ما
زالت تبعات سياسة
الاحتلال الإسرائيلي في الداخل والخارج تترك تبعاتها على ظاهرة هجرة
الأكاديميين، وتحذيرات كبار العلماء، التي تُشير إلى خطر خفي متزايد على مستقبل
البحث العلمي في دولة الاحتلال.
وفي هذا السياق، ذكر المشارك
بتأسيس وإدارة شركات التكنولوجيا، وإدارة التطوير والتسويق بشركة رافائيل، الحاصل
على ماجستير العلوم من معهد التخنيون، وجامعة ستانفورد، إيتان ميليتس، أن
"البحث الأكاديمي في إسرائيل يمرّ بمرحلة حرجة، مع تزايد الخطر المحدق به
بسبب تنامي ظاهرة هجرة العقول، فضلًا عن العزلة العالمية والضغوط السياسية، رغم أن
البيانات المتراكمة تؤكد أن العديد من الجامعات الإسرائيلية تتبوّأ مراكز متقدمة
في تصنيفات البحث العالمية، وتتلقى منحًا بحثية سخية".
خسائر متلاحقة
وأضاف
في
مقال نشره موقع "زمان إسرائيل"، وترجمته "عربي21"، أن "هناك ازدياد في هجرة الأكاديميين إلى الخارج، فيما يعبّر الباحثون الإسرائيليون
الشبان عن قلقهم، ويواجه تمويل الأوساط الأكاديمية تهديدا سياسيا، ويطلق كبار
العلماء تحذيراتٍ في هذا الشأن، كل هذا يقود لاستنتاج واحد مفاده أن وضع الأوساط
الأكاديمية الإسرائيلية في خطر، لأنه يُقاس كغيرها من الظواهر بطريقتين: المؤشرات
التراكمية، التي تعكس التطورات السابقة، والمؤشرات الحالية، التي تعكس الوضع
الراهن".
وأشار إلى أن "المؤشرات التراكمية تلخص سمعةً بُنيت على مدى عقود، ولذلك تتغير ببطء،
وتتأخر استجابتها، أما المؤشرات الحالية، فهي أشبه ببيان الأرباح والخسائر الفصلي،
إذ تُسجل النشاط الحالي، وتستجيب بسرعة، وتندرج معظم الأدلة على استقرار الأوساط
الأكاديمية في إسرائيل ضمن الفئة الأولى؛ بينما تندرج الأدلة على معاناتها ضمن
الفئة الثانية".
اظهار أخبار متعلقة
ونقل
عن معهد التخنيون في تقرير نشر في أيار/ مايو أن "مؤشرات البحث، كالمنح التي
تتلقاها الجامعات والباحثون الإسرائيليون، والمنشورات الأكاديمية، والتعاون الدولي،
مستقرة نسبيًا، لكن الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية تواجه "عداء متزايدا"، ففي تصنيف شنغهاي لأفضل جامعات العالم لعام 2025، احتلت 3 مؤسسات
أكاديمية إسرائيلية: الجامعة العبرية في القدس، وجامعة تل أبيب، ومعهد التخنيون،
مراكز ضمن أفضل 100 جامعة من بين عشرات آلاف المؤسسات الأكاديمية حول العالم".
وأكد
أن "الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية تتلقى عددا كبيرا من المنح، لاسيما عبر
برنامج البحث الأوروبي "هورايزون"، بقيمة 1.1 مليار يورو بين 2015-2024،
مع أن معظم هذه المنح قدمت قبل حرب غزة، فيما تُظهر المؤشرات الحالية عن وضع
الأوساط الأكاديمية وفقا لمجلة "نيتشر"، انخفاضًا في عدد المنشورات
العلمية، ومنها منشورات معهد وايزمان من المركز 75 إلى المركز 111 عالميًا، ليخرج
بذلك من قائمة أفضل 100 مؤسسة عالمية من حيث عدد المنشورات، للمرة الأولى منذ عام
2014".
مؤشرات مقلقة
وأضاف
أن "الجامعة العبرية وبن غوريون ومعهد التخنيون، سجلت انخفاضًا حادًا في ذات المؤشر،
ويُعزى هذا التراجع لسببين رئيسيين: أولهما، أنه خلال حرب الأيام الـ12 بين
إسرائيل وإيران أصاب صاروخان إيرانيان معهد وايزمان، ما أدى لإغلاق نحو 52 مختبرًا،
وتوقف ربع النشاط البحثي، ودفع 60% من الباحثين الدوليين لمغادرته، كما تأثرت
جامعة بن غوريون".
واستدرك
بالقول إنه "إضافة لانخفاض عدد المنشورات، فثمة خطر من تراجع الجودة، ويشير
تقرير حالة العلوم الصادر عن الأكاديمية الوطنية للعلوم لصعوبات في نشر مقالات
إسرائيلية في المجلات والمواقع العلمية الدولية، وإلغاء معظم المؤتمرات الدولية
المقرر عقدها في إسرائيل خلال عامي 2024 و2025، وتقليص التعاون الدولي".
