المقاطعة ليست لإسقاط الاحتلال.. بل لحماية إنسانيتنا من التآكل أمام الإبادة

عدنان حميدان
"مساحة وعي مشتركة بين كل الأحرار في العالم"- جيتي
"مساحة وعي مشتركة بين كل الأحرار في العالم"- جيتي
شارك الخبر
في عالمٍ تتكشف فيه يومياً ملامح الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني على يد الاحتلال، لم يعد الحديث عن المقاطعة مجرد نقاش اقتصادي أو جدل حول جدوى الاستهلاك. القضية أعمق من ذلك بكثير، وأبعد من حدود الجغرافيا والانتماء الضيق.

نحن لا نتحدث هنا عن الفلسطيني وحده، ولا عن العربي وحده، نحن نتحدث عن كل إنسان حر في هذا العالم، وعن كل ضمير ما زال يرفض أن يتحول الدم إلى خبر عابر، وأن تتحول الإبادة إلى مشهد يومي مألوف في نشرات الأخبار بين إعلان وآخر.

من هنا، فإن المقاطعة ليست موقفاً محصوراً بقومية أو هوية بعينها، بل هي انحياز إنساني وأخلاقي شامل. انحياز ضد منظومة احتلال، وضد الشركات التي تتواطأ معها، وضد نظام عالمي يسمح باستمرار الإبادة تحت أعين الجميع.

لكن يجب أن نفهم الفكرة بوضوح أكبر: المقاطعة ليست محاولة رومانسية لإسقاط الاحتلال اقتصادياً. العالم يعرف جيداً حجم الحماية السياسية والعسكرية والاقتصادية التي يحظى بها هذا الاحتلال، ويعرف أيضاً أن الولايات المتحدة تقدم له دعماً غير محدود يجعل من فكرة "الإسقاط الاقتصادي المباشر" وحدها تصوراً غير واقعي.

هي انحياز إنساني وأخلاقي شامل. انحياز ضد منظومة احتلال، وضد الشركات التي تتواطأ معها، وضد نظام عالمي يسمح باستمرار الإبادة تحت أعين الجميع

إذن، لماذا المقاطعة؟ لأنها تحمي ما هو أهم من الاقتصاد، وتحمي الوعي، وتحمي الذاكرة، وتحمي الإنسان من أن يتعود على الإبادة.

فالاحتلال لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل يعتمد على شيء أخطر: تطبيع الجريمة في الوعي الإنساني، وجعلها جزءاً من المشهد اليومي العادي. وهنا تأتي المقاطعة كفعل مقاومة للعادة، لا للآلة وحدها.

المقاطعة تقول ببساطة: لن أكون جزءاً من هذا التطبيع، لن أسمح بأن تمر الإبادة أمامي بلا موقف، لن أتعامل مع الشركات التي تغذي منظومة الظلم وكأنها مجرد علامات تجارية محايدة.

إنها فعل يومي صغير في شكله، لكنه كبير في دلالته الأخلاقية؛ فهو يذكّر الإنسان بأنه ما زال يملك قراراً، وما زال قادراً على الانحياز، وما زال قادراً على قول "لا".

في هذا السياق، يصبح الحديث عن الظروف أكثر تعقيداً وإنسانية. فهناك من يعيش تحت الاحتلال المباشر، في واقع قاسٍ ومحاصر، حيث تتداخل الضرورات الحياتية مع تفاصيل البقاء اليومية، وهناك من يعيش خارج هذا القيد المباشر. لكن الفكرة هنا ليست في توزيع الاتهامات أو تصنيف المواقف، بل في إدراك اختلاف السياقات دون فقدان البوصلة الأخلاقية المشتركة.

فالمعيار ليس من يفعل أكثر أو أقل، بل كيف نحافظ جميعاً على موقفنا الأخلاقي من الإبادة الجارية، وكيف لا نتحول إلى متفرجين،وكيف لا نفقد القدرة على التمييز بين الظالم والمظلوم، وكيف لا تصبح الشركات المتورطة جزءاً عادياً من حياتنا اليومية دون سؤال.

أخطر ما يمكن أن يحققه الاحتلال ليس فقط استمرار جرائمه، بل نجاحه في جعل العالم يعتادها. ولهذا تصبح المقاطعة فعلاً يومياً ضد الاعتياد، وضد النسيان، وضد التبلّد الأخلاقي

إن المقاطعة، بهذا المعنى، ليست مجرد خيار استهلاكي، بل هي مساحة وعي مشتركة بين كل الأحرار في العالم، من مختلف الأديان والقوميات والانتماءات، الذين يرفضون أن تتحول الإبادة إلى أمر طبيعي.

نحن لا نقاطع لأننا نعتقد أن المقاطعة وحدها ستوقف الاحتلال، ونحن لا نقاطع لأننا نعيش وهماً بأن النظام العالمي سيتغير سريعاً، بل نقاطع لأننا نرفض أن نخسر أنفسنا، نرفض أن نخسر إنسانيتنا بالتدريج، نرفض أن نصبح قادرين على مشاهدة الإبادة دون أن يتحرك فينا شيء.

إن أخطر ما يمكن أن يحققه الاحتلال ليس فقط استمرار جرائمه، بل نجاحه في جعل العالم يعتادها. ولهذا تصبح المقاطعة فعلاً يومياً ضد الاعتياد، وضد النسيان، وضد التبلّد الأخلاقي.

هي ليست سلاحاً اقتصادياً بالدرجة الأولى، بل سلاح وعي، وسلاح الوعي هو ما يبقي القضية حية، مهما حاولت القوى الكبرى طمسها أو إعادة تعريفها.

وفي النهاية، قد لا تُغيّر المقاطعة موازين القوة في المدى القريب، لكنها تغيّر شيئاً آخر لا يقل أهمية: تغيّر الإنسان نفسه، بمنحه القدرة على الاستمرار في رؤية الحقيقة كما هي، لا كما يريد لها العالم أن تُرى، وتبقيه جزءاً من معركة أخلاقية أوسع، عنوانها البسيط: أننا ما زلنا نرفض الإبادة، وما زلنا نرفض أن نصبح جزءاً من صمتها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل