بين مشاهد
التعذيب اليومي فوق كراسي "القطار الروسي" الذي تحول إلى مقبرة لعظام
الغلابة في الصعيد، وصيحات الفزع المنبعثة من قلب "المونوريل المعطل" في
نفق السادات حيث تتبخر وعود الرفاهية الرقمية، تقبع المأساة الحقيقية في تذكرة
قطار يُدفع ثمنها مرتين، مرة من جيوب المواطنين
المصريين عبر موازنات استنزفت
أقواتهم، ومرة أخرى من لحمهم الحي تحت عجلات قضبان مهملة، والمفارقة التاريخية هنا
تكمن في "هندسة الإلهاء".
فكما روى
الشيخ عبد الحميد كشك في مذكراته عام 1982 عن انصراف المتظاهرين ونسيان قضيتهم من
أجل "كرتونة بيض بسعر لقطة"، نرى ذات الدجاجة السياسية تبيض اليوم تحت
قبة البرلمان، حيث يتسابق النواب والنائبات بتقديم "طلبات إحاطة" تتباكى
على تراجع أسعار البيض بضعة جنيهات، في مسرحية هزلية لإلهاء الرأي العام، بينما
كانت أياديهم ذاتها ترتفع في ذات الأسبوع للموافقة على
موازنة عامة وقروض مليارية
ابتلعت الأخضر واليابس ودمرت حياة البسطاء.
ففي 22 حزيران/يونيو
2026، شهدت قبة البرلمان فصلا جديدا من فصول التنازل الرقابي، حيث وافقت أغلبية
أحزاب الموالاة (التي تسيطر على نحو 70 في المئة من المقاعد) على موازنة العام
المالي 2026/2027، وكما يطلق عليها موازنة تسوية الدفاتر، الأغلبية التي أدارت
ظهرها للشعب، فقد واجهت الموازنة اعتراضات حادة لغياب العدالة الضريبية، حيث يتحمل
البسطاء والأفراد نصف الإيرادات الضريبية المستهدفة (1.76 تريليون جنيه)، بينما لا
يدفع الأعلى دخلا سوى 20.7 في المئة.
والأدهى من
ذلك هو الضرب بالنسب الدستورية للتعليم والصحة عرض الحائط، فبدلا من الالتزام
بنسبة 6 في المئة للتعليم و3 في المئة للصحة من الناتج القومي، انحدر الإنفاق
الفعلي لـ1.49 في المئة للتعليم و1.23 في المئة للصحة. إن عبء الدين العام بات
يبتلع ثلثي الإنفاق الحكومي بعد أن قفزت مستحقات خدمة الدين من 429.5 مليار جنيه
عام 2014 إلى رقم فلكي مرعب يبلغ 5.227 تريليون جنيه في الموازنة الجديدة، وقفزت
الفوائد وحدها إلى 2.4 تريليون جنيه.
ورغم هذه
الأرقام التي تعني تصفية الطبقة الوسطى، صفق النواب ومرروا الموازنة بدعوى أن
"قيمة الدولة أعلى من الأدوات الرقابية"، ليثبتوا للمواطن أن البرلمان
بات يعمل في واد والشعب في واد آخر.
ونواجه
وزارة النقل بالفضيحة التمويلية، لقد مرر هذا البرلمان المتراخي حزم قروض دولية
بالعملة الصعبة ومليارات الجنيهات تحت بند "
تطوير السكك الحديدية وتأمين
المزلقانات ونظم الإشارات"، واليوم يقف المتابع أمام سؤال دستوري عاصف: أين
الأثر الحمائي لهذه الترسانة التمويلية على جسد المواطن، بينما تهدر المليارات
المقترضة على مشروعات "الجر الكهربائي" ووسائل النقل الفاخرة لخدمة
شرائح بعينها؟
نجد أن
"المونوريل" يتعطل في نفق السادات جنوبي في مشهد استعراضي محرج، يصرخ
فيه المواطنون، "المونوريل عطل يا كامل.. هو مش عايز يمشي ليه؟ نزلنا!"،
هذا العطل يختصر الحقيقة الكاملة، منظومة استعراضية هشة غارقة في الديون، بينما
تفتقر لأبسط آليات التشغيل والأمان.
من
التوربيني الفرنسي إلى "مأساة الروسي"، ست فوائد وهمية، لقد ولى زمن
القطارات المحترمة، فالذاكرة المصرية ما زالت تحن إلى "القطار المجري"
و"التوربيني الفرنسي" حيث العزل الممتاز، والتكييف الحقيقي، والكرسي
المريح الذي يضمن رحلة آدمية تضبط عليها ساعتك من القاهرة للإسكندرية في ساعتين،
أما اليوم، وفي عهد التحديث المزعوم، يدفع المواطن أسعارا تصل إلى 1000 جنيه
للدرجة الأولى، ليحصل على قطارات أجنبية دخلت الخدمة لتكون بمثابة أداة تعذيب
مقننة. القطار "الروسي" الجديد، بشهادة أهلنا في الأقصر وأسوان، يمنح
الراكب ست فوائد كارثية: ألم حاد في الظهر، وتصلب في العضلات، وتيبس في الساقين، وتنميل
في اليدين، وتورم في القدمين، فضلا عن تصميمه الميكانيكي الخالي من الآدمية لرحلات
المسافات الطويلة.
