مهرجان قرطاج الدّولي بين التاريخ الفني والرهانات التجارية.. هل تغيّر دوره؟

مهرجان قرطاج يعيش تحوّله الطبيعي، غير أن هذا التحوّل يجب أن يتم في إطار يحافظ على الحد الأدنى من الجودة والمعنى، دون السقوط في التبسيط المفرط أو التسطيح، حتى وإن ظل الترفيه في حد ذاته حاجة إنسانية وثقافية مشروعة.
مهرجان قرطاج يعيش تحوّله الطبيعي، غير أن هذا التحوّل يجب أن يتم في إطار يحافظ على الحد الأدنى من الجودة والمعنى، دون السقوط في التبسيط المفرط أو التسطيح، حتى وإن ظل الترفيه في حد ذاته حاجة إنسانية وثقافية مشروعة.
شارك الخبر
"خسرت إدارة قرطاج عمدًا لأنني أحببت أن أعمل للثقافة لا للتجارة". تحضرني دائما هذه الجملة التي أنهى بها الفنان رؤوف بن عمر حواره معي سنة 2020 وهو يتحدث عن تجربته في إدارة مهرجان قرطاج الدولي خلال سنتي 2005 و2006.

كما قال في المناسبة نفسها: "مستحيل أن يعود مهرجان قرطاج إلى عصره الذهبي". وتجعلني هذه الأفكار إعادة طرح ذات السّؤال موسميّا ومع انطلاق الجدل حول برمجة مهرجان قرطاج الدولي من زاوية القيمة الفنية لبعض الأسماء المبرمجة: هل فعليّا الثّقافي في قطيعة مع التّجاري؟

وقد بدأ الجدل هذا الموسم مبكّرا مع الضجّة التي أثارها الفنان التّونسي محمد الجبالي باعلانه رفض مشروعه الفني للاحتفاء بأربعين سنة من مسيرته على ركح قرطاج، ومقاطعته لوزارة الشؤون الثقافية.

هنا تبرز أسئلة جوهريّة: هل مهرجان قرطاج مجرد ذاكرة فنيّة وتاريخ ثقافي، أم أنه يحمل أيضًا رهانات تجارية؟ وهل يتعارض البعد التجاري مع البعد الفني؟ وهل تخلى المهرجان عن أهدافه الأصليّة، أم أنّ الذائقة الفنية للجمهور هي التي تغيرت؟ ثم هل يمكن أن تبقى أهداف أي مؤسسة ثقافية ثابتة عبر الزّمن؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، نحن في حاجة إلى توضيح بعض المفاهيم.

العلاقة بين الثّقافي والتجاري

لا يمكن النظر إلى الثقافي والتجاري باعتبارهما مجالين متناقضين. فالفعل الثقافي نفسه يرتبط بجمهور وبسوق وبأنماط استهلاك مختلفة. كما أن مهرجانا عريقا تأسّس سنة 1964 لا يمكن أن يخاطب فئة واحدة من المتلقين أو أن يبقى أسير ذائقة واحدة مهما كانت قيمتها الرمزيّة.

فالجمهور هو المتلقّي الذي تُبنى من أجله البرمجة، غير أن هذا المتلقّي ليس في معزل عن التاريخ أو السّياق الاجتماعي والثقافي. فهو يتأثّر بالتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والتكنولوجيّة التي يعيشها المجتمع، كما يؤثر فيها بدوره من خلال اختياراته وأنماط استهلاكه الثقافي.

من هذا المنطلق يبدو الرهان الأول لمهرجان قرطاج هو القدرة على مخاطبة جماهير متعدّدة الذّائقة والانتماءات. وهنا يتجلى البعد التجاري للمهرجان لا بوصفه نقيضًا للفن، بل باعتباره بحثا عن التّوازن بين القيمة الفنية والقدرة على استقطاب الجمهور.

السؤال الحقيقي إذن هو: هل نجح مهرجان قرطاج في تحقيق هذه المعادلة خلال عشرية ما بعد الثورة؟

مهرجان قرطاج داخل بيئة متحوّلة

لنتّفق أوّلا أنّ التحوّلات التي عرفتها تونس بعد الثورة، ثم التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كوفيد-19، أثّرت على علاقة المواطن بالفعل الثقافي. وفي ظل تراجع القدرة الشرائيّة واهتراء الطبقة الوسطى، أصبحت المرافق الأساسيّة للحياة الأولوية ضمن تلبية الحاجات وتقدّمت على الحاجة للترفيه والثّقافة وهو ما انعكس بالضّرورة على المهرجانات الكبرى وعلى طبيعة جمهورها.

في هذا السياق، تعالت الأصوات المطالبة بمنح مساحة أكبر للفنّان التونسي وتقليص الإنفاق على الأسماء الأجنبية. غير أن هذا الطرح يظل ناقصًا إذا تمّ تجاهل البعد الدولي الذي يمثّل أحد العناصر المؤسسة لهويّة مهرجان قرطاج. فاستضافة أسماء عربيّة وعالميّة لا تقتصر على الجانب الفني فحسب، بل تساهم أيضًا في تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية والثقافية.
هل تغيّر المهرجان أم ذائقة الجمهور؟

لا يتعلّق النقاش فقط بأسماء الفنانين بقدر ما يتعلق بتحوّل الذّائقة نفسها. فكيف يمكن المطالبة بالذائقة الفنية ذاتها لجمهور تغيّر جذريًا بفعل التحولات الاجتماعية والتكنولوجية؟

لقد أحدثت البيئة الرقمية ثورة عميقة في أنماط التلقّي والاستهلاك الثقافي. فنحن اليوم أمام أجيال تشكّلت في فضاءات مفتوحة على ثقافات وتجارب موسيقية متنوعة، ولم تعد علاقتها بالفن تمرّ عبر القنوات التقليديّة نفسها التي صنعت أذواق الأجيال السابقة. كما أن الفرد يعيش اليوم بين فضاءين متداخلين: فضاء واقعي مرتبط بمجتمعه المحلي، وفضاء رقمي عابر للحدود يضعه في احتكاك يومي بثقافات متعدّدة.

ولكن وفي الآن ذاته، فهذا التحوّل لا يعني بالضرورة التخلي عن المعايير الفنية أو الاستسلام لمنطق السوق بل يفرض إعادة التفكير في هويّة المهرجان ووظيفته الثقافية. فالمطلوب ليس استنساخ الماضي ولكن إيجاد صيغ جديدة تحافظ على القيمة الفنية وتستجيب في الوقت نفسه لتحولات الجمهور.

ولعلّ تجربة مارسيل خليفة في مهرجان قرطاج سنة 2009 تقدم مثالًا دالًا على ذلك. فقد قدّم أعماله المعروفة لدى الجمهور لكنه أعاد صياغتها موسيقيّا بما سمح لها بالتواصل مع أجيال مختلفة من المتلقين. لقد حافظ على هويته الفنيّة دون أن يتحوّل إلى أسير للماضي.

ومن هنا تبرز مسؤوليّة الفنان كما تبرز مسؤوليّة إدارة المهرجان. فقرطاج لا يحتاج إلى أسماء كبيرة فقط، بل إلى مشاريع فنيّة متكاملة تمتلك رؤية واضحة وقيمة مضافة. كما أن الفنان مطالب بدوره بفهم التحوّلات الجديدة في أنماط التلقي وبأهمية البعد البصري في العرض الفني.

التاريخ الفنّي والهويّة البصريّة..

مثلما تتغيّر المجتمعات والهويّات وأنماط التلقي، تتغيّر تمثّلاتنا للفنون. لذلك فإن وفاء مهرجان قرطاج لتاريخه لا يمكن أن يقاس بقدرته على استرجاع أمجاد الماضي، بل بقدرته على تجديد نفسه دون التفريط في معاييره الفنية أو في مكانته الثقافية التي جعلت منه أحد أبرز المهرجانات في العالم العربي. وفي ذات السياق ، الأخذ بعين الاعتبار خصوصية المسرح الأثري الذي هو ليس بمجرّد فضاء لاحتضان الحفلات، بل عنصر جمالي وتاريخي من عناصر العرض. فنادرا ما شهدنا استثمارا حقيقيّا لهذا الفضاء على المستوى البصري والسينوغرافي. إذ يمكن أن يتحوّل إلى مادّة إبداعيّة توظف معمار المكان ورمزيتّه لإنتاج تجارب فنية استثنائيّة. قد يكون بذلك تطوير البعد البصري للعروض أحد السبل الكفيلة بتجديد هويّة المهرجان دون التفريط في خصوصيته.

نخلص إلى التّأكيد على فكرة أنّ الهويات متحركة والأزمنة متقلبة، ومهرجان قرطاج يعيش تحوّله الطبيعي، غير أن هذا التحوّل يجب أن يتم في إطار يحافظ على الحد الأدنى من الجودة والمعنى، دون السقوط في التبسيط المفرط أو التسطيح، حتى وإن ظل الترفيه في حد ذاته حاجة إنسانية وثقافية مشروعة.
التعليقات (0)