تتابع الأنباء المثيرة للجدل حول إصرار السلطات
المصرية على استقبال سفن محملة بشحنات عسكرية تابعة للكيان الإسرائيلي المحتل، بعد رفض موانئ أوروبية لها خوفا من استخدامها في عمليات الإبادة الجماعية التي يرتكبها جيش
الاحتلال الإسرائيلي في قطاع
غزة، وجنوب
لبنان، وإيران.
وتأتي أحدث الأخبار في هذا الإطار، حول استقبال ميناء "
بورسعيد" على البحر المتوسط (شمال شرق)، الشاحنة "Angelica Maersk" المحملة بالفولاذ العسكري والتي يُشتبه أنها تابعة لجيش الاحتلال، ثم تفريغها بأرض الميناء انتظارا لتحميلها على متن الشاحنة "Maersk Wakayama" لتتوجه إلى موانئ فلسطين المحتلة.
من طنجة إلى بورسعيد
والخميس الماضي، أشارت اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة "إسرائيل" (BDS): لاحتجاز السلطات الإيطالية في خطوة غير مسبوقة شحنة فولاذ عسكري بموانئها كانت في طريقها إلى موانئ إسرائيل، مؤكدة أن شحنة الفولاذ المستخدم بصناعة الأسلحة قادمة من الهند، لإسرائيل، وتم تفريغها بميناء بورسعيد 17 حزيران/ يونيو الجاري، بعد مرورها مطلع الشهر الجاري عبر ميناء طنجة المغربي".
الحركة التي تأسست 9 تموز/ يوليو 2005، أوضحت أن الوجهة النهائية لهذه الحمولة العسكرية هي مصنع الصناعات العسكرية الإسرائيلية (IMI Systems)، المملوك لشركة (Elbit Systems)، في رامات هشارون، إحدى الشركات المصنّعة للسلاح الإسرائيلي، متوقعة مغادرة الشُحنة ميناء بورسعيد، الاثنين المقبل.
وفي تحرك رسمي، تقدمت "لجنة المحامين لدعم الشعب الفلسطيني"، الخميس، ببلاغ النائب العام المصري للتحقيق في رسو تلك الحاوية بالميناء المصري، واحتوائها موادا تستخدم لأغراض عسكرية وموجهة للصناعات العسكرية الإسرائيلية، معتبرة أن في الأمر تهديد للأمن القومي المصري والعربي، ويُظهر مصر كدولة تخالف القرارات الدولية وتساند حرب الابادة الجماعية على الفلسطينيين واللبنانيين.
اظهار أخبار متعلقة
ووفق تأكيد المحامية ماهينور المصري، طالبت اللجنة، بإصدار أمر بتجميد الشحنة بميناء بورسعيد، ومنع إعادة تحميلها على سفينة "Maersk Wakayama" التي رست هي الأخرى بالميناء في 19 حزيران/ يونيو الجاري، وإجراء تفتيش كامل ودقيق للحاويات المشتبه بها وتحديد طبيعة المواد المنقولة وفحص مواصفاتها الفنية، ومصادرة الشحنة والتحفظ عليها حال ثبتت صفتها العسكرية، وفتح تحقيق موسع لتحديد المسؤولين عن السماح بدخول هذه الشحنة.
يمكن لهذه الشحنات من الفولاذ إنتاج 15 ألف قذيفة مدفعية عيار 155 ملم، مع تزويدها برؤوس حربية من المتفجرات التقليدية والذخائر العنقودية والفوسفور الأبيض، بحسب بيان(BDS)، التي أكدت أنه بالأسابيع السبعة الأولى من حرب غزة (2023-2025)، أطلقت قوات الاحتلال 90 ألف قذيفة على القطاع، واستخدمت قذائف عيار 155 ملم في هجوم بالأسلحة الكيميائية على "يحمر" في لبنان.
وفي حين تأتي الأنباء عن استقبال ميناء بورسعيد لتلك الشحنة فقد تقدم أعضاء بمجلس النواب الإيطالي 4 استجوابات عن ذات الشحنة مطلع نيسان/أبريل الماضي، مع قرار رسمي من روما باحتجاز 27 حاوية، قادمة من الهند ومتجهة إلى دولة الاحتلال، لإجراء تفتيش رسمي.
وخلال الأسبوع الماضي، اعتصم ناشطون إسبان في المقرّ الرئيسي لشركة الشحن (MSC) في ميناء فالنسيا عقب تلقّيهم تنبيه بشأن شحنات من الفولاذ العسكري الهندي كانت تعبر عبر ميناء فالنسيا في إسبانيا.
سلسلة من التورط المصري
وليست هذه هي الشحنة الوحيدة التي استقبلتها الموانئ المصرية خلال حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على قطاع غزة، وعلى ولبنان، وخلال حربي إيران الـ12 يوما والـ40 يوما، دون أن تتخذ السلطات المصرية أية إجراءات أو تحقيقات أو ردود تنفي حقيقة استقبال موانئها لشحنات عسكرية داعمة لدولة الاحتلال، ما أثار تساؤلات محللين حول مدى وجود توافق مصري إسرائيلي في هذا الإطار، والمقابل الذي يحصل عليه النظام المصري.
