في يوم اثنين غائم في أول أيام ذي الحجة،
تلبدت سماء "دن بوش" بغيوم رمادية سوداء كثيفة، ولم تكن نفسي بأقل منها
قتامة وانقباضا. يسير المرء وعقله مثقل بجراح الإنسانية، وإذ ضقت ذرعا بما أراه من
تنامٍ لنزعات التفرقة والعنصرية، كتبت منشورا أستنكر فيه ما يلقاه المهاجرون من
أفريقيا
جنوب الصحراء في
تونس من تهميش وإذلال، وافتراء وتنكيل. فما كان من امرأة إلا أن
ردت بمقطع فيديو يشتكي فيه سكان من جهة صفاقس أعمال عنف وسرقة ارتكبها بعض
اللاجئين. وهو لعمري أمر أفهم سياقه الاجتماعي، وتتفهمه قبل ذلك كل الشرائع
السماوية والنواميس الوضعية في الأرض: فمن يسرق لسد رمقه ليحيا، فلا جناح عليه،
فالجوع لا دين له ولا وطن، وقد علّمنا الفاروق عمر بن الخطاب أن "لو كان
الفقر رجلا لقتلته".
لكن النصال الباردة الحقيقية جاءتني في
عتمة الرسائل الخاصة، حيث كتب لي أحدهم بصلف فاشي أعمى: "وطني قبل بطني.. لن
نسمح لهذا الجراد أن يستبيح أرضنا!". استوقفتني بشدة لفظة "الجراد"؛
فالفاشية عبر التاريخ تبدأ دائما من هنا: بنزع الإنسانية عن الضحية، وتحويل
الإنسان إلى "حشرة" أو "آفة" وجب إبادتها لتسهيل تصفيتها
أخلاقيا وجسديا دون شعور بالذنب.
يحدث هذا كله، والجرح لما يندمل بعد من
وقع الصدمة التي تملكتني في بلدة "لووزدراخت" (Loosrect)
الهولندية؛ هناك حيث أضرمت عصابات فاشية النار في دار لإيواء طالبي اللجوء، ثم
تعمدوا قطع الطريق في وجه سيارات الإطفاء ورجال الإسعاف. إنه عنف ممنهج، دُبّر
بليل بدم بارد وسبق إصرار وترصد. وللتوضيح هنا: لا صلة لهذه الفلول الفاشية بمخاوف
السكان الحقيقية، ولا بحقهم المكفول في الاحتجاج السلمي. لم تكن تلك هبّة
احتجاجية، بل كانت إرهابا عاريا من كل مروءة. وفي ذات السياق أقول نفس الشيء عن مخاوف
التونسيين الحقيقية من تدفق اللاجئين بعيدا عن لغة الشعبوية والتحريض.
لا صلة لهذه الفلول الفاشية بمخاوف السكان الحقيقية، ولا بحقهم المكفول في الاحتجاج السلمي. لم تكن تلك هبّة احتجاجية، بل كانت إرهابا عاريا من كل مروءة. وفي ذات السياق أقول نفس الشيء عن مخاوف التونسيين الحقيقية من تدفق اللاجئين بعيدا عن لغة الشعبوية والتحريض
إن لحملات التحريض وجوها شتى ومنابر عديدة،
والنفاق يجد دائما سبيله بينها دون عناء. خذ عندك مثلا ذلك "المؤثر"
التونسي الذائع الصيت؛ ديدنه الطواف في آفاق الأرض لينظر في شاشاته بكلمات معسولة
عن "إنسانيتنا المشتركة"، فإذا به ينقلب فجأة وبشراسة عمياء على
الأفارقة، صارخا بملء فيه: "ليعودوا جميعا إلى أفريقيا!". لم أملك نفسي
من ضحكة كافرة بهذا الجهل المطبق؛ فالرجل ينفث سمه هذا وهو قابع في تونس.. وتونس هي
قلب أفريقيا النابض التي منحت القارة اسمها! تذكرت على الفور مقطعا هولنديا عبثيا
لفاشي بائس كان يصيح بأعلى صوته مطالبا المغاربة بـ"العودة إلى إسطنبول".
هو عينه العمى الجغرافي، يخرج من مشكاة الكراهية والغل ذاتها.
