من وحدة التنظيم إلى وحدة المشروع: رؤية لتجاوز الانقسام واستعادة الفاعلية داخل جماعة الإخوان المسلمين

محمد عماد صابر
"التنظيم ليس غاية في ذاته، بل أداة لخدمة المشروع"- صفحة الإخوان
"التنظيم ليس غاية في ذاته، بل أداة لخدمة المشروع"- صفحة الإخوان
شارك الخبر
على امتداد تاريخها الممتد لأكثر من ثمانية عقود، واجهت جماعة الإخوان المسلمين تحديات جساماً واختبارات قاسية، لكنها ظلت قادرة على تجاوز الكثير منها بفضل قوة الفكرة، ووضوح الرسالة، وحضور المشروع الذي جمع أبناءها حول أهداف كبرى تتجاوز الأشخاص والمواقع والهياكل التنظيمية.

غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن أزمة أعمق من مجرد خلافات إدارية أو تنظيمية؛ أزمة تتعلق بكيفية إدارة التعدد داخل الجماعة، وبالعلاقة بين التنظيم والمشروع، وبين الوسيلة والغاية، وبين المحافظة على البناء المؤسسي والاستجابة لمتطلبات الواقع المتغير.

لقد أفرزت التحولات الكبرى التي أعقبت عام 2013 واقعاً جديداً لم تعهده الجماعة من قبل. فالتحديات الأمنية والسياسية، وتشتت الكوادر في بلدان متعددة، وتغير أولويات الأجيال الجديدة، كلها عوامل فرضت أسئلة صعبة لم تعد الإجابات التقليدية كافية للتعامل معها. وفي ظل هذه الظروف ظهرت اجتهادات متعددة حول أولويات المرحلة، وآليات الإدارة، ومسارات العمل المستقبلية.

ولأن الاختلاف في ذاته ليس أزمة، فإن المشكلة الحقيقية لم تكن في وجود رؤى متنوعة، بل في تحول بعض الخلافات إلى حالة استقطاب أضعفت المساحات المشتركة، وأعادت تعريف العلاقة بين الأطراف المختلفة باعتبارها علاقة تنافس على الشرعية أو النفوذ، بدلاً من كونها علاقة شراكة داخل مشروع واحد.

المشكلة الحقيقية لم تكن في وجود رؤى متنوعة، بل في تحول بعض الخلافات إلى حالة استقطاب أضعفت المساحات المشتركة، وأعادت تعريف العلاقة بين الأطراف المختلفة باعتبارها علاقة تنافس على الشرعية أو النفوذ، بدلاً من كونها علاقة شراكة داخل مشروع واحد

وهنا يبرز سؤال محوري: هل يمكن الحفاظ على وحدة الجماعة من خلال الإصرار على وحدة التنظيم وحدها؟ أم أن المرحلة تستدعي الانتقال إلى مفهوم أوسع وأعمق هو "وحدة المشروع"؟

إن وحدة التنظيم كانت تاريخياً إحدى أدوات الحفاظ على تماسك الجماعة، لكنها لم تكن يوماً الهدف في حد ذاته، فالهدف كان دائماً خدمة الرسالة وتحقيق مقاصد المشروع الإصلاحي. وعندما تتحول الأداة إلى غاية، يصبح الحفاظ على الشكل التنظيمي مقدماً على الحفاظ على الروح التي أنشأت هذا التنظيم من الأصل.

إن وحدة المشروع لا تعني التفريط في المؤسسات أو تجاوز الأطر التنظيمية، لكنها تعني إدراك أن ما يجمع أبناء الجماعة أكبر من الخلافات القائمة بينهم. فالمرجعية الفكرية الواحدة، والتاريخ المشترك، والتضحيات الممتدة، والانتماء إلى مشروع إصلاحي جامع، كلها عناصر تجعل مساحة الاتفاق أوسع بكثير من مساحة الخلاف.

ومن هنا فإن أي مقاربة جادة لمعالجة الانقسام الداخلي ينبغي أن تنطلق من إعادة تعريف الأولويات. فبدلاً من الانشغال بالسؤال: "من يمثل الجماعة؟" يصبح السؤال الأهم: "كيف نحافظ على المشروع ونطوره ونجعله أكثر قدرة على خدمة الأمة؟".

إن التحديات التي تواجه الأمة اليوم -من الاستبداد السياسي إلى التراجع الحضاري، ومن الأزمات الاقتصادية إلى التفكك المجتمعي- أكبر من أن تسمح باستمرار استنزاف الطاقات في صراعات داخلية. كما أن الأجيال الجديدة التي تنظر إلى الجماعة اليوم لا تنشغل كثيراً بالتفاصيل التنظيمية بقدر اهتمامها بقدرة المشروع على تقديم رؤية للمستقبل وإنتاج حلول للواقع.

