في المرحلة الأولى، مجرد حركة احتجاج على "الاستبداد العثماني" وعلى سياسة التتريك الطورانية، وجزءاً من حركة إصلاحية عثمانية، دستورية، تنشد المساواة والتآخي بين العرب والترك، وتطالب بلا مركزية إدارية وبجعل العربية لغة رسمية في الولايات العربية.

وكانت من جهة أخرى تعبيراً غير مباشر وغير واع عن العملية التاريخية التي كانت تجري، منذ وقت طويل، في حياة الإمبراطورية العثمانية، أعني عملية الضعف والتفسخ في النظام الإمبراطوري وفي العلاقات الإقطاعية، التي كان الغرب الرأسمالي أو التوسع الرأسمالي العالمي هو القوة الرئيسة الفاعلة فيها، وكانت "التنظيمات" و"الامتيازات" من أهم مظاهرها، والمسألة القومية و"تسييس مسألة الأقليات" من أهم أدواتها، ولم تنجل نتائجها إلا في ضوء نتائج الحرب العالمية الأولى، التي أعادت تشكيل النظام الدولي، وأنتجت عصبة الأمم ومبدأ الانتداب.

الحركة القومية العربية كانت بعيدة عن وعي هذه العملية، وبعيدة عن التأثير فيها إلا بصفتها أداة حيناً وموضوعاً حيناً آخر، بغض النظر عن تطلعاتها الإصلاحية وأهدافها الذاتية. ثم غدت، بعد الحرب العالمية الأولى، ثورات وطنية (إقليمية) على الاستعمار الغربي وعلى سياساته التجزيئية، في سبيل الاستقلال، ثم حركة احتجاج على الهيمنة الإمبريالية وعلى إقامة دولة "إسرائيل"، بعد استقلال الدول العربية، التي كانت منقوشة في صخر الواقع، بتعبير جورج طرابيشي. وهي في جميع هذه الأحوال حركة نخبة ذات وعي ملتبس، شبه تقليدي وشبه حديث وذات ورؤية ضبابية، على الرغم من أثر الثقافة الغربية الحديثة البين في وعيها، ولكنه أثر مبتور ومعاد تأويله وإطفاء أنواره أو إخفاتها، لتناسب منطق الثقافة السائدة ومبادئها.

التطور في الحركة القومية العربية هو تطور من حركة احتجاج على وضع قائم "بغية تحسينه" أو إصلاحه، وفق منطوق رواد الحركة القومية، في العهد العثماني، إلى ثورة على الاستعمار وسياساته التجزيئية، في العهد الكولونيالي، ثم إلى "ثورة "على أوضاع قائمة، أبرزها، بعد الحرب العالمية الثانية، هو الدولة "القطرية". الثورة على الدولة القطرية كانت، في واقع الأمر ثورة على الدولة، لا على القطرية. لو كان الأمر على خلاف ذلك لتعززت الدولة وتقلص طابعها القطري تدريجياً أو بضربة واحدة، بعمل توحيدي يفضي إلى بناء دولة قومية. لكننا كسبنا القطرية وخسرنا الدولة. فالدولة القطرية لم تتقومن، بل استحالت إلى سلطة حصرية وتسلطية.

رصد جورج طرابيشي مظاهر إخفاق الدولة القطرية، من إخفاقها على صعيد قضية فلسطين إلى إخفاقها على صعيد قضية الديمقراطية، مروراً بعجزها عن التحرر من الهيمنة الاستعمارية وعن الخروج من دائرة التخلف إلى دوائر التقدم، على صعيد التنمية، وإخفاقها البين على صعيد الوحدة العربية، وعلى صعيد "تحويل العلاقات الاجتماعية، وتحقيق أمنية الجماهير في العدل الاجتماعي"، وكذلك على صعيد "الإنجاز الأساسي الذي كان يمكن للدولة القطرية أن تباهي به، وهو تحرير المجتمع من سطوة الانقسامات الطائفية والعشائرية وإعلاء صفة المواطنة على كل ما عداها من الانتماءات الموروثة عن العصور الوسطى" وبدا له أن سبب هذه الإخفاقات جميعاً هو الطابع القطري للدولة القائمة بالفعل التي عجزت عن تعبئة جماهيرية فعالة وحقيقية، لأنها تفتقد إلى انتماء الجماهير إليها أساساً؛ "فالجماهير تنتمي إلى الوحدة لا إلى التجزئة".

