المتأمل قليلا في شعار الحرب العدوانية الأمريكية
الإسرائيلية على
إيران، وفي
عبارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن العملية بأنها "هجوم دفاعي
وقائي"، يتلمس اللغة الإمبريالية ومفردات التضليل الممنهج من قوة لا تعترف
بأي قانون سوى قانونها، إذ وصف
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العمليات بأنها "عمليات قتالية واسعة النطاق
ومستمرة"، و"هجوم دفاعي وقائي" يهدف إلى تدمير برنامج الصواريخ
الإيراني ومنع إيران من تطوير سلاح نووي. في المقابل، وصفها مسؤولون إسرائيليون
بأنها "ضربة استباقية" بعد أشهر من "التخطيط المشترك
والوثيق"، استهدفت الضربات قيادة إيرانية رفيعة المستوى، بما في ذلك المرشد
الأعلى والرئيس وقائد القوات المسلحة، بالإضافة إلى منشآت عسكرية في مختلف أنحاء
البلاد. وشملت الضربات جميع أنواع المنشآت، بما في ذلك المدارس الابتدائية والمستشفيات والبنية التحتية.
لقد أوضح وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي هذا الشعار جليا، فـ"تصف
إسرائيل الهجوم بأنه ضربة وقائية"، لكنه لا يتوافق مع القانون الدولي،
فالهجمات الوقائية تتطلب وجود تهديد وشيك ومباشر. كانت هناك مفاوضات، وإيران كانت منخرطة بها، ومع ذلك، شنت
الولايات المتحدة هجومها، هذا ليس دفاعا عن النفس، هذا عدوان صريح وواضح، إنه نفس
المنطق الذي تم به غزو العراق بذريعة كاذبة، وهو سلوك زعزع استقرار كل منطقة
وطأتها قدم المحتل الأمريكي.
المنطقة تشتعل الآن، وأصوات الانفجارات تسمع من أبو ظبي إلى الرياض، وصفارات الإنذار تفعّل في البحرين وقطر والكويت والأردن، بالإضافة لكل مساحة فلسطين المحتلة
المنطقة تشتعل الآن، وأصوات الانفجارات تسمع من أبو ظبي إلى
الرياض، وصفارات الإنذار تفعّل في البحرين وقطر والكويت والأردن، بالإضافة لكل
مساحة فلسطين المحتلة. وبينما يتصاعد دخان الانفجارات يبقى على بقية العالم أن
يطرح سؤالا بديهيا لدرجة أنه لا يحتاج لطرح: من هو الذي يشكل تهديدا فعليا للأمن
والسلم الإقليميين والدوليين؟
لنكن واضحين بشأن ما آل إليه سلوك الولايات المتحدة وإسرائيل،
بعد عقود الإفلات من العقاب، فقواعد النظام الدولي مجرد وهم ونادٍ للأقوياء فقط،
وسلاح ضد أي شخص من ذوي البشرة السمراء إن تجرأ على رسم مساره الخاص. وإذا أخذنا
واحدا من الأمثلة للذاكرة القريبة من سلوك الإدارة الأمريكية في ظل حكم
الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، فإنها مولت وسلحت الإبادة الجماعية في
فلسطين، وهي مستمرة للآن، بسلاح أمريكي استخدم لتدمير المدارس والمستشفيات وتدمير
المدن ومخيمات اللاجئين. ثم قامت الولايات المتحدة باختطاف الرئيس الفنزويلي
المنتخب ديمقراطيا، نيكولاس مادورو، من قصره في كانون الثاني/ يناير، ونقلته جوا
إلى سجن أمريكي بتهم لا أساس لها في القانون الدولي، لقد كان ذلك عملا من أعمال
القرصنة، واختطافا برعاية الدولة، وانتهاكا صارخا للسيادة.
علاوة على ذلك، تخنق الولايات المتحدة كوبا، فعلى مدى أكثر من
ستين عاما، حرم الحصار الأمريكي للجزيرة الشعبَ الكوبي من الدواء والغذاء والوقود..
كوبا، الدولة التي لم تهاجم أحدا، والتي ترسل أطباءها إلى مناطق الكوارث بينما
ترسل الولايات المتحدة القنابل، تُخنق ببطء وبشكل متعمد، والآن إيران تتعرض لعدوان
شامل للمرة الثانية بنفس الخديعة تحت المفاوضات والتي باتت غطاء للعدوان، فإدارة
ترامب لم ترغب بالتفاوض على أي شيء مع طهران سوى إخضاعها للشروط الإسرائيلية، وهنا
تحضر العنجهية الأمريكية الصهيونية المسكوت عنها دوليا، فعندما تقصف إسرائيل
بالشراكة مع الولايات المتحدة دولة في خضم مفاوضات وتخطف قادة دول وتعدم آخرين
وتجوع دولا، يكون الرد مجرد بيانات قلق.
