في زمن
تتلاشى فيه الحدود بين الحقيقة وتمثلاتها، يصبح الخطاب الإعلامي أكثر من مجرد ناقل
للأخبار؛ إنه آلة لإنتاج الواقع، وأداة لصياغة الوعي، ومطرقة تُشكّل بها السلطة
ملامح الذاكرة الجمعية. حين نمعن النظر في آليات اشتغال الخطاب الرسمي في لحظات
الذكرى السنوية للأحداث الفارقة، نكتشف أننا إزاء مشهد معقد يتجاوز التغطية
الخبرية إلى هندسة دقيقة للإدراك، وإعادة بناء للماضي بما يخدم حاضراً متوتراً
ومستقبلاً مشروطاً.
تلك
المناسبات التي تعود فيها الذاكرة إلى واجهة الأحداث، كذكرى تحولات سياسية كبرى أو
رحيل شخصيات مثيرة للجدل، تتحول إلى فضاءات اتصالية مكثفة تستعيد فيها السلطة
سردياتها، وتكرّس رؤيتها للتاريخ. إنها لحظات تُفتح فيها نوافذ الماضي على
مصراعيها، ليس لاستنشاق هوائه، بل لإعادة تهويته وفق مقاييس الحاضر، وفرض معانيه
على العقول المترقبة.
ما يثير
التأمل في بنية هذا الخطاب هو لغته التي لا تقل دقة عن لغة الشعر، رغم أنها تنتمي
إلى عالم السياسة بكل خشونته. إنه يستعير من المعجم الحربي مفرداته، ومن خطاب
التهديد وجوديته، ومن سرديات الخلاص نزعتها الأخلاقية الثنائية.
لغة الخطاب، في كثافتها التكرارية، تشبه طقساً جماعياً يتكرر سنوياً، يؤدي وظيفة تذكيرية تشبه طقوس الجماعات البدائية التي تعيد تمثيل أساطير التأسيس لتجديد شرعيتها
يستحضر مفردات كالإنقاذ،
والتصحيح، والاستعادة، والتطهير، ليرسم صورة لمصر قبل وبعد؛ كأنهما مدينتان
منفصلتان، إحداهما مدينة الظلام والفوضى والأجندات الخارجية، والأخرى مدينة النور
والنظام والإرادة الشعبية الصافية.
وهنا تكمن
المفارقة العميقة: في لحظة تحاول فيها السلطة تثبيت رواية واحدة للأحداث، تنتج
خطاباً يعترف ضمناً بوجود روايات أخرى، يمارس إقصاءها، لكنه لا يستطيع محو أثرها.
كل جملة تنفي، وكل اتهام توجّهه، وكل وصف تلصقه بالآخر، هي اعتراف غير مباشر بوجود
الآخر، وكأن الخطاب يرسم خصمه في كل حرف يكتبه، وفي كل صورة يبثها، وكأن لا وجود
له بدونه.
لغة
الخطاب، في كثافتها التكرارية، تشبه طقساً جماعياً يتكرر سنوياً، يؤدي وظيفة
تذكيرية تشبه طقوس الجماعات البدائية التي تعيد تمثيل أساطير التأسيس لتجديد
شرعيتها. لكنها طقوس تخلو من الصراع، لأنها تقدم نفسها كيقين ثابت لا يقبل
المساءلة، وحيدة الصوت، متعالية عن التعقيدات، مختزلة للتاريخ في لوحة جدارية
ساكنة تخلو من الظلال والتفاصيل.
ليست
المفردات هنا مجرد كلمات عابرة، بل إنها سكاكين دلالية تشق طريقها في نسيج الوعي.
حين يتكرر وصف جماعة سياسية بأنها إرهابية، أو خلايا نائمة، أو أذرع خارجية، فإن
هذه التسميات تتحول إلى حقائق مسلم بها في وجدان المتلقي، خاصة حين تترافق مع صور
بصرية ومؤثرات رمزية تشحنها شحنات انفعالية. وهكذا، يصبح العسكري أميناً، والمدني
مجرماً، والخلاف حول الحكم مؤامرة على الأمن القومي، والذاكرة وليدة توجيه مستمر.