وخلال حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على قطاع غزة بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وحتى ذات الشهر من 2025، جرى الكشف عن استقبال موانئ مصرية شحنات عسكرية إسرائيلية رفضت موانئ أوروبية استقبالها.
اظهار أخبار متعلقة
وفي وقائع سابقة، وفي 24 آذار/ مارس الماضي وصلت السفينة (MSC Danit) التي ترفع علم بنما والمحمّلة بفولاذ عسكري لتغذية مصانع العدو الإسرائيلي، ميناءَ أبوقير بالإسكندرية على البحر المتوسط، بعد أن بعد توقفت 3 أيام بميناء "سينيش" البرتغالي، وقبل أن تواجه صعوبات في الرسوّ بموانئ إسبانيا وإيطاليا واليونان وتركيا بسبب احتجاجات نشطاء تلك الدول.
حينها قامت سفنا تابعة للشركة السويسرية بنقل 23 حاوية تحمل نحو 600 طن من الفولاذ العسكري من الهند لإسرائيل، تستخدم لإنتاج 13 ألف قذيفة مدفعية عيار 155 ملم، وسط احتجاجات في دول عدة ووسط صمت مصري تام.
وفي 22 كانون الأول/ ديسمبر 2025، وعقب رفض عدة دول، رست سفينة الشحن "هولغر جي" (Holger G) بميناء بورسعيد، وهي تحمل 440 طنا من المعدات العسكرية ومكونات قذائف الهاون والصلب العسكري قادمة من الهند، إلى ميناء حيفا، لنقلها لشركة (Elbit Systems) الإسرائيلية، إحدى أكبر مزوّدي جيش الاحتلال بالسلاح.
ورست السفينة "MV Kathrin"، بميناء الإسكندرية في تشرين الأول/أكتوبر 2024، بعد رفض مالطا وناميبيا وأنغولا استقبالها، بينما كانت محملة بـ150 ألف كيلوغرام من مادة (RDX)، لشركة "Elbit Systems" الإسرائيلية لتستخدمها بتصنيع القنابل وقذائف الهاون والصواريخ لقصف غزة ولبنان.
وكشف موقع "port2port" العبري، في أيار/مايو 2024، أن شركة الشحن "Medkon Lines" قررت إنشاء خطين ملاحيين يربط الأول: ميناء رافينا الإيطالي بميناء الإسكندرية وموانئ أشدود وحيفا، فيما يربط الثاني الموانئ المصرية مباشرة بالموانئ الإسرائيلية.
وفي شباط/ فبراير 2024، جرى رصد قيام سفينة الحاويات "بي إيه إن جي جي" (PAN GG) التي ترفع العلم المصري، بـ25 رحلة متتابعة من ميناء "بورسعيد" وميناء "الدخيلة" بالإسكندرية إلى ميناء أشدود الإسرائيلي مدة عام خلال حرب طوفان الأقصى.
وفي 11 أيار/ مايو الماضي، دعا رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، شركة الشحن الفرنسية العملاقة (CMA CGM)، المتورطة في نقل إمدادات ومعدات لجيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب "طوفان الأقصى"، لتوسيع استثماراتها بالموانئ المصرية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تمس الأمن القومي.
وذلك برغم أن الشركة الفرنسية، لديها تعاملات تجارية واسعة في مجال الشحن مع إسرائيل، وتخدم موانئ "أشدود" و"حيفا" بالأراضي الفلسطينية المحتلة على البحر المتوسط، بجانب عقدها شراكة وشركة الشحن الوطنية الإسرائيلية الناقل الرئيسي للمعدات اللوجستية للجيش الإسرائيلي "زيم".
ويمثل السماح برسو أو إعادة شحن بضائع عسكرية لإسرائيل انتهاكا لقرارات محكمة العدل الدولية، والجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 أيلول/سبتمبر 2024، والمحكمة الجنائية الدولية بشأن الجرائم الدولية التي يرتكبها قادة الجيش الإسرائيلي.
تمرير وغض طرف بمقابل
وفي إجابته على السؤال: "هل تكشف شحنات السفن العابرة للموانئ المصرية عن دور غير مباشر في حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة و لبنان؟"، تحدث الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية الدكتور سعيد عفيفي، لـ"عربي21".
وقال: "لا تُعد هذه الواقعة الأولى من نوعها، إذ سبق أن أثيرت تساؤلات بشأن مرور سفن وشحنات عبر موانئ في المنطقة خلال الحرب الدائرة في قطاع غزة، وما رافقها من عمليات عسكرية امتدت إلى لبنان، وفي ظل التوتر العسكري مع إيران؛ غير أن السلطات المصرية لم تعلن، حتى الآن، بالرغم من تأكيد أن تلك الشحنات كانت مخصصة لدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية بالمخالفة لكافة المواثيق الدولية".