وأكد
أن "أضرار المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل لا تقتصر على المؤسسات فحسب، بل تمتد
لتشمل الباحثين أنفسهم، حتى أن البروفيسور أهارون تشيخانوفير، الحائز على جائزة
نوبل، واجه إلغاء دعوة لإلقاء محاضرة في أوروبا؛ ولم تتم دعوة كبار الباحثين لمؤتمرات
في الخارج لمدة عامين، لذا، لا يتمتع الباحثون الإسرائيليون بحصانة شخصية من أجواء
المقاطعة، ورفض التعاون معهم على مستوى العالم، ومع ذلك، لم يُنشر حتى الآن أي رقم
دقيق لعدد الاستشهادات الأكاديمية في عام 2025".
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح
أن "متوسط الاستشهادات
للباحثين الإسرائيليين بات منخفضًا مقارنةً بمستواه المرتفع سابقًا، لأسباب هيكلية،
بالتزامن مع زيادة مطردة في أعداد المغادرين منهم لإسرائيل، ففي عام 2025، غادر
69,300 منهم، ولم يعد منهم سوى 18,800 تقريبًا، أقل من ثلث عدد المغادرين، ويُعدّ
عدد العائدين أدنى مستوى له منذ عقد، ووفقًا لمركز تاوب، ارتفعت الهجرة السلبية
للإسرائيليين بنسبة 42%، ومن بين المغادرين، نسبة كبيرة من الأكاديميين".
وأضاف
أن "دراسة أجراها إيتاي آتر ونيتاي بيرغمان ودورون زامير من جامعة تل أبيب،
فحصت التوزيع المهني للمغادرين عامي 2023-2024، غادر خلالها 949 طبيبًا، ومعهم مئات
الحاصلين على شهادات الدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، و21
ألف إسرائيلي من حاملي شهادات البكالوريوس، منهم 7400 خريج في التخصصات العلمية،
أكثر من ثلاثة أرباعهم ممن هم دون سن الأربعين، ما يعني أن رأس المال البشري الذي
يعتمد عليه الإنتاج الأكاديمي الإسرائيلي المستقبلي آخذ في التضاؤل".
الخطر وصولا للانهيار
وأشار إلى أن "عدد المغادرين الأكاديميين الإسرائيليين سنوياً ما بين 500 -1000 باحثا
وطبيبا للخارج للتدريب ما بعد الدكتوراه، معظمهم لمؤسسات رائدة في الولايات
المتحدة وأوروبا، ولأن مغادرة الباحث الشاب تُضر بالمنشورات والمنح المستقبلية،
فإن الضرر الحقيقي سيظهر بعد سنوات، ولا يظهر حالياً في المؤشرات، وسيظهر أثره على
الإنتاجية البحثية بعد 5-10 سنوات، إذا استمر هذا الاتجاه".
ولفت إلى أن "نسبة كبيرة ممن يغادرون لا يعودون، فمعدل العائدين هو الأدنى منذ عقد،
كما أن تدني المعايير يعيق عودة الراغبين في العودة، وليس هناك ما يضمن تشكيل
حكومة إسرائيلية تُغير السياسات التي تُغذي هذه الهجرة، كما أنه من غير المتوقع أن
تتلاشى المشاعر المعادية لإسرائيل في جامعات الولايات المتحدة وأوروبا سريعاً، حتى
بعد انتهاء الحرب، مما دفع كبار العلماء لوصف ما يحصل خطرا، وصولا للانهيار".
ونقل
عن رئيس الأكاديمية الوطنية للعلوم والحائز على جائزة إسرائيل، البروفيسور ديفيد
هاريل، في مناقشة بالكنيست أن "إسرائيل باتت معزولة علميًا وأكاديميًا، وصرح
رئيس معهد التخنيون، البروفيسور أوري سيفان، إن من يغادرون من الأكاديميين
الإسرائيليين هم في الواقع الأقوياء، وقال رئيس معهد وايزمان، البروفيسور ألون
تشين، إن الضربة الصاروخية على المعهد تسببت بضرر غير مسبوق".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد
أن "تخفيضات الميزانية تهدد البحث العلمي الإسرائيلي، فقد بلغت 14 مليار شيكل
عام 2022، لكنها بدأت منذ 2023 بتخفيضات متكررة، وفي 2023، تم خفض 450 مليون شيكل؛
وفي 2025 تم خفضها بـ222 مليون شيكل، كما تم خفض رواتب الموظفين. وحذر رئيس لجنة
رؤساء الجامعات من عقد أكاديمي ضائع، وكانت معظم هذه التخفيضات جزءًا من تخفيضات
شاملة بسبب تكاليف الحرب، ويأتي تهديد آخر من تشريعات الكنيست".
تقدم
هذه السطور قراءة سوداوية عن واقع البحث العلمي الإسرائيلي بسبب إجراءات المقاطعة
العالمية من جهة، على صعيد الخارج، وتخفيض ميزانياته المالية من قبل حكومة اليمين
على صعيد الداخل، فضلا عن إهمال المؤسسات الأكاديمية لصالح نفقات الحرب والعدوان.