تجد دول الخليج نفسها
اليوم في قلب تداعيات المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي
من جهة وإيران من جهة أخرى، في وقت يعتمد فيه اقتصادها بدرجة كبيرة على الاستقرار وحركة
التجارة الدولية، ومع اتساع رقعة الضربات والهجمات المتبادلة، بدأت المخاوف تتزايد
من تأثيرات مباشرة على صورة هذه الدول كملاذ آمن في منطقة مضطربة.
وأشارت صحيفة "
صاندي
تايمز" البريطانية في تقرير أعدته الصحفية لويزا كالاغان إلى أن الحرب الجارية
وضعت الاقتصادات الخليجية، وعلى رأسها
الإمارات، في دائرة الخطر، رغم أن السياحة والتجارة
تشكلان ركيزة أساسية لنموها الاقتصادي.
ولفتت الصحيفة إلى
مشهد غير مألوف في أحد أبرز مراكز التسوق في أبوظبي، حيث صدحت عبر مكبرات الصوت ألحان
وطنية إماراتية، بينما بدت أروقة المركز شبه خالية من المتسوقين، ولم يظهر فيه سوى
بعض الباعة الذين يعيدون ترتيب بضائعهم وعمال النظافة الذين يواصلون عملهم، حيث جاء
ذلك بعد إطلاق إنذارات صاروخية خلال الليل وصباح اليوم التالي للتحذير من هجمات إيرانية
محتملة، في وقت غادر فيه آلاف السياح وبعض المقيمين الأجانب البلاد، بينما تجاهل من
بقي تلك التحذيرات.
وأكدت الصحيفة أن أسوأ
السيناريوهات التي كانت تخشاها دول الخليج تحققت قبل أسبوعين، عندما شنت إيران موجة
من الهجمات استخدمت فيها طائرات مسيّرة من طراز "شاهد"، حلقت فوق مياه الخليج
واستهدفت مواقع في دبي، التي لا تبعد سوى نحو 160 كيلومتراً عن الساحل الإيراني.
وتابعت أن أحد تلك
الهجمات أدى إلى اندلاع حريق في فندق فاخر بمنطقة نخلة جميرا، الأمر الذي ألحق ضرراً
بالصورة التي عملت الإمارات لسنوات على ترسيخها باعتبارها ملاذاً آمناً بعيداً عن التوترات
الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وأضافت الصحيفة أن
الحكومة الإماراتية وبقية الدول الخليجية الثرية تواجه الآن تحدياً معقداً، إذ إن الحرب
التي تقودها حليفتها الرئيسية الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل، جعلت أراضي الخليج
أقرب إلى دائرة الاستهداف من واشنطن نفسها.
وأشارت إلى أنه حتى
في حال قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء العمليات العسكرية قريباً، فإن احتمال
استمرار الهجمات الانتقامية من جانب إيران سيظل قائماً، خصوصاً في ظل القيادة الإيرانية
الجديدة التي تتبنى موقفاً متشدداً وتسعى للرد على اغتيال المرشد السابق علي خامنئي.
اظهار أخبار متعلقة
ونقلت الصحيفة عن دانيا
ظافر، مديرة منتدى الخليج الدولي، قولها إن دول الخليج لطالما قدمت نفسها باعتبارها
واحة استقرار في الشرق الأوسط، محذرة من أن استمرار الحرب قد يلحق ضرراً كبيراً بهذه
الصورة ويخلّف تداعيات اقتصادية واسعة.
وأوضحت الصحيفة أن
التأثيرات الاقتصادية بدأت تظهر بالفعل، رغم محاولات بعض المسؤولين التقليل من حجمها،
فقد خفضت مؤسسة "ستاندرد آند بورز" توقعاتها لنمو اقتصادات المنطقة في عام
2026 من نحو 4.3 بالمئة إلى ما يزيد قليلاً على 2 بالمئة، كما تم إلغاء سباقات فورمولا
1 التي كانت مقررة في كل من البحرين والسعودية.
وأشارت الصحيفة إلى
أن الهجمات طالت أيضاً بنية اقتصادية حساسة، إذ تعرض المركز المالي في دبي لهجوم بطائرات
مسيّرة دفع بعض المؤسسات المالية الكبرى إلى إخلاء مكاتبها مؤقتاً، كما أدت ضربات استهدفت
مراكز بيانات إلى تعطيل خدمات مصرفية رقمية. وفي الوقت ذاته، تصاعدت أعمدة دخان كثيفة
من منشأة نفطية في إمارة الفجيرة عقب هجوم بطائرة مسيّرة يشتبه بأن إيران نفذته.
وأوضحت الصحيفة أن
قطاع السياحة قد يتمكن من التعافي بعد انتهاء الحرب، إلا أن الضرر الفوري كان واضحاً
مع مغادرة أعداد كبيرة من الزوار. لكن القلق الأكبر، وفق ما نقلته عن ابتسام الكتبي
رئيسة مركز الإمارات للسياسات، يتمثل في الاضطرابات التي أصابت أنظمة النقل والتجارة،
بما في ذلك خطوط الشحن والطيران وشبكات الخدمات اللوجستية الإقليمية.