نعتقد أن الأزمة التي أشار إليها جورج طرابيشي ليست أزمة "الدولة القطرية"، بل هي أزمة ناجمة عن تعثر عملية بناء الدولة الوطنية في كل بلد من البلدان العربية، ولا سيما بلدان المشرق العربي، وذلك لأسبابٍ ذاتيةٍ وموضوعيةٍ، الذاتية منها تتعلق بعدم اعتراف النخب الثقافية والسياسية بالدول القائمة وعدم منحها أي مشروعيةٍ. وإذْ نتحدثُ عن تعثرِ هذه العملية نؤكِّدُ أنَّها عمليةٌ جاريةٌ ومستمرةٌ، ولكنها تتعثر هنا وتنتكس هناك، ولا تزال تبدو لنا الاحتمال الراجح، بل أكثر من ذلك. ونعتقد أيضاً أنَّ "الجماهير" لا تنتمي إلى الوحدة ولا تنتمي، بالقدر ذاته، إلى الدولة القطرية، بل إلى البنى والتشكيلات الموروثة عن القرون الوسطى، بتعبير الأستاذ طرابيشي نفسه.

الانتقال في الزمن من الخلافة إلى الدولة القومية

 لا يفيد الإطلاق والتعميم؛ فثمة نزعات عربية استقلالية وجمعيات سياسية معلنة أو خفية كافحت من أجل أن يكون للعرب وجود لا يقل شأناً عن الوجود التركي وسائر وجود القوميات التي تشكل الخلافة والدراسات في ذلك عديدة. فما قصدنا إليه، إذن، هو أن سقوط الخلافة وانفصال الديني عن الزمني من ناحية، وانفصال تركيا عن مجالات نفوذها وانتمائها التقليدية من ناحية ثانية، لم يكن نتيجة حركات الكفاح العربي من أجل الاستقلال عن الهيمنة العثمانية - التركية، ولكنه جاء من الجهة التي لم يكن متوقعاً أن يأتي منها. وقد ترجع لاحقاً، بعض أسباب الإرباك الذي رافق عملية بناء الدولة الوطنية العربية إلى هذا الذي نحن بصدده.

إذا كان مصطفى كمال أتاتورك أقام الدولة القومية في تركيا، وأرسى فيها مبادئ العلمانية بمراسيم وقرارات حيناً، وبالقوة التي تتمتع بها مؤسسة الجيش حيناً، وبتسخير طائفة من رجال الدين حيناً، فإنّ علي عبد الرازق (تـ 1966) فتح في مصر مسألة الخلافة من زاوية المفكر متأملاً في نشأتها التاريخية وضرورتها في عصره ومفجراً بذلك حرباً سجالية مدوية بين أنصار الحفاظ على الخلافة، ودعاة المرور إلى إبداع ما يتطابق مع واقع الناس وتحوّلات التاريخ والفرق بين المقاربتين كبير. فإذا كانت الأولى اختارت الذهاب في التطبيق العملي رأساً إلى الخلافة فألغتها، فإن الثانية صرفت العناية، كما ألمعنا، إلى التدبّر النظري فيها.