إن ازدواجية المعايير ليست خللا، بل هي السمة المميزة لقواعد
النظام الدولي المطبقة على من هم خارج النادي الدولي، فالعواصم الغربية التي تهمس
بعبارة ضبط النفس التي تريد تطبيقها على الضحية دون المعتدي، تربط مواقفها من
العدوان على إيران بعبارة "دعمها للولايات المتحدة في تحركها لمنع إيران من
الحصول على سلاح نووي، وأنها تقف بجانب الشعب الإيراني الشجاع في نضاله ضد
الظلم". فحماية المدنيين والقانون الإنساني الدولي لا أولوية له في القاموس الحالي، فلا عقوبات ولا إدانة،
بل استعداد غربي من فرنسا وبريطانيا وألمانيا للانخراط بالعدوان على طهران،
والوقوف بجانب إسرائيل وأمريكا خارج القانون الدولي.
الصمت المطبق على هذه الجبهة مدوٍ، وهو يكشف حقيقة مؤلمة
بالنسبة للكثيرين في الشوارع
العربية والغربية على حد سواء، والذين يعتبرون أنفسهم
معادين للسياسة الأمريكية والإسرائيلية. فلا تزال مقاطعة الإمبريالية الأمريكية
مشروطة جغرافيا، فمن الأسهل مقاطعة دولة تبعد 9 آلاف كم بدلا من مواجهة إمبراطورية
تعيش في أحشائها، ومع ذلك فثمة مؤشرات على أن العالم بدأ يرى الأمور بوضوح، فقد
أظهر استطلاع رأي أُجري مؤخرا في ألمانيا أن 65 في المئة من الألمان ينظرون الآن
إلى الولايات المتحدة باعتبارها أحد أكبر التهديدات للسلام العالمي، وهو ارتفاع
ملحوظ من 24 في المئة فقط في عام 2024، وفي الدنمارك، يعتبر 60 في المئة من السكان
الولايات المتحدة خصما، أما في بولندا، التي كانت تاريخيا من أكثر شركاء أمريكا
موثوقية،
كل ما يجري هو صراع جدي لتسييد جبروت القبضة الإسرائيلية على الجميع بدعم أمريكي، وهو أمر مشكوك فيه على الأقل ولا يدخل في إطار الحتمية
فإن أغلبية السكان تقول الآن إن الولايات المتحدة لم تعد حليفا يُعتمد
عليه. وهو استطلاع يتقاطع تماما مع المؤشر العربي لعام 2025، في جزئية الرأي العام
العربي لمفهوم الأمن العربي، ويتوافق على أنّ إسرائيل والولايات المتّحدة الأمريكية
هما الدولتان الأكثر تهديدا لأمن الوطن العربيّ وبنسب 44 في المئة و21 في المئة
على التوالي.
هذا ليس عداء لأمريكا لمجرد العداء، بل هو استيقاظ العالم على
حقيقة الإمبراطورية الأمريكية التي سقط القناع عنها، وبدأ الناس يرون الوجه
الحقيقي وراءه، فالشعارات الشعبوية للدفاع عن النفس باسم السلام وسعيا وراء حرية
الشعوب، سمعناها من قبل كثيرا في العراق وأفغانستان وفنزويلا وفي كل حرب أشعلتها
أمريكا.
أخيرا، بعد أن وقعت واقعة العدوان الشامل على إيران، بأهداف إسرائيلية
أمريكية واضحة، فإنها تفرض على المنطقة العربية الدخول في مرحلة نوعية، هي مرحلة
البحث عن تحصين حقيقي وجماعي للأمن العربي المشترك، لأن المنعطف الجديد للعدوان
على إيران وتحقيق أهدافه، في جوهره سيادة وهيمنة إسرائيلية مطلقة تنطلق من التسليم
بالخضوع الكلي لمنطق الغطرسة والقوة والعدوان، والذي يحول دون تحقيق الحقوق
الفلسطينية والسلام في المنطقة، وكل ما يجري هو صراع جدي لتسييد جبروت القبضة الإسرائيلية
على الجميع بدعم أمريكي، وهو أمر مشكوك فيه على الأقل ولا يدخل في إطار الحتمية،
إذا أحسن المرء نيته في استباق إرادة عربية ما يهدد وجودها.
x.com/nizar_sahli