وأضافت الكتبي أن ارتباط
الاقتصاد الإماراتي العميق بالتجارة العالمية يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة البحرية
أو المجال الجوي، حتى وإن كان محدوداً، قادراً على ترك آثار كبيرة، مشيرة في الوقت
ذاته إلى أن المؤسسات الاقتصادية في الدولة أظهرت حتى الآن قدرة على الحفاظ على استمرارية
النشاط الاقتصادي رغم الضغوط.
وتابعت الصحيفة أن
امتلاك دول الخليج أحدث أنظمة الدفاع الأمريكية لا يلغي تحدياً آخر، إذ يرى خبراء عسكريون
أن استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن لإسقاط طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة لا يمثل
حلاً فعالاً على المدى الطويل لطمأنة السكان.
وذكرت الصحيفة أن الهجمات
الإيرانية تبدو مصممة لإظهار هشاشة المراكز الاقتصادية في الخليج، مستفيدة من موقع
المنطقة كمحور رئيسي للتجارة العالمية لإحداث أكبر قدر ممكن من الاضطراب في الأسواق
الدولية.
وأشارت إلى أن إيران
استهدفت خلال الأسبوع الماضي ناطحات سحاب في الإمارات إضافة إلى محطة لتحلية المياه
في البحرين، بينما أحدث هجوم على مطار دبي الدولي صدمة واسعة نظراً لكونه من أكثر مطارات
العالم ازدحاماً.
وفي المقابل، تسعى
الإمارات إلى الحفاظ على صورتها كوجهة مستقرة وجاذبة للأعمال. فقد أكدت وزيرة الدولة
للشؤون الخارجية نورة الكعبي في مقابلة إعلامية أن سمعة الإمارات في مجالي الأمن والاستقرار
لم تتضرر وأن قطاع السياحة سيستعيد نشاطه قريباً، فيما أشارت الصحيفة إلى أنها لم تحصل
على تعليق رسمي إضافي من الحكومة الإماراتية.
وأفادت الصحيفة بأن
السلطات في عدد من دول الخليج شددت الرقابة على تداول المعلومات المتعلقة بالهجمات.
ففي دبي أُلقي القبض على سائح بريطاني يبلغ من العمر 60 عاماً بتهمة تصوير ضربات صاروخية
ونشرها، وهي تهمة قد تعرضه للسجن لمدة عامين. كما أعلنت شرطة أبوظبي اعتقال 45 شخصاً
لتصويرهم مواقع تعرضت لهجمات إيرانية.
وأضافت الصحيفة أن
البحرين أوقفت أيضاً ستة أشخاص على الأقل بسبب تصوير غارات جوية، في وقت يجري فيه حذف
مقاطع الفيديو المتعلقة بالهجمات سريعاً من الإنترنت. ونقلت عن مصدر مقرب من السلطات
الإماراتية قوله إن الحكومة تعمل على إيجاد حلول دبلوماسية وتضغط لإنهاء الصراع، مضيفاً
أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية الأولى وكذلك الرد الإيراني شكلا مفاجأة لدول المنطقة.
وأشارت الصحيفة إلى
أنه رغم تركيز التصريحات الرسمية الخليجية على إدانة إيران، فإن بعض المسؤولين يعبرون
في أحاديث خاصة عن تراجع الثقة بالولايات المتحدة.
وأوضحت أن دول الخليج
استثمرت موارد سياسية واقتصادية ضخمة في علاقتها بإدارة ترامب، وأنفقت أكثر من 100
مليار دولار على صفقات أسلحة تشمل طائرات إف-15 وإف-35 وأنظمة باتريوت وثاد للدفاع
الصاروخي. كما ذكرت أن الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان استحوذ العام الماضي على حصة بقيمة
500 مليون دولار في شركة عملات رقمية مرتبطة بعائلة ترامب.
ومع ذلك، نقلت الصحيفة
عن مسؤول قوله إن هذا المستوى من الاستثمار لم يكن كافياً لتنبيه دول الخليج إلى أن
الهجوم الأمريكي الإسرائيلي قد يجرها إلى دائرة الحرب، مضيفاً: “هناك نظام حلفاء مزدوج
في الشرق الأوسط، إسرائيل في القمة ودول الخليج في الأسفل”.
وتابعت الصحيفة أن
حالة من الاستياء بدأت تتصاعد رغم ما حققته اتفاقيات إبراهيم عام 2020، مشيرة إلى أن
هذا الشعور يظهر بوضوح في قطر، الحليف الرئيسي لواشنطن، التي تعرضت العام الماضي لضربة
إسرائيلية غير مسبوقة استهدفت قيادة حركة حماس.
وختمت الصحيفة بالإشارة
إلى أن دول الخليج لم ترد حتى الآن عسكرياً على إيران، لكنها قد تجد نفسها مضطرة إلى
الانخراط في المواجهة إذا استمرت الحرب. كما حذرت من أن الضربات الأمريكية التي استهدفت
جزيرة خرج الإيرانية، إلى جانب نشر سفن حربية أمريكية إضافية ونحو خمسة آلاف جندي من
مشاة البحرية في المنطقة، تزيد من مخاوف التصعيد.