تشهد
الساحة السياسية الأمريكية تصاعدًا لافتًا في حدة الجدل داخل
الحزب الديمقراطي
بشأن الموقف من الاحتلال
الإسرائيلي، بعد أن أفرزت
الانتخابات التمهيدية في
نيويورك صعودًا قويًا لمرشحين تبنوا خطابًا يتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في
غزة.
وأفادت
صحيفة "
الغارديان" البريطانية، في تقرير أعده كريس ستاين من واشنطن، بأن
إسرائيل تحولت إلى قضية مركزية تمثل اختبارًا حاسمًا للمرشحين الديمقراطيين في الولايات
المتحدة، في ظل تصاعد الانقسام الداخلي داخل الحزب حول الحرب في غزة، وتزايد تأثير
هذا الملف على نتائج الانتخابات التمهيدية.
وأشارت
الصحيفة إلى أن مرشحين يتبنون موقفًا يرى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة حققوا
فوزًا ساحقًا في الانتخابات التمهيدية بمدينة نيويورك، وهو ما أدى إلى إطاحة اثنين
من أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين الحاليين، واستبدال عضو ثالث متقاعد بمرشحين تقدميين
مدعومين من عمدة المدينة زهران ممداني.
وأضافت
"الغارديان" أن هذه النتائج أسفرت عن وصول كتلة جديدة من النواب الديمقراطيين
إلى مجلس النواب الأمريكي، يُتوقع أن يكون لها تأثير واضح خلال الدورة التشريعية المقبلة،
خاصة أنها جاءت مدفوعة بخطاب سياسي يعارض الدعم الأمريكي لإسرائيل، ويعبر عن رفض واسع
لنفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "أيباك"، التي تنشط منذ
عقود في دعم مرشحين مؤيدين للحكومة الإسرائيلية.
وأوضحت
الصحيفة أن عمدة نيويورك، زهران ممداني، وهو اشتراكي ديمقراطي وأول رئيس بلدية مسلم
للمدينة، قاد حملته الانتخابية على أساس رفض الدعم الأمريكي لإسرائيل، إضافة إلى انتقاد
تأثير "أيباك" في الحياة السياسية الأمريكية، معتبرًا أن هذه اللجنة تمارس
نفوذًا ماليًا واسعًا على الانتخابات.
وتابعت
"الغارديان" أن هذه الانتصارات الثلاثة في نيويورك أثارت صدمة داخل أوساط
الحزب الديمقراطي، حيث أكدت أن الانقسامات حول إسرائيل، وهي قضية أثقلت كاهل الرئيس
الأمريكي جو بايدن خلال ولايته، لا تزال تلعب دورًا رئيسيًا في إعادة تشكيل المشهد
الانتخابي داخل الحزب، قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر،
والتي يأمل الديمقراطيون خلالها استعادة السيطرة على الكونغرس من الجمهوريين حلفاء
دونالد ترامب.
ونقلت
الصحيفة عن أسامة أندرابي، المتحدث باسم مجموعة العمل السياسي "ديمقراطيون من
أجل العدالة"، قوله إن هذه النتائج تعكس تقدم الحركة التقدمية في مواجهة جماعات
الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها "أيباك"، التي أنفقت، بحسب قوله، مئات
الملايين من الدولارات للتأثير على السياسة الأمريكية وإبقاء النقاش العام منحازًا
لتمويل العمليات العسكرية في الخارج.
وأضاف
أندرابي أن الناخبين بدأوا ينتخبون مرشحين يعلنون رفضهم الصريح لتمويل ما وصفه بالإبادة
الجماعية في غزة، معتبرًا أن هذه النتائج تعكس تحولًا حقيقيًا في المزاج السياسي داخل
القاعدة الديمقراطية.
وأشارت
"الغارديان" إلى أن المرشحة التقدمية داريليزا أفيلا شوفالييه تمكنت من تحقيق
فوز بفارق ضئيل على عضو الكونغرس المخضرم أدريانو إسبايلات، بعد حملة ركزت على انتقاد
علاقاته السياسية وتلقيه دعمًا من "أيباك"، فيما دعمت مجموعة "ديمقراطيون
من أجل العدالة" هذا التحول السياسي بوضوح.
وأضافت
الصحيفة أن المرشحة كلير فالديز، المدعومة من التيار التقدمي، فازت في انتخابات داخل
الحزب الديمقراطي في دائرة أخرى، بعد أن أقنعت الناخبين بأنها تتبنى موقفًا أكثر صرامة
تجاه إسرائيل مقارنة بمنافسها أنطونيو رينوسو، رئيس بلدية بروكلين.
