بعد وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران: الخليج بين حسابات البقاء وغياب التأثير

حسن حمورو
"تحولت أراضي هذه الدول ومجالاتها الحيوية، إلى فضاءات مفتوحة للضغط والتهديد، دون أن تمتلك زمام المبادرة أو القدرة على توجيه مسار المواجهة"- إكس
"تحولت أراضي هذه الدول ومجالاتها الحيوية، إلى فضاءات مفتوحة للضغط والتهديد، دون أن تمتلك زمام المبادرة أو القدرة على توجيه مسار المواجهة"- إكس
شارك الخبر
اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، لن يكون مجرد محطة لخفض التوتر، بقدر ما سيوثق لحظة كاشفة لإعادة ترتيب موازين القوة في المنطقة، ولطبيعة الأدوار التي أريدَ لبعض الفاعلين الإقليميين أن يلعبوها، وفي مقدمتهم دول الخليج.

لقد بدا واضحا أن العدوان الثنائي الأمريكي الإسرائيلي، لم يكن يستهدف فقط إعادة اقتسام النفوذ وضرب التوازنات القائمة، بل حمل في طياته أهدافا ثانوية لا تقل خطورة، من بينها زعزعة موقع دول الخليج وإضعاف قدرتها على التأثير، وجعلها الحلقة الأكثر هشاشة في معادلة الصراع فمع تصاعد الأحداث، تحولت أراضي هذه الدول ومجالاتها الحيوية، إلى فضاءات مفتوحة للضغط والتهديد، دون أن تمتلك زمام المبادرة أو القدرة على توجيه مسار المواجهة.

في هذا السياق، اختارت دول الخليج مناورة حذرة، قوامها رفض الانخراط المباشر في الحرب، والاكتفاء بسقف منخفض من المواقف الرسمية، عبر بيانات وتصريحات محسوبة.

دول الخليج وجدت نفسها، مرة أخرى، حطبا في حرب طرفاها يشكلان معا عقدة استراتيجية لها، فمن جهة، حليف تاريخي ممثل في الولايات المتحدة الأمريكية، لم يعد موثوقا في التزاماته ولا في حساباته، ومن جهة أخرى خصم إقليمي ممثل في إيران، يحمل مشروعا توسعيا يثير مخاوفها، وبين هذا وذاك، تضيق مساحة المناورة وتتعاظم كلفة الحياد

وقد يعكس هذا الخيار وعيا بكلفة الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، لكنه في الآن ذاته، يكشف حدود الدور السياسي لهذه الدول، حين يتعلق الأمر بصراعات كبرى تُدار فوق أراضيها أو على تخومها.

والواقع أن دول الخليج وجدت نفسها، مرة أخرى، حطبا في حرب طرفاها يشكلان معا عقدة استراتيجية لها، فمن جهة، حليف تاريخي ممثل في الولايات المتحدة الأمريكية، لم يعد موثوقا في التزاماته ولا في حساباته، ومن جهة أخرى خصم إقليمي ممثل في إيران، يحمل مشروعا توسعيا يثير مخاوفها، وبين هذا وذاك، تضيق مساحة المناورة وتتعاظم كلفة الحياد.

هنا يبرز سؤال جوهري حول ما إذا كان على دول الخليج أن تعيد ترتيب أولوياتها انطلاقا من منطق الانتماء الحضاري، واختيار الخصم الأقل ضررا، بدل الارتهان لمعادلات القوة المفروضة من الخارج.

إن الإجابة عن هذا السؤال لم تعد ترفا فكريا، ولم تفرضها تطورات الأحداث في المنطقة، وإنما باتت ضرورة استراتيجية تفرضها تحولات الإقليم.

أما اتفاق وقف إطلاق النار، فرغم أهميته في وقف نزيف التصعيد، فإنه كشف بدوره عن خلل عميق في هندسة التفاوض، إذ كان من الأولى أن يتضمن بنودا واضحة تراعي مصالح دول الخليج، باعتبارها كانت مسرحا مباشرا للتدمير والتهديد، بل كان الأجدر أن تكون طرفا في الاتفاق، أو على الأقل راعيا له، بما يعكس موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي والسياسي، غير أن إقصاءها من دائرة التأثير الفعلي أعاد التأكيد على موقعها الهش في معادلة الأمن الإقليمي.

إن وضعية دول الخليج اليوم تختزل ببلاغة مقولة "بين المطرقة والسندان"، فهي من جهة واقعة تحت ضغط الحليف الأمريكي، ومن جهة أخرى تحت تهديد الخصم الإيراني، دون أن تمتلك أدوات كافية لتغيير قواعد اللعبة، وفي ظل هذا الواقع، تتعزز قناعة متنامية مفادها أن الثقة في الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد رهانا آمنا، وأن الاعتماد الأحادي عليها لم يعد خيارا استراتيجيا قابلا للاستمرار.

في المحصلة، يفرض وقف إطلاق النار قراءة أعمق لدروس المرحلة، فالأمن لا يُستورد، والتحالفات لا تُبنى على التبعية، والتوازنات لا تُحمى إلا بإرادة مستقلة. ودول الخليج، إن أرادت الخروج من دائرة الهشاشة، مطالبة اليوم بإعادة تعريف موقعها، ليس فقط كفاعل اقتصادي، بل كقوة سياسية قادرة على فرض حضورها في معادلات الحرب والسلام.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)