وعلى أي حال، لا نحتاج إلى البحث بعيدا
لرصد هذه المعايير المزدوجة؛ فلدينا هنا في
هولندا نماذجنا الخاصة. انظر مثلا إلى
طائفة "مدعي الإنسانية من ركاب الدراجات المترفة" (bakfiets-umanist)
القاطنين في الضواحي المخملية الباذخة. تجد أحدهم يوم الأحد ممتلئا حماسة وهو يوقع
العرائض الرقمية نصرة لحقوق اللاجئين، ولكن ما إن يلوح في الأفق مقترح لإنشاء مركز
إيواء طارئ في جوار داره، حتى تراه في طليعة المحتشدين أمام مجلس البلدية، يتباكى
جزعا على "انخفاض القيمة السوقية لعقاره". ما أسهل التغني بحقوق
الإنسان، ولكن شريطة أن تمارس على بعد أميال من بيته!
وعلى ذات النسق، ماذا عن الأصوات المتشدقة
بالتقدمية؟ في تونس، لا تتحرج ناشطة نسوية بارزة (يفيض ثغرها عادة بشعارات حقوق
المرأة والتضامن الأممي) من اعتلاء المنصات لتنفث سمومها، واصفة الأمهات الأفريقيات
وأطفالهن الصغار بـ"القذارة" و"الأمراض". وهي في مسلكها هذا،
مرآة صقيلة تعكس زيف "مثقفي الصالونات والبرامج الحوارية" هنا في
هولندا؛ أولئك الذين ينظّرون بورع زائف فوق مقاعدهم الوثيرة عن "القيم الأوروبية"،
بينما يباركون في الوقت عينه صفقات الحدود المخزية مع الأنظمة الديكتاتورية، لصد
أولئك الأمهات والأطفال وإبقائهم خلف الأبواب المغلقة. يبدو أن مواثيق التضامن تسقط
وتتبدد، بمجرد أن يختلف لون بشرة الضحية!
قبل عامين، تملّكني الذعر وأنا أتابع
مقاطع مصورة لرجل في الشمال الغربي التونسي وهو "يطارد" الأفارقة مطاردة
الكواسر لبغاث الطير، ليقتادهم قسرا إلى مخافر الشرطة تمهيدا لترحيلهم، مهددا
إياهم بمضرب بيسبول وسيف مصلت. لقد أذاق ذلك النذل بشرا مستضعفين رعبا تزيغ منه
الأبصار. كما لن أنسى صورة ذلك الإمام الشهير.. لقد تبنى الخطاب التحريضي ذاته
الذي راج في صفاقس، ملتفا على شنيع فعلته بعبارات مخاتلة: "لم أقل نكّلوا
بهم، بل قلت أخرجوهم من ديارنا واجمعوهم في صعيد واحد حتى تقبض عليهم الشرطة".
واستجاب العامة لأمره! فساقوا المئات منهم
وفيهم نساء معيلات وأطفال رضع، إلى الساحات ثم رحّلهم البوليس إلى تيه الصحراء
القاحلة الممتدة بين تونس وليبيا، وخلفهم هناك يواجهون حتفهم غرقا في رمالها
الحارقة. ثم تجد هذا الإمام نفسه، يرتقي منبر رسول الله في صلاة الجمعة بخشوع متكلف،
ليحدث المصلين بنبرة متهدجة وعبرات مسكوبة عن بلال بن رباح، ذلك العبد الأسود في
بطحاء مكة، الذي انتفض لكرامته وإيمانه في وجه جلاديه، فكانوا يطرحونه ظهيرا تحت هجير
شمس الصحراء اللاهبة، ويضعون الصخرة الصماء فوق صدره العاري، فلا يزيد على أن يقرع
غطرستهم بصرخته الخالدة العاصية على الفناء: "أحد أحد". يروي الإمام هذه
الملحمة والدمع ملء مآقيه، لكنه يصاب ببكم مطبق، ويخرس تماما عن ذكر "بلالات
العصر" من أفارقة جنوب الصحراء، الذين يتغرضون اليوم لأبشع ألوان
العنصرية،
وبأيدي أبناء جلدته ورعيته وبتحريض رخيص منه!