اظهار أخبار متعلقة
وحول احتمال ارتباط سماح مصر برسو تلك السفن بموانئها باستمرار وتمرير المساعدات العسكرية الأمريكية أو غض الطرف الإسرائيلي عن تواجد الجيش المصري في سيناء، يرى أن "استمرار التعاون العسكري بين القاهرة وواشنطن، وما يرافقه من مساعدات عسكرية سنوية، إضافة إلى التنسيق الأمني المتعلق بسيناء في إطار ما يسمى بمعاهدة السلام، قد يشكل جزءاً من البيئة السياسية التي تؤثر في قرارات السيسي".
السياسي المصري المعارض وعضو "تكنوقراط مصر"، يعتقد أن "هناك صفقة مباشرة تقوم على السماح بمرور شحنات عسكرية مقابل استمرار المساعدات الأمريكية أو مقابل ترتيبات خاصة بالوجود العسكري المصري في سيناء، و الدليل على ذلك مرور سفينة عسكرية من قناة السويس تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أثناء المجازر المرتكبة في سيناء وترفع العلم الإسرائيلي وقد تم تصويرها علناً".
المسؤولية القانونية والالتزامات الدولية
يعتقد عفيفي، أنه "إذا ثبت -عبر تحقيقات مستقلة وموثقة- أن دولة ما سمحت بعبور أو تقديم تسهيلات لوجستية لشحنات عسكرية تُستخدم في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني كحرب الإبادة التي تُرتكب بحق أهل غزة، فإن ذلك قد يثير تساؤلات قانونية حول مدى توافق هذه الممارسات مع الالتزامات الدولية، خاصة في ضوء اتفاقيات جنيف والقواعد المتعلقة بمنع المساعدة في ارتكاب جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية".
واستدرك بقوله: "لكن من الناحية القانونية، فإن مجرد عبور سفينة أو رسوها في أحد الموانئ لا يكفي وحده لإثبات المسؤولية، إذ يتطلب الأمر أدلة تثبت طبيعة الشحنة، والجهة المستفيدة منها، وعلم السلطات المختصة بالغرض العسكري للشحنة، إضافة إلى وجود علاقة مباشرة بين تلك المواد والعمليات العسكرية محل الاتهام".
وفي تفسيره لأسباب سماح دولة بمرور مثل هذه الشحنات، أوضح أن هناك عدة تفسيرات محتملة، دون أن تكون هناك أدلة علنية تثبت أياً منها، من بينها: "الالتزام باتفاقيات الملاحة الدولية، وعدم وجود أساس قانوني لمنع مرور السفن إذا لم تكن الشحنة محظورة أو خاضعة لعقوبات".
أو "الحفاظ على العلاقات السياسية والعسكرية مع أمريكا والدول الغربية، وما يرتبط بها من تعاون أمني وعسكري، ومراعاة الترتيبات الأمنية والإقليمية المنبثقة عن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وذلك إلى جانب اعتبارات اقتصادية وتجارية مرتبطة بحركة الموانئ وسلاسل الإمداد العالمية".
الحاجة إلى الشفافية
ويرى عفيفي، أنه "في ظل استمرار الجدل، تبدو الحاجة ملحة إلى تحقيقات رسمية شفافة تكشف حقيقة الشحنات المتداولة، وتوضح للرأي العام طبيعتها ووجهتها ومدى توافقها مع القانون المصري والالتزامات الدولية؛ كما أن إعلان نتائج أي تحقيق من شأنه أن يبدد الشائعات إذا كانت غير صحيحة، أو يحدد المسؤوليات إذا ثبت وقوع مخالفات".
وخلص للقول إن "القضايا المتعلقة بمرور شحنات ذات استخدام عسكري عبر الموانئ تظل من الملفات الحساسة التي تستوجب أعلى درجات الشفافية والرقابة، لما قد يترتب عليها من آثار سياسية وقانونية وإنسانية تتجاوز حدود الدولة الواحدة؛ كما أنها تؤثر في نفسية الشعب المصري الذي يرفض التطبيع الشعبي مع دولة تعتبر بالنسبة للشعب المصري العدو الأول له".
من جانبها قالت حركة "الاشتراكيون الثوريون" إن "هذا ليس حادثاً عرضياً، بل حلقة في سلسلة طويلة من التواطؤ الذي تتقاسمه شركات الشحن العالمية مع موانئ المنطقة، ويصب دائماً في اتجاه تغذية الترسانة التي تقتل أهل غزة ولبنان".
وتساءلت: "إذا كان البرلمان الإيطالي يستجوب وزارة النقل بسبب 11 صندوقاً، ويفتح تحقيقاً رسمياً في 27، فلماذا يمر فولاذ الحرب من موانئنا؟، لماذا تتحول مصر، التي ما زال جيشها يحمل في ذاكرته المؤسسية حروب (الاستنزاف) و(أكتوبر)، إلى محطة عبور للمعدن الذي سيعود قذائف على رؤوس أطفال غزة؟".