منذ اكتشاف النفط في
الخليج في ثلاثينيات
القرن الماضي، شهدت دول الخليج العربي تحوّلاً مالياً واقتصادياً واجتماعياُ
وتنموياً هائلاً وغير مسبوق. التحوّل حصل بسرعة خيالية قياساً بعمر الدول الحديثة
النشأة. وخلال العقدين الماضيين، سعت دول مجلس التعاون إلى التنويع والاستدامة، لا
لتعظيم عوائد النفط والغاز فحسب، بل للاستعداد لمرحلة ما بعد النفط. ترافق ذلك مع
طرح هذه الدول رؤى استراتيجية طموحة لتحقيق المرونة اللازمة لمواكبة التحديث
المستمر على المدى البعيد.
وبالرغم من أنّ هذه الرؤى واجهت وتواجه العديد من
التحديات والمصاعب، غير أن
ثقافة العمل ـ بما تحمله من عادات إدارية ويومية ـ ظلّت
في حالات كثيرة الحلقة الأضعف التي تعيق ترجمة الرؤى إلى واقع.
تبرز مشكلة المؤسسات حيث تُسند أدوار إلى غير أهلها. لا يضر ذلك بمبدأ عدالة الفرص فقط؛ بل يُنتج فرقًا مهزوزة الثقة، وأداءً شكليًا يستوفي الإجراءات ولا يصنع قيمة، ويتمحور العمل حول المنفعة الشخصية بدلا من منفعة الفريق والمؤسسة.
أولى المشكلات تتمثل في غياب ثقافة العمل
المؤسسي، والذاكرة المؤسسية، وعدم الاستفادة المثلى من الخبرات التي يتم
استقدامها، ووضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب. وينشأ عن مثل هذا النمط
نظام يرتبط العمل فيه بالأشخاص لا بالأنظمة، وتصبح الطلبات غير المعقولة في
"آخر دقيقة" قاعدة لا استثناء، ويتحوّل التنفيذ إلى ارتجال يستهلك الوقت
والمال على حساب الدقّة والجودة. تتكرر المهمات نفسها ويكرر الموظفون نفس العمل
عدّة مرات بأشكال مختلفة لأن النظام مفقود والأرشفة ضعيفة أو غير موجودة، وتضيع
الدروس المستفادة مع تغيّر الفرق، فتبدأ المؤسسات من الصفر مرارًا وتكرارا مع كل
تغيير.
يقترن ذلك بـشخصنة القرارات وشخصنة التقييم،
وتؤدي المركزية الشديدة في أبسط الأمور الى تكديس الملفات بانتظار توقيع فرد أو
مضاعفة الوقت اللازم لانجاز المهمة بمراحل غير معقولة، وتتعثر المشروعات لأن
الإدارة تُدار بردّات فعل لا بخطط مسبقة. وتبدو الاجتماعات كثيرة، لكن مخرجاتها
ضئيلة، ومحاضرها إما غائبة أو غير مُلزمة، فتضيع المسؤوليات بين اللجان.
وتبرز مشكلة المؤسسات حيث تُسند أدوار إلى
غير أهلها. لا يضر ذلك بمبدأ عدالة الفرص فقط؛ بل يُنتج فرقًا مهزوزة الثقة،
وأداءً شكليًا يستوفي الإجراءات ولا يصنع قيمة، ويتمحور العمل حول المنفعة الشخصية
بدلا من منفعة الفريق والمؤسسة. في بيئة من هذا النوع، يصبح المجتهد والكفوء
والمنتج عائقاً، لا بل مشكلة بالنسبة الى الآخرين. ومع اشتداد البيروقراطية وتقييد
الخبراء وإشغالهم في أمور غير ذات جدوى، تصبح البيئة طاردة للكفاءات. يتراجع
الحافز، يتقدّم الانسحاب النفسي، وتعج بيئة العمل بالدخلاء غير الكفوئين أقصى ما
يتطلعون إليه هو "مشّيها".
عدة مشاكل تقليدية تدل على الخلل الجوهري
والهيكلي: مطالب مستحيلة، جداول زمنية غير واقعية، وهوس الإعلان قبل الإتقان،
والصورة قبل المضمون. تخصص موارد طائلة لمشروعات غير ذات أهمية وتحجب موارد مهمة
عن مشروعات حيوية، وتولد مشروعات لا يتناسب فيها حجم الطموح مع حجم الموارد، تُضغط المشروعات لتلحق موعد افتتاح، فتُقصَر
مراحل الاعداد والاستعداد، وتولد مشاريع من خير نتائج واضحة.
المشكلة ليست في نقص الرؤى أو التمويل، بل في البنية الثقافية للعمل: كيف نخطط، وكيف نقرر، وكيف نوثق، وكيف نقيس، وكيف نعمل كفريق، وكيف ننقل الخبرة وكيف يتم انشاء المؤسسات والحفاظ عليها وتطوير عملها؟
في الخلفية، تتراكم ثقافة وقت غير منضبط.
اجتماعات طويلة بلا قرار، رسائل بلا تتبع للإصدارات، ونماذج أداء تضيّع الوقت
وتُخدم "الشكل" لا الجوهر. هذا ما يمكن تسميته بـ"مسرح
المؤشرات"؛ حيث تُجمَّل لوحة القياس فيما تظل العمليات كما هي. يُضاف إلى ذلك
ضعف حوكمة البيانات؛ بيانات غير صحيحة أو غير دقيقة أو غير متاحة مما يعيق التقييم
الحقيقي، ويمنع التعلم المؤسسي.
هذه الثقافة لا تبقى حبيسة داخل الجدران؛
ونتائجها تنعكس بشكل مباشر على المجتمع والدولة عاجلاً أم آجلا. على مستوى الدولة،
تُبطئ التنفيذ، وتضاعف التكلفة، وتُضعف الثقة العامة حين تُعلن مبادرات أكبر من
قدرة التشغيل. وعلى مستوى المجتمع، تُحبط الشباب، وتزيد كلفة الفرصة الضائعة،
وتطرد الكفاءات. اقتصاديًا، تُثقل مسار التنويع، وتقلل جاذبية الاستثمار النوعي،
وتحد من رفع الإنتاجيةـ وهي من شروط البقاء في عالم ما بعد النفط.
الخلاصة أن المشكلة ليست في نقص الرؤى أو
التمويل، بل في البنية الثقافية للعمل: كيف نخطط، وكيف نقرر، وكيف نوثق، وكيف
نقيس، وكيف نعمل كفريق، وكيف ننقل الخبرة وكيف يتم انشاء المؤسسات والحفاظ عليها
وتطوير عملها؟ ما لم تُعالَج هذه المشاكل ـ التي لا تُرى بسهولة لكنها تتحكم بكل
شيء ـ سيبقى الفرق كبيرًا بين ما يتم الإعلان عنه وبين ما يتم انجازه، وسيظل
مستقبل ما بعد النفط مؤجَّلًا إلى إشعارٍ آخر.