ومن التنبيهات التي لا نرى بداً من تسجيلها في هذا السياق والبناء عليها لاحقاً، أن تقرير مصير الخلافة على الأرض كان أسبق من تقريره في الفكر. وهذه معضلة حقيقية لا يخالطنا شك في أن تداعياتها ما زالت سارية إلى اليوم. فنحن نرى أن الأحداث التاريخية الكبرى التي تُغيّر الأفكار والقيم والسلوك محكومة بالفشل إن لم تكن تتويجاً لموقف فلسفي وتاريخي وأخلاقي سابق. وعلى هذا الأساس، افترضنا أن رياحاً عاتية لا مناص من مرورها على التجربة الكمالية، وزعزعة أسس الدولة القومية التركية، وخلخلة مبادئ العلمانية. فالفراغ النظري لا يترك فرصة حقيقية لإنجاح عملية العبور الآمن إلى الدولة الحديثة.

أهمية كتاب علي عبد الرازق

يقول الباحث علي الصالح في تثمينه ل"كتاب الإسلام وأصول الحكم"  من تأليف علي عبد الرازق،  إنَّهُ"يكتسي أهمية تفوق تلك التي تجسدت في مرسوم إلغاء الخلافة الأتاتوركي وما انجر عنه، من الانتقاد وعده مبالغة في تقدير المعطيات ولكننا مع ذلك، نظل متمسكين برجحان صوابه وقدرته على المساهمة في تفسير تَعَطَّل انبثاق منوال سياسي ودولتي عربي حديث. فهذا الكتاب، في ما نرى دشن من منظور تاريخي نقدي، أكبر مراجعة نقدية لمسألة الخلافة؛ وذلك بوضعها تحت مشارط النظر العقلي الوضعاني.

إذا كان مصطفى كمال أتاتورك أقام الدولة القومية في تركيا، وأرسى فيها مبادئ العلمانية بمراسيم وقرارات حيناً، وبالقوة التي تتمتع بها مؤسسة الجيش حيناً، وبتسخير طائفة من رجال الدين حيناً، فإنّ علي عبد الرازق (تـ 1966) فتح في مصر مسألة الخلافة من زاوية المفكر متأملاً في نشأتها التاريخية وضرورتها في عصره ومفجراً بذلك حرباً سجالية مدوية بين أنصار الحفاظ على الخلافة، ودعاة المرور إلى إبداع ما يتطابق مع واقع الناس وتحوّلات التاريخ والفرق بين المقاربتين كبير. فإذا كانت الأولى اختارت الذهاب في التطبيق العملي رأساً إلى الخلافة فألغتها، فإن الثانية صرفت العناية، كما ألمعنا، إلى التدبّر النظري فيها.
وربما لم نتردد في القول إنه كان يُمكن أن يكون لهذا الكتاب شأن عظيم لو كان أسبق من الإلغاء أولاً، وجزءاً من نشاط نقدي متكامل ثانياً. لكن حدث التدشين، على أهميته، تأثر سلبياً بتأخره عن حدث الإلغاء. وموطن السلبية كامن في مجيئه، وكأنه يبرر مرسوم الإلغاء. وقد يدفع هذا الحكم إلى بناء استنتاج ينقض ما قررناه من قيمة للكتاب مفاده أن ما جاء به علي عبد الرازق لا يختلف كثيراً عن الوثيقة التي استصدرها مصطفى كمال من بعض علماء الدين الإسناد مرسوم إلغاء الخلافة. والحقيقة أن المقارنة بين النصين إن جَرّت إلى استخلاص هذا الاستنتاج، فذاك من باب التوهم أو التسرع. فالثابت أن علي عبد الرازق اطلع على تلك الوثيقة وأحال عليها في كتابه مثمناً ما فيها جاعلاً منها مرجعاً بدا له الأفضل في ما وقع بين يديه من دراسات: "ومن أوفى ما وجدنا في بيان هذا المذهب والانتصار له رسالة الخلافة وسلطة الأمة التي نشرتها حكومة المجلس الكبير الوطني بأنقرة"(ص 154).

وليس مرادنا من هذه الملاحظة، إذن، أن نقلّل من قيمة الكتاب، فهو، كما ألمعنا، يفتتح زمناً ثقافياً من خلال وضع الثقافة السياسية الإسلامية المهيمنة تحت النقد والمعارضة، إن غايتنا مما عرضنا هو بيان الخلل في العلاقة بين مستوى التفكير والتصور من جهة، ومستوى الممارسة الميدانية المباشرة من جهة ثانية. لقد بدت لنا هذه العلاقة معكوسة. وبناءً على هذا، كانت النتائج أقل مما هو متوقع. أليس الصواب في ترتيب أطوار قيام الأنساق الحضارية أن ينبثق الفكر الجديد، أولاً، فيمهد المسالك ويبني معرفة أفقية ويصطنع له الأنصار القادرين على تحويل ما تعلموه إلى إيديولوجيا تحررية، ثم يأتي مِنْ بَعد ذلك دور الفاعلين السياسيين المحمول عليهم تجسيد ما أبدعه الفكر في واقع الناس العملي؟ وهل كانت الدولة القومية في أوروبا وأيديولوجيتها المشتقة من رَحِمِ العلمانية إلا تحصيلاً لجهاد الفكر الحر ضد الاستبداد الكنسي والإقطاعي، وانتصاراً لفلسفة تجعل حرية الإنسان محور نشاطها؟

قد نَقْبَلُ الرواية التي تقول إنّ علي عبد الرازق انصرف إلى التفكير في مسألة الحكم في الإسلام قبل أن يتقرّر إسقاط الدولة العثمانية بأمر سياسي - عسكري، إلا أن ذلك لا يمنع من الذهاب في المطلق، إلى أن تخلف الفكر عن الفعل كان وراء هشاشة الدولة المحدثة على أنقاض دولة الخلافة. تلك هي إذن، بعض الملابسات التي حفَّتْ بصدور "الإسلام وأصول الحكم". وأما ما اعتبرناه قيمة ثابتة في الكتاب من جهة نوع المقاربة التي تم تنفيذها على قضية من أعقد قضايا السياسة في الإسلام، فنراه في ما جاء به الكتاب من ناحية وما تعرّض له صاحب الكتاب من تضييق على حياته من ناحية ثانية.

من بين ما يعطي مقاربة على عبد الرازق ما به تتميز من سائر الأدبيات المنشغلة بالسياسة في الإسلام، أنه فكر فيها من خارج التقليد البحثي وضوابطه الأخلاقية. فالاتجاه إلى مساءلة الخلافة عن شرعيتها باب ينفتح على القطيعة مع ما كان يقع تحت عنوان "الأدب السياسي السلطاني". ولا شك في أنّ الإقدام على هذه المسألة يُعد رافداً آخر يعضد غيره لاستبصار فلسفة أخرى في الحكم تنهض بما تقتضيه ضرورات التاريخ ومتطلبات التحولات فيه، ولعلها تتحرك نحو تبنّي الأنموذج الناشئ بعد انهيار أنموذج الدول الإمبراطورية والدينية.

يقرر علي عبد الرازق أن ليس في الإسلام ما يشير إلى نمط في الحكم معين، وخاصة إذا كان هذا النمط هو الخلافة، وأن ليس ثمة ما هو أدعى إلى العجب من تشبث قوم بوهم صنع، فتحوّل في التاريخ عبر عمليات تكرار واستنساخ، وبحد السيف غالباً، إلى أمر واقع يفتك شرعيته ويمارس أدواره، رضي عنه الراضون أو سخط عنه الساخطون هذا الوهم المنقلب حقيقة هو مدار مغامرة عبد الرازق الاجتهادية في كتابه الإسلام وأصول الحكم. والكتاب على هذا النحو، نظر علمي متخصص في واحدة من أعقد قضايا الإسلام الفقهي والتاريخي والعقائدي. ومن المهم أن يُعاد الاعتبار إليه في إطار قراءة سياقية لمسارات جدل السياسة والدولة عند العرب في التاريخ المعاصر.

