من "إسقاط النظام" إلى "فتح المضيق": إيران تفرض شروطها وتثبّت جبهة لبنان

عبد الرحمن مجدي الحداد
"تظل البنود هي الحَكم الحقيقي للإجابة عن السؤال الجوهري: من المنتصر في هذه الحرب؟"- جيتي
"تظل البنود هي الحَكم الحقيقي للإجابة عن السؤال الجوهري: من المنتصر في هذه الحرب؟"- جيتي
شارك الخبر
بعد قرابة الأربعة أشهر من الملاحقة العسكرية والشد والجذب في الحرب الأخيرة على إيران، أطل رئيس الوزراء الباكستاني في الرابع عشر من حزيران/ يونيو ليعلن التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب بين واشنطن وطهران، إعلانٌ سرعان ما ثبّته دونالد ترامب بتغريدة على منصته "تروث سوشيال"، زافاً لبورصات الطاقة والملاحة نبأ فتح مضيق هرمز، ومطلقاً الإشارة للسفن لتشغيل محركاتها والعبور بأمان.

لكن خلف غبار التغريدات واستعراضات النصر التي يحاول كل طرف تسويقها لجمهوره الداخلي، تظل البنود هي الحَكم الحقيقي للإجابة عن السؤال الجوهري: من المنتصر في هذه الحرب؟

للإجابة، يكفي أن نراقب التراجع الحاد في سقف الأهداف الأمريكية؛ فقبل أربعة أشهر، دخل ترامب المواجهة بشعار إسقاط النظام الإيراني، وتدمير برنامجها النووي، وتفكيك ترسانة صواريخها الباليستية. وفجأة، تقلصت كل هذه الطموحات لتنحصر في هدف واحد يتيم: "إعادة فتح مضيق هرمز".. المفارقة هنا أن المضيق كان مفتوحاً ومؤمناً قبل الحرب أصلاً، ولم يغلق إلا كرد فعل إيراني على الهجوم، بل إن إيران استغلت المعركة لتوسيع نفوذها ومساحتها المائية؛ مما يعني أن واشنطن خاضت حرباً لتسترد وضعاً كان قائماً، بينما خرجت طهران بمكاسب استراتيجية جديدة جرى تثبيتها في بنود الاتفاق.

واشنطن خاضت حرباً لتسترد وضعاً كان قائماً، بينما خرجت طهران بمكاسب استراتيجية جديدة جرى تثبيتها في بنود الاتفاق

عند تفكيك الالتزامات المتبادلة، نجد أن إيران لم تقدم سوى تعهدين: فتح المضيق خلال 30 يوماً، وتأكيد التزامها بعدم امتلاك سلاح نووي (وهو موقفها المعلن تاريخياً). في المقابل، جاءت الالتزامات الأمريكية كفاتورة باهظة الثمن؛ إذ أُلزمت واشنطن بوقف كامل للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك جبهة لبنان التي حاولت تل أبيب وواشنطن مراراً فصلها عن المسار الإيراني، بالإضافة إلى التعهد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، ورفع الحصار البحري، وتعليق العقوبات المفروضة على قطاعي النفط والبتروكيماويات، ومنح طهران وصولاً كاملاً وغير مشروط لعائداتها المالية.

أما البند الأكثر إثارة للتهكم السياسي، والذي يضع ترامب في نفس المربع الذي طالما هاجم فيه سلفه باراك أوباما، فهو الموافقة على الإفراج عن 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة خلال فترة التفاوض لدعم برنامجها النووي السلمي. المفارقة هنا صارخة؛ فترامب الذي بنى جزءاً من أمجاده السياسية على انتقاد أوباما وإدانته للإفراج عن الأموال المجمدة لطهران في اتفاق 2015، يجد نفسه اليوم مجبراً على توقيع نفس الصك والإفراج عن المليارات تحت ضغط الجغرافيا وعناد الآلة العسكرية الإيرانية.

إن الشروط في مجملها جاءت مطابقة لدفتر المطالب الإيراني، لكن الاختراق الأكبر يتجسد في "الرابط اللبناني"؛ فحسب المسؤولين الإيرانيين، ذُكر لبنان في نص الاتفاق ثلاث مرات، ما بين نص على وقف العدوان الإسرائيلي وضرورة انسحاب جيش الاحتلال من الأراضي اللبنانية.

من الناحية النظرية، قد يبدو من المتسرع إعلان فوز طرف قبل جفاف حبر البنود، لكن القراءة الواقعية للمشهد تؤكد أن إيران خرجت هي الرابح الأكبر. لقد حققت طهران شروطها كاملة من رفع العقوبات والحصار إلى استرداد أموالها، والأهم من كل ذلك أنها فرضت ذِكر لبنان في صلب الاتفاق الأمريكي، وهو ما يثبت عملياً وميدانياً نجاح معادلة "وحدة الساحات". لقد أثبتت هذه الأيام الأربعة أشهر أن إيران كانت الطرف الذي يملي شروطه، سواء على طاولة المفاوضات أو وسط ألسنة لهب الحرب.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)