ذكرى مقتل عبد الكريم قاسم… تجربة غيرت تاريخ الحكم في العراق

أعدم  عبد الكريم قاسم عام 1963 رميا بالرصاص- جيتي
أعدم عبد الكريم قاسم عام 1963 رميا بالرصاص- جيتي
شارك الخبر
تحل الذكرى الثالثة والستون لمقتل الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم في التاسع من شباط/فبراير عام 1963 في وقت يواجه فيه العراق أزمات سياسية واقتصادية متراكمة، على خلفية تعثر حسم ملف ترشيح رئيس جديد للوزراء، واستمرار الجدل حول الأسماء المطروحة، وفي مقدمتها ترشيح نوري المالكي، ما أعاد إلى الواجهة نقاشا قديما حول طبيعة الدولة العراقية، وحدود السلطة، وأسباب تكرار الأزمات السياسية منذ تأسيس الجمهورية.

وفي هذا السياق، يستعيد العراقيون سيرة عبد الكريم قاسم بوصفه أول رئيس وزراء للجمهورية العراقية التي أنهت الحكم الملكي الهاشمي وفتحت مرحلة جديدة في التاريخ السياسي للعراق، وزعيما حاول، بعد ثورة 14 تموز/يوليو 1958، ترسيخ نموذج دولة مركزية تضع مؤسسات الحكم فوق التكتلات الحزبية ونظام المحاصصة الطائفية، في تجربة انتهت دون أن تتحول إلى مسار مؤسسي مستدام.

وتزامنت الذكرى مع عرقلة البرلمان العراقي عقد جلسات مخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، وهي الخطوة الدستورية اللازمة للشروع في تكليف رئيس وزراء جديد، ما أبقى مسار تشكيل الحكومة معطلا، كما أعلن الإطار التنسيقي في كانون الثاني/يناير 2026 ترشيح نوري المالكي بصفته مرشح أغلبية داخل التحالف الشيعي.

وأثار هذا الترشيح اعتراضات من قوى سنية، اعتبرت أن المضي به قد يخل بالتوازنات السياسية والاقتصادية القائمة، ويزيد من تعقيد مسار التوافق الوطني.

وفي موازاة ذلك، أسهم استمرار الخلاف الكردي بين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني حول منصب رئاسة الجمهورية في تعميق حالة الانسداد، إذ ربطت الأطراف الكردية حسم ملف الرئاسة بالتوصل إلى اتفاق مسبق بشأن تسمية رئيس الوزراء، ما أبقى الاستحقاقات الدستورية مترابطة ومؤجلة.

اظهار أخبار متعلقة



وبالعودة إلى السياق التاريخي، لم يكن عبد الكريم قاسم زعيما حزبيا تقليديا، إذ تولى قيادة الدولة في مرحلة انتقالية أعقبت سقوط النظام الملكي، وتركزت خلالها السلطة التنفيذية بيده.

وسعى وفق مؤيديه، إلى تقديم نموذج حكم يضع مؤسسات الدولة فوق الانتماءات الحزبية، غير أن هذا المسار واجه تحديات سياسية واجتماعية معقدة، في ظل غياب تنظيم سياسي داعم قادر على توفير غطاء مستقر للتجربة وضمان استمراريتها.

وقتل عبد الكريم قاسم في 9 شباط/فبراير 1963، عقب ساعات من فشل محاولته استعادة السيطرة على الأوضاع بعد انقلاب عسكري قاده ضباط ينتمون إلى حزب البعث وتيارات قومية.

وبعد حصاره في وزارة الدفاع ببغداد، ألقي القبض عليه ونقل إلى مبنى الإذاعة، حيث خضع لمحاكمة سريعة ومختصرة، انتهت بإعدامه رميا بالرصاص مع عدد من معاونيه، وشكلت طريقة مقتله، وما رافقها من إجراءات متعجلة، واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ العراق الحديث، لما تركته من أثر عميق في الذاكرة السياسية والانقسامات اللاحقة حول تلك المرحلة.


بين الرواية الشعبية والنقد السياسي



من جانبها، قالت دينا الإيوبي إن ذكرى اغتيال الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم تحل بوصفها ذكرى مأساوية، معتبرة أن مقتله جاء نتيجة انقلاب بعثي وقومي، وبدعم أمريكي وبمتابعة بريطانية في سياق الحرب الباردة.

وأضافت أن قاسم لم يكن مجرد حاكم، بل مشروع دولة، إذ أقدم على تأميم النفط، وكسر نفوذ الإقطاع عبر قوانين الإصلاح الزراعي، وشرع قوانين اجتماعية لصالح المرأة والطفل، وأطلق التصنيع والزراعة، ووضع أسس دولة رعاية اجتماعية.

وأشارت إلى أن قاسم سعى للتوفيق بين مكونات العراق، وفتح باب المصالحة مع زعيم المقاومة الكردية الملا مصطفى بارزاني، وألغى أحكام الإعدام السياسية، وقدم ضمانات أولية للحقوق الكردية قبل أن تعرقلها شبكات قومية داخل الدولة، لافتة إلى أنه تعرض لأكثر من عشرين محاولة اغتيال موثقة قبل أن يقتل في انقلاب دموي غيّر مسار العراق، مؤكدة أن الانقسامات التي أطاحت بتجربته ما تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

وبالمقابل، كتب ليث شبر أن عبد الكريم قاسم أنهى حياة الملك، وأراق الدماء، وعزز ثقافة السحل، وأسهم في ترسيخ ثقافة الميليشيات، معتبرا أن هذه الممارسات أجهضت الدولة العراقية في بداياتها.

وأضاف أن ما جرى لاحقا مثّل انعكاسا لما قام به قاسم، إذ انقلب عليه البعثيون، وأذلوه ثم قتلوه وأراقوا دمه، معتبرا أن ما يعرف بـ"عروس الثورات"، شكل عقابا إلهيا على ما وصفه بجرائم قاسم، وواصفا إياه بأنه “طلقة حمقاء في قلب الدولة العراقية”، مؤكدا أن ما أعقب تلك المرحلة كان “أدهى وأمر” ولا تزال تداعياته مستمرة حتى اليوم.

من المشروع إلى الذاكرة


وعلى الرغم من قصر فترة حكم عبد الكريم قاسم، ظل اسمه حاضرا في الذاكرة العامة بوصفه مرحلة تأسيسية في تاريخ الجمهورية، ارتبطت بسياسات اجتماعية واقتصادية أثارت تفسيرات متباينة حول أهدافها ونتائجها، غير أن هذه التجربة لم تتحول إلى مسار مؤسسي مستدام، في ظل عدم اكتمال البنى السياسية والإدارية القادرة على تحويل التوجهات المعلنة إلى سياسات مستقرة طويلة الأمد.

اظهار أخبار متعلقة



وبعد مقتله، دخل العراق مراحل حكم مختلفة، اتسمت بتبدل أنماط إدارة السلطة وتباين المرجعيات السياسية، وصولا إلى النظام الذي تشكل بعد الغزو الأمريكي عام 2003، وهو ما جعل تجربة الدولة في مرحلة ما بعد 1958 حاضرة في النقاش العام بوصفها مرجعا تاريخيا أكثر من كونها إطارا معتمدا في السياسات الراهنة.

وفي السياق الحالي، يبرز هذا الإرث مع استمرار أزمات الحكم وتعثر الاستحقاقات الدستورية، إذ تواجه الدولة تحديات