لذلك فإن الحاجة باتت ملحة إلى بناء عقد داخلي جديد يقوم على عدة مرتكزات:

أولاً: الاعتراف بشرعية التنوع والاجتهاد داخل الجماعة، باعتباره ظاهرة صحية ما دام منضبطاً بالثوابت والأهداف العامة.

ثانياً: الفصل بين الثوابت والمتغيرات، بحيث تبقى الرسالة والمبادئ محل اتفاق، بينما تظل الوسائل والآليات مجالاً للاجتهاد والنقاش.

ثالثاً: ترسيخ ثقافة الشراكة بدلاً من ثقافة الغلبة، والإيمان بأن أي طرف لا يستطيع بمفرده حمل أعباء المرحلة أو احتكار تمثيل المشروع.

رابعاً: تعزيز المؤسسية والشفافية وآليات الحوار الداخلي، بما يضمن معالجة الخلافات قبل تحولها إلى أزمات ممتدة.

خامساً: إعادة توجيه الطاقات نحو القضايا الكبرى التي تهم الأمة والمجتمع، بدلاً من استهلاكها في النزاعات البينية.

إن الجماعات والأحزاب والحركات لا تُقاس فقط بقدرتها على الحفاظ على بنيتها التنظيمية، بل بقدرتها على تجديد نفسها واستيعاب التحولات من حولها. والحركات التي تنجح في ذلك هي التي تدرك أن قوة المشروع تكمن في مرونته وقدرته على استيعاب التعدد، لا في فرض التماثل الكامل بين أفراده.

لحركة جزء من المشروع وليست المشروع كله، والمشروع الحضاري أوسع من التنظيم، وأوسع من الحزب، وأوسع من الجماعة، وأوسع من الدولة نفسها، إنه مشروع أمة تشارك فيه كل الطاقات والكفاءات والتيارات المخلصة

واليوم تقف جماعة الإخوان المسلمين أمام فرصة تاريخية لمراجعة تجربتها الداخلية والانطلاق نحو صيغة أكثر اتساعاً وشمولاً، صيغة تجعل وحدة الهدف والرسالة هي المرجعية العليا، وتجعل التنظيم أداة لخدمة المشروع لا بديلاً عنه.

فحين ترتفع الرسالة فوق الأشخاص، ويعلو المشروع فوق الخلافات، وتصبح مصلحة الفكرة مقدمة على المصالح الجزئية، يمكن للجماعة أن تتحول من حالة إدارة الانقسام إلى حالة بناء التوافق، ومن استهلاك الماضي إلى صناعة المستقبل.

إن الطريق إلى استعادة الفاعلية لا يبدأ بحسم الخلاف لصالح طرف على حساب آخر، بل يبدأ بإدراك الجميع أن انتصار أي طرف داخل الجماعة لا يساوي شيئاً إذا خسر المشروع ذاته. أما حين ينتصر المشروع، فإن الجميع يكونون شركاء في هذا الانتصار.

الخلاصة:

- التنظيم ليس غاية في ذاته، بل أداة لخدمة المشروع. وينبغي أن ننتقل من عقلية المحافظة على التنظيم إلى عقلية خدمة الرسالة، كما يجب أن تتكامل الأدوار بين الحركات الإسلامية وفي القلب منها: "الإخوان"، والعلماء والمفكرين والمؤسسات المدنية والاقتصادية والإعلامية والتعليمية، بدل أن يعمل كل طرف بمعزل عن الآخر.

- الانتقال من مفهوم "الحركة الإسلامية" إلى مفهوم "المشروع الإسلامي الحضاري". فالحركة جزء من المشروع وليست المشروع كله، والمشروع الحضاري أوسع من التنظيم، وأوسع من الحزب، وأوسع من الجماعة، وأوسع من الدولة نفسها، إنه مشروع أمة تشارك فيه كل الطاقات والكفاءات والتيارات المخلصة.

- المرحلة القادمة تحتاج إلى مراجعة عميقة في ثلاث دوائر متلازمة: مراجعة فكرية تعيد ترتيب الأولويات، ومراجعة تنظيمية تجعل المؤسسات أكثر مرونة وانفتاحاً، ومراجعة عملية تركز على صناعة الإنجازات المتراكمة بدل الانشغال الدائم بإدارة الأزمات.

- مشكلتنا اليوم ليست غياب الرؤية فقط، وليست انقسام التنظيم فقط، وإنما غياب الجسر الذي يربط بين الرؤية والواقع. ولذلك فإن أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة هو بناء خطة عمل حضارية واضحة، تحدد دور الفرد، ودور المؤسسات المدنية المستقلة، ودور الحركة، ودور الأمة، وتحوّل الأفكار المتراكمة عبر عقود طويلة إلى واقع ملموس يمكن للأجيال القادمة أن تبني عليه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)