ولعل أكثر
ما يلفت النظر هو الطريقة التي يُعاد بها تأطير التاريخ نفسه: فما كان مجرد صراع
على السلطة بين تيارات سياسية، يتحول إلى ملحمة كبرى بين الخير والشر، بين الدولة
وفوضى العدم، بين الوحدة الوطنية والتشرذم الطائفي. إنها عملية إعادة بناء للواقع
بأكمله، وكأن الأحداث لم تحدث كما حدثت، بل كما ينبغي أن تكون في السردية المعتمدة.
لا تكتفي
وسائل الإعلام في هذا السياق بدورها التقليدي، بل تصبح كاتبة سيناريو ومخرجة
للمشهد، تتضافر فيها الصحافة المكتوبة مع المرئي والدراما التلفزيونية لتشكل
ثلاثية متناغمة، كأوركسترا تعزف لحناً واحداً بآلات مختلفة. نجد الصحف تكرس
العناوين الصارخة، والبرامج الحوارية تلهب المشاعر، والمسلسلات الدرامية تجسد
البطولة والشر في قوالب درامية تؤثر في الوجدان أكثر مما تؤثر في العقل.
وهنا يبرز
السؤال الأكثر إيلاماً: أين يقع المتلقي في كل هذا؟ إنه ليس مجرد مستقبل سلبي، بل
هو شريك في صنع المعنى، إن لم يكن عن قناعة، فعن طريق الألفة والتكرار، أو عبر
الانسجام مع خطاب يمنحه إحساساً بالأمان في مواجهة تهديدات موهومة أو مبالغ فيها.
المتلقي، في النهاية، يبحث عن يقين يمسك به في عالم متلاطم، والخطاب الرسمي يمنحه
هذا اليقين بسخاء، وإن كان ثمنه أن يفقد القدرة على رؤية تعقيدات العالم وخريطته
المتعددة الألوان.
حين تفقد الأدوات تأثيرها وأثرها تتحول الحالة الإعلامية الى نوع من المسخ الذي يطغى على ساحة الحوار الوطني، وتفقد الرموز بريقها ولمعانها وتصبح عبئاً على سرديتها التي تحاول بعبثية تثبيتها
لكن
الخطاب حين يصبح بهذه الكثافة وهذا التكرار، يحمل في طياته بذور هشاشته. الإفراط
في التكرار يخلق الرتابة، والإفراط في التعبئة يخلق الشك، والادعاء باليقين المطلق
يثير التساؤل. وهكذا، تظل المعركة الحقيقية ليست فقط معركة سرديات، بل معركة حول
شرعية وسائل إنتاج المعنى نفسها، وحول قدرة المجتمع على تحمل تعدد الأصوات، وحول
إمكانية بناء ذاكرة وطنية لا تقمع تنوعها الداخلي.
في
النهاية، تبقى الذاكرة الإنسانية عصية على الهندسة الكاملة، فهي كالماء يتسرب من
بين الأصابع، تحتفظ بزوايا التحدي واللايقين. وكل محاولة لفرض سردية واحدة، مهما
كان سلطانها، ستجد في زوايا الروح الإنسانية العطشى إلى الحقيقة متسعاً للتساؤل، منفذاً
صغيراً تطل منه الشمس.
حين تفقد
الأدوات تأثيرها وأثرها تتحول الحالة الإعلامية الى نوع من المسخ الذي يطغى على
ساحة الحوار الوطني، وتفقد الرموز بريقها ولمعانها وتصبح عبئاً على سرديتها التي
تحاول بعبثية تثبيتها.
محاولات
تزييف الواقع الظاهر تنكسر تحت وطأة القهر والظلم والفقر وضغط الحياة اليومية بكل
تعقيداتها وقسوتها وألمها. ومن هنا
تتبعثر الرواية الرسمية وتبقى أثرا بعد عين وسرابا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه
لم يجده شيئا، لتستقر الحقيقة لوحة لمن عاشها وحاك خيوطها ورسم خطوطها، أملا في
مستقبل مشرق يعيد دورة التاريخ وحركة المجتمعات ومصائر الأمم إلى بعث حضاري يمتد
وحوار جامع وعالم يتسع للجميع.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.