إن حملات التحريض تتشابه جيناتها أينما
حلت؛ ففي تونس نبشت من هرم السلطة. رئيس البلاد نفسه بات يقتات على خطابات المؤامرة،
فخرج يجيّش العامة ضد الأفارقة بزعم أن ثمة "مخططا خفيا لتوطينهم وتغيير
التركيبة الديمغرافية والهوية الثقافية للبلاد". هذا الخطاب هو نفس خطاب اليمين
المتطرف الأوروبي، والفرق الوحيد بينهما هو تقاطع الجغرافيا. إن كل مأساة في
التاريخ، وكل حمام دم، يبتدئ هكذا: بتحريض سياسي، وإعلامي، وديني؛ بإيهام الدهماء
بأن "الآخر" المختلف قادم لاستلاب أرضنا، وسرقة رغيف خبزنا.
والمفارقة السريالية المقيتة في هذا
المشهد، هي أن تمدد الأفارقة بهذه الأعداد في تونس، ما هو إلا نتاج قسري لسياسات
وتفاهمات إقصائية أُبرمت في الغرف المغلقة بين السلطة التونسية والاتحاد الأوروبي.
وأعني بها الزيارات المكوكية لعرّابي القرار الأوروبي (مثل مارك روته وجورجيا ميلوني)
إلى تونس لعقد صفقات غايتها اتخاذ البلاد كـ"مصدات بشرية" وحارس مقبرة
للهجرة. لم يأتوا حبا في تونس وشعبها، بل ليحولوا هذا البلد المكلوم إلى
"رواق انتظار كئيب" لمنع التدفق نحو الفردوس الأوروبي المزعوم.
بعد أن ارتدت في وجوه المهاجرين سبل العبور، يجني الرئيس التونسي الشعبوي الأرباح مضاعفة: تارة بالمال نقدا، كثمن لغض الطرف الأوروبي عن تقويضه لمؤسسات الديمقراطية وملئه السجون بالمعارضين، وتارة أخرى باستثماره في الخطاب الشعبوي محليا
والآن، بعد أن ارتدت في وجوه
المهاجرين
سبل العبور، يجني الرئيس التونسي الشعبوي الأرباح مضاعفة: تارة بالمال نقدا، كثمن
لغض الطرف الأوروبي عن تقويضه لمؤسسات الديمقراطية وملئه السجون بالمعارضين، وتارة
أخرى باستثماره في الخطاب الشعبوي محليا، مدعيا أن هؤلاء المستضعفين جاءوا لاحتلال
بلاده!
الضحية في هذه الملهاة والمأساة واحد:
إنسان أفريقي مسحوق، سُلبت حقوقه وسرقت خيرات أرضه ودمرت أحلامه، ولا يزال يرزح
تحت وطأة مخلفات الاستعمار. والجلاد هو الغرب الذي ما انفك ينهب ثروات القارة
السمراء ويحرس عروش ديكتاتورياتها، والأنظمة المحلية التي تبيع الوهم لشعوبها.
وغدا، حين يوارى العنصريون والجلادون الثرى،
لن يصطحبوا معهم أوطانا ولا حدودا جغرافية ولا هويات "نقية"، بل سيُلفون
في قطعة قماش بيضاء رخيصة، وستلاحقهم دعوات المستضعفين وأرواح الأطفال الذين قضوا
في تيه الصحراء وبلعهم اليمّ الأزرق. فاللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
خلاصتي مؤلمة، ولها في نفسي غصة؛ فذات
يوم، كنت أعمل بفخر موظفا في الهيئة الهولندية لاستقبال طالبي اللجوء (COA)،
تحدوني نزعة إنسانية صرفة، ورغبة صادقة في مد يد العون لأبناء قارتي السمراء وهم
يتلمسون خطاهم نحو حياة جديدة. حتى داهمتنا آنذاك وزيرة الهجرة "ريتا فيردونك"
بحقيبتها المثقلة بالعداء والصلف، فكانت سياساتها المشبعة بالنفور المقيت من
اللاجئين وكل من لا يشبه سحنتها؛ سببا في جعل مواصلة عملي ضربا من المستحيل
ومساومة على المبادئ، فآثرت تقديم استقالتي والنجاة بضميري. غير أن اللعنة التي
صبتها "فيردونك" على هولندا آنذاك لم تغادر هذه البلاد قط؛ فمشاعل
الكراهية التي نراها اليوم في "لووزدراخت"، ليست سوى رماد جمر الأمس
الذي حسبناه انطفأ، فإذا به يتلظى.
من هولندا؛ بلد سبينوزا وموندريان وزهور
التوليب الساحرة، إلى تونس قرطاج؛ مهد حنبعل وابن خلدون وياسمينها الباكي الحزين..
اختلفت الجغرافيا ولكن النفاق واحد!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.