 يقول الباحث علي الصالح:"إننا لا ننفي أن يكون لـ "الإسلام وأصول الحكم" آثار حينية في متقبل بعينه؛ فقد تستخرج منه إيحاءات يُستفاد منها أن الغرض من الكتابة في إبطال معقولية نظرية الاستخلاف هو نقد العرش والمتربع عليه في مصر. .وربما كان أجدر بمحمد عمارة لو نظر في الأمر من الزاوية المقابلة، تلك التي يوجد فيها أنصار الخلافة. ولو فعل ذلك، لكان أقرب في تقديرنا إلى الصواب. وما نعنيه، هو أن خصوم علي عبد الرازق الذين يجدون حمّى في كنف السلطة التي يتربع على عرشها الملك فؤاد هم من جروا الكتاب إلى دائرة السجال السياسي المباشر وألبوا ضد صاحبه سلطة كانت تتوق إلى أن تحل محل العثمانيين.

ومن يقرأ على سبيل المثال الإهداء الذي صدر به الخضر حسين كتابه نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، يقف دون ريب على نزعة فيه إلى جرّ علي عبد الرازق إلى ساحة الإدانة والعقاب. والمديح الذي توجه به إلى الملك فؤاد لا يترك مكانا للشك في أن خطة ما كانت تحاك خيوطها ليصبح الفاعل الرئيس في هذه الخصومة قوة السلطة لا قوة الفكر. قال الخضر حسين مستلطفاً الملك فؤاد ومتودّداً وممثلاً العقل الديني الرسمي المساند أطروحة استعادة الخلافة: "شهدت من حضرة صاحب الجلالة ملك مصر المعظم غيرة على دين الحق، وعناية برفع شأن المعاهد العلمية الإسلامية، فقلت: إن في هذه الغيرة والعناية لحماية للدين الحنيف من نزعة ترمي حوله بشرر الكيد والأذى. تلك المزية التي أصبح بها صاحب الجلالة واسطة عقد ملوك الأمم الشرقية قد أخذت في نفسي مأخذ الإكبار والإجلال، ودعتني إلى أن أقدم إلى خزانته الملكية مؤلّفاً قمت فيه ببعض حقوق إسلامية وعلمية، وهو نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم. ورجائي أن يتفضّل عليه بالقبول، والله يحرس ملكه المجيد، ويثبت دولته على دعائم العز والتأييد"(ص 159).

ونظن أننا، حين نتحرك في هذا الاتجاه، نكون قد جعلنا الكتاب في مداره الصحيح، حيث التأسيس لوضع مقومات الزمن السياسي العربي الجديد. ورأينا هذا، ينبغي ألا يدفع إلى الاعتقاد بأنّ المعضلة السياسية عرفت طريقها إلى الحل. ولكننا ترجح أن الاجتراء الفكري على معقولية الخلافة أمر حاسم في البحث عن معقولية سياسية جديدة. وقد سبق أن بينا قيمة الفكر في تغيير الواقع واستنبات مفاهيم جديدة.

عمد علي عبد الرازق إلى منهج حجاجي يناظر عبره أنصار الخلافة، وإلى آخر استقرائي يستنبط به القواعد والأحكام ويصوغ بواسطته نظريته في السياسة. وكانت مادة بحثه مكونة من القرآن والسنة والإجماع أساساً ومنطلقاً، ومن وقائع التاريخ دعماً واستئناساً، ومما ورد من آراء للفقهاء والحكام والمنشغلين بهذا المبحث عموماً محاورة ومناظرة تمهيداً لصياغة أطروحته والنتيجة التي انتهى إليها، وهي تخليص الدين من السياسة ابتداء وبيان أسس التمدن انتهاء، ترتقي في نظرنا إلى مستوى تلك الجهود التي بذلها رجال التنوير الأوروبيون في القرن الثامن عشر خاصة، وفتحوا بها آفاقاً حقيقية على التقدم.

إقرأ أيضا: الدولة القطرية.. هل كانت قدراً تاريخياً أم انحرافاً عن مشروع الدولة القومية؟
التعليقات (0)