إن سوء
اختيار هذه الصفقات والتعاقد عليها يوضح كيف تدار أموال القروض، حيث جرى التركيز
على المظهر الخارجي لاستعراض الإنجازات أمام الشاشات، على حساب الجودة البنيوية
والأمان الأساسي.
في النظم
السياسية الرشيدة، ترتبط السلطة المطلقة بالمسؤولية المطلقة. يقف الفريق كامل
الوزير، بصفته وزيرا للنقل والمواصلات ورئيسا للهرم التنفيذي، كمسؤول أول ومباشر
بقوة القانون عن كل قطرة دم تسيل على هذه القضبان. إن محاولات الوزارة المستمرة
للتنصل الإداري عبر إلقاء اللائمة على "العنصر البشري الضعيف" أو
"عامل التحويلة" أو "سلوكيات المواطنين العفوية"، هي حجج
واهية وسقوط إداري مروع.
المسؤول
الأول ليس العامل البسيط، بل هو الوزير الذي فشل في خلق "سيستم" آمن
يحمي الأرواح برغم المليارات المتاحة له. الحفاظ على حياة المواطن المصري هو القَسَم
الدستوري الأسمى، وحين تعجز الإدارة عن الوفاء بهذا القسم، يصبح التغيير واجبا
وطنيا لا يقبل الإرجاء.
بناء على
هذا الإرث الممتد من الإخفاقات والتبريرات، ومن واقع حقنا الدستوري الأصيل في نقد
أداء المسؤول العام، نعلنها صراحة، المطالبة بالإقالة الفورية للفريق كامل وزير من
منصبه، لفشله التنفيذي والإداري الواضح في كبح جماح نزيف الأرواح على القضبان،
ولعدم كفاءة الآليات الإدارية الحالية في استغلال القروض الضخمة.
ونطالب
النواب بالانتفاضة لكرامة وظيفتهم الرقابية، وفتح تحقيق جنائي وإداري لتتبع مسارات
إنفاق كافة القروض واعتمادات الموازنة، ومساءلة الوزير وجهازه عن كل كارثة دهس،
فدماء المصريين ليست رخيصة ليتم غلق ملفاتها ببيانات تعازي لا تسمن ولا تغني من
جوع.
إن السكك
الحديدية في مصر يجب أن تكون شريانا يربط أطراف هذا الوطن وينبض بالحياة، لا مقصلة
متحركة تدهس البسطاء أحياء وأمواتا. إن التشدق ببناء المستقبل لا يمكن أن يستقيم
على أرضية قضبانها مغموسة بدماء الأبرياء ومثقلة بديون تبتلع أقوات الأجيال
القادمة.
لقد انتهى
زمن المبررات الواهية، وحان وقت المحاسبة الجنائية والسياسية التي لا تستثني أحدا
بسبب خلفيته أو منصبه. المنصب التنفيذي هو تكليف ومسؤولية، وليس حصانة من النقد أو
تفويضا لتبديد الثروات، وأرواح شعب مصر هي الخط الأحمر، وحين يعجز المسؤول عن
حمايتها، فعليه أن يرحل فورا ليفسح المجال لعقول تدرك القيمة الحقيقية للإنسان
المصري. أوقفوا نزيف المليارات، واحفظوا أجساد البسطاء، فحساب التاريخ لن يرحم
المقصرين.
إن دماء
البسطاء التي سفكت على هذه القضبان ليست حبرا يجفف ببيانات التعازي، ولا أرقاما
هامشية تطوى في لجان تقصي الحقائق، إنها وثيقة إدانة تاريخية تقض مضاجع المقصرين
وتعري مسرحيات الإلهاء بكراتين البيض، لن يقبل هذا الشعب بعد اليوم بنعوش حديدية
طاحنة يدفع ثمنها من قوته وأرواحه، ولن يرتضي بنواب يمررون موازنات الديون وقروض
الجر الكهربائي بينما تفتقر قطارات الضواحي لأبسط معايير الأمان البدائية.
إن الفريق
كامل الوزير يواجه اليوم أقدس استحقاقاته الدستورية والأخلاقية، فإما القدرة على
صيانة النفوس البشرية وتأمين المرفق، أو الرحيل الفوري والمثول أمام الحساب
السياسي والجنائي تحت قبة برلمان يستعيد كرامته الرقابية، ارحلوا، فمصر التي تطمح
للمستقبل لم تعد تتسع لإدارة تبدد المليارات وتعجز عن حماية الإنسان، وقضباننا يجب
أن تكون شريانا للحياة والكرامة، لا ساحة إعدام مروعة للمواطنين أحياء وأمواتا.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.