مقدمة:
جمهورية الخوف التي تخشى الضوء والعقل
في الوقت
الذي تتسابق فيه دول العالم لاجتياز فجوات التطور العلمي، وتستثمر المليارات في
تكنولوجيا أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي لبناء المستقبل، تصر السلطة العسكرية
في
مصر بقيادة عبد الفتاح السيسي على تقديم نموذج فريد، لكنه مرعب؛ نموذج يقوم على
مطاردة الكفاءات، وتجريف العقول، وإلقاء العلماء والمهندسين في غياهب السجون. إنها
مفارقة تدمي القلوب، حيث تحولت مصر في عهد السيسي من منارة جاذبة إلى سجن كبير
يضيق بكل من يحمل فكراً حراً أو تميزاً علمياً، ليصبح التفوق والنجاح العالمي تهمة
تستوجب التنكيل، بدلاً من أن تكون مدعاة للفخر والاحتفاء.
لم يعد
قمع النظام العسكري مقتصراً على المعارضين السياسيين التقليديين، بل امتد ليتوحش
وينال من الطاقات العلمية التي هاجرت لتجد لنفسها مكاناً تحت الشمس، ليعيد النظام
إنتاج "جمهورية الخوف" في أبشع صورها. وفي هذا المقال، نسلط الضوء على
فوضى
الاعتقالات التي تطال الكفاءات المصرية بالخارج بمجرد عودتها لزيارة وطنهم،
متخذين من المأساة الإنسانية والعلمية للمهندس المصري-الهولندي "عمر
الشال" نموذجاً صارخاً يكشف عداء هذا النظام الممنهج للعقل والعلم
والإنسانية، مستندين إلى الحقائق الصادمة التي وثقها التقرير الإعلامي الصادر عن
موقع "Studio 040"
تحت عنوان " Eindhoven’s Omar wastes away in Egyptian cell - A total nightmare".
عمر الشال..
قصة عبقرية مصرية خنقها زوار الفجر في مطار القاهرة
لم يعد قمع النظام العسكري مقتصراً على المعارضين السياسيين التقليديين، بل امتد ليتوحش وينال من الطاقات العلمية التي هاجرت لتجد لنفسها مكاناً تحت الشمس، ليعيد النظام إنتاج "جمهورية الخوف" في أبشع صورها
تجسد قصة
المهندس عمر الشال (33 عاماً) المقيم في مدينة آيندهوفن الهولندية المأساة الكاملة
التي يعيشها حملة الشهادات والكفاءات المصرية في الاغتراب. عمر، الذي تخرج من
جامعة آيندهوفن للتكنولوجيا (TU/e)،
نجح بفضل كفاءته الاستثنائية ومهاراته التقنية والاجتماعية في ارتقاء السلم
الوظيفي بسرعة، ليصبح في غضون سنوات قليلة في منصب إداري رفيع بشركة "ASML" العالمية، وهي الشركة
الأهم في العالم لإنتاج ماكينات صناعة رقائق أشباه الموصلات، والتي تمثل عصب
التكنولوجيا العالمية المعاصرة.
عمر الذي
اندمج في المجتمع الهولندي، وحصل على جواز السفر الهولندي بعد اجتيازه كافة
الاختبارات القانونية والمدنية، كان يعيش حياة هادئة مع زوجته "يمنى" في
شقتهما، ولم يكن يوماً ناشطاً سياسياً محترفاً، بل كان كل تركيزه منصباً على عمله
وعائلته وتأسيس مستقبل مستقر. لكن جريمته الوحيدة في نظر نظام السيسي كانت
إنسانيته؛ حيث شارك في بضع مظاهرات سلمية في
هولندا تضامناً مع القضية الفلسطينية
وضد العدوان على غزة.
وفي تشرين
الأول/أكتوبر من عام 2025، قرر عمر وزوجته السفر إلى مصر لحضور حفل زفاف أحد
الأقارب، ظناً منه أن تفوقه العلمي وجواز سفره الهولندي يحميانه من بطش النظام.
لكن المفاجأة الصادمة كانت في انتظاره بمطار القاهرة الدولي؛ حيث اعتقلته السلطات
الأمنية فور وصوله بتهمة فضفاضة ومثيرة للسخرية وهي "تدمير سمعة البلاد".
ومنذ ذلك
التاريخ، يعيش عمر كابوساً حقيقياً يمتد لعدة أشهر داخل زنزانة مصرية، تسببت في
تدهور حالته الصحية والنفسية بشكل مريع:
- تدهور
نفسي حاد: أصيب باكتئاب شديد وصدمة نفسية نتيجة التحول المفاجئ في مسار حياته من
مهندس في قمة العطاء إلى سجين معزول.
- حرمان
طبي: يعاني من آلام شديدة ومزمنة في الظهر ومشاكل حادة في الأسنان، في ظل حرمان
ممنهج من الرعاية الطبية اللازمة.
- تجاهل
القضاء: النظام القضائي لم يكترث حتى بالخطاب الرسمي الذي أرسلته إدارة شركة "ASML" العالمية، والذي تؤكد
فيه كفاءته العالية ونزاهته وأنه يمثل ركيزة هامة في الشركة.