وتابعت
"الغارديان" أن هذه النتائج غير المتوقعة في نيويورك خلقت حالة من الارتباك
داخل الحزب الديمقراطي، وأكدت أن الانقسام حول إسرائيل لم يعد قضية هامشية، بل أصبح
عاملًا مؤثرًا في الانتخابات الداخلية الأمريكية.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضحت
الصحيفة أن الرئيس الأمريكي جو بايدن واجه خلال ولايته انتقادات حادة بسبب دعمه لرئيس
الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، حيث وُصف
خلال احتجاجات بأنه "جو الإبادة الجماعية"، وهو ما انعكس أيضًا على الحملة
الرئاسية لنائبة الرئيس كامالا هاريس، التي تراجع زخمها الانتخابي وفقًا للتقرير.
وبيّنت
"الغارديان" أن الجدل حول توصيف العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة باعتبارها
"إبادة جماعية"، وهو توصيف تدعمه منظمات حقوقية ولجنة تابعة للأمم المتحدة،
أصبح محورًا أساسيًا في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، وتحول إلى معيار سياسي
وأخلاقي في تقييم المرشحين.
وأشارت
إلى أن النائب دان غولدمان حاول التقليل من أهمية هذا الملف خلال حملته الانتخابية،
مؤكدًا أن إسرائيل ليست القضية الأهم في دائرته، إلا أنه خسر أمام منافسه براد لاندر
بفارق تجاوز 30 نقطة مئوية.
وقالت
الصحيفة إن لاندر أكد في خطاب فوزه أن الحزب الديمقراطي منقسم بعمق بسبب خلافاته حول
السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل وفلسطين، مشيرًا إلى أن هذه القضية باتت اختبارًا أخلاقيًا
وسياسيًا داخل الحزب، وأعلن أنه سيكون من أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان الفلسطيني
داخل الكونغرس.
وأضافت
"الغارديان" أن عددًا من الناخبين اعتبروا أن الموقف من إسرائيل كان العامل
الحاسم في التصويت، حيث وصف بعضهم القضية بأنها «الأهم في هذه الانتخابات»، معتبرين
أنها تمثل معيارًا أخلاقيًا لتقييم المرشحين.
ونقلت
الصحيفة عن كوربن ترينت، المساعد السابق للنائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو كورتيز،
قوله إن التدخل الأمريكي في الحرب في غزة يشبه إلى حد كبير غزو العراق عام 2003، من
حيث تأثيره على الوعي السياسي للناخبين وإعادة تشكيل نظرتهم للسياسة الخارجية الأمريكية.
وأضاف
ترينت أن تكلفة التدخلات الخارجية، سواء في الأرواح أو الأموال، أصبحت عاملًا حاسمًا
في مواقف الناخبين، مشيرًا إلى أن هذا الاتجاه ساهم في صعود تيارات سياسية معارضة داخل
الولايات المتحدة.
وتابعت "الغارديان" أن صعود أفيلا شوفالييه وفالديز ولاندر يمثل تحولًا مهمًا داخل الحزب الديمقراطي،
حيث يُتوقع أن يفوزوا في الانتخابات العامة المقبلة نظرًا لهيمنة الديمقراطيين على
دوائرهم الانتخابية، وهو ما أثار قلق الجمهوريين الذين وصفوا هذا الاتجاه بأنه صعود
للتيار "الاشتراكي" داخل الحزب.
وأشارت
الصحيفة إلى أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب اعتبر أن الحزب الديمقراطي يواجه
أزمة داخلية متصاعدة، محذرًا من امتداد هذا التوجه إلى ولايات أخرى، في الوقت الذي
يستعد فيه الحزب لمعارك انتخابية جديدة في كولورادو وميشيغان، حيث أصبح ملف إسرائيل
حاضرًا بقوة.
واختتمت
"الغارديان" تقريرها بالتأكيد على أن قضية إسرائيل مرشحة لتكون أحد أهم محاور
الانتخابات الرئاسية لعام 2028، حيث يتوقع مراقبون أن يُطلب من جميع المرشحين الديمقراطيين
تحديد مواقف واضحة منها، بعدما كان بالإمكان في السابق تجنب الخوض فيها، وفق تقديرات
خبراء السياسة الأمريكية في واشنطن.