ولم تتوقف
الكارثة عند حد الاعتقال؛ بل امتدت لتدمير حياته وحياة أسرته بالكامل نتيجة هذا
التعسف الأمني؛ فحسب الإجراءات القياسية للشركة، تم إيقاف راتب عمر نتيجة غيابه،
مما أدى إلى عجزه عن دفع مستحقات المحامين والمترجمين في مصر. ونتيجة لانقطاع
الدخل، طُردت زوجته "يمنى" من شقتهما في هولندا وباتت بلا مأوى، وغير
قادرة على العودة إلى آيندهوفن، واضطر أصدقاؤه لإخلاء الشقة في كانون الأول/
ديسمبر الماضي. هكذا، بجرّة قلم من ضابط أمن في مطار القاهرة، حُطمت حياة مهندس
عبقري وشُردت أسرته.
تجريف
العقول المنظم: لماذا يرتعد النظام العسكري من العلماء والمهندسين؟
إن حالة
المهندس عمر الشال ليست حالة فردية أو خطأ إدارياً، بل هي سياسة ممنهجة يتبعها
نظام السيسي تقوم على "تجريف العقول". يثور هنا تساؤل جوهري: لماذا يخشى
النظام العسكري العلماء والمهندسين وأصحاب الكفاءات؟
إن
الأنظمة الاستبدادية، بطبيعتها، تبنى شرعيتها على الجهل، والولاء الأعمى، وتسطيح
الوعي العام. المهندس والمدير في شركة تكنولوجية عالمية مثل "ASML" يمتلك عقلية نقدية، وبنية تفكيرية
منظمة تقوم على المنطق، والبحث عن الأسباب، ورفض الفوضى؛ وهذه الصفات بالذات هي
العدو الأول لحكم الفرد العسكري. النظام يرى في كل مصري نجح في الخارج تفوقاً على
منظومته محلياً، ويرى في استقلاليتهم المادية والفكرية خطراً على سردية
"الإنجازات الوهمية" التي لا تتقن سوى بناء السجون ومشاريع الكباري غير
المدروسة اقتصادياً.
إن استمرار الصمت الدولي والصمت الشعبي على هذه الانتهاكات لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخراب والانهيار المعرفي
بالإضافة
إلى ذلك، تكشف هذه الواقعة عن خذلان دبلوماسي غربي لافت وغياب الجدية؛ إذ يظهر
بوضوح كيف قوبلت قضية عمر ببرود ومماطلة من وزارة الخارجية الهولندية وسفارتها في
القاهرة، مقارنة بالتدخلات الفورية والحاسمة التي تبديها سفارات دول أخرى مثل
ألمانيا وإسبانيا وكندا لحماية مواطنيها المحتجزين. يبدو أن المصالح الجيوسياسية
والاقتصادية لبعض الدول الغربية مع نظام السيسي تجعلها تضحي أحياناً بحقوق
مواطنيها من أصول عربية، مما يمنح النظام الضوء الأخضر للاستمرار في غيه دون خوف
من عواقب دبلوماسية حقيقية.
إن اعتقال
مهندسي النانو تكنولوجي وأشباه الموصلات بتهمة "تشويه السمعة" يعكس قمة
العبث والإنكار؛ فالذي يشوه سمعة مصر حقيقة ليس شاباً عبّر عن رأيه إنسانيا في
هولندا، بل نظام يودع النخب العلمية في الزنازين، ويسلم إدارة مفاصل الدولة
الحيوية لمن يفتقرون للخبرة والكفاءة، ويدمر المنظومة التعليمية والصحية حتى أصبحت
الهجرة حلم كل شاب مصري.
ختام: وطن
يسجن بناته.. لن يرى النور
إن الدولة
التي تسجن مهندسيها وعلمائها وتحارب الذكاء وتكافئ النفاق، هي دولة تكتب بيديها
شهادة وفاتها الحضارية والاقتصادية. لا يمكن لبلد أن ينهض في القرن الحادي
والعشرين وهو يطارد بناة المستقبل، ويحول منصات المطارات من بوابات لاستقبال
الكفاءات إلى فخاخ لاعتقالهم. إن استمرار الصمت الدولي والصمت الشعبي على هذه
الانتهاكات لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخراب والانهيار المعرفي. عمر الشال يجب أن
يطلق سراحه فوراً، ومعه كل العقول المبدعة المحبوسة خلف أسوار القمع، لأن مكان
هؤلاء هو المختبرات ومراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا، وليس الزنازين المظلمة
المحرومة من الرعاية الإنسانية والطبية.
سؤال
للقراء:
إلى متى
تستمر الحكومات الغربية في التضحية بحقوق ومستقبل مواطنيها من حملة الجنسيات
المزدوجة مقابل حسابات سياسية ضيقة مع نظام يقمع العلم والكفاءات؟ وكيف يمكن لمصر
أن تحقق نهضة تكنولوجية حقيقية بينما يواجه علماؤها العائدون غياهب السجون بتهم
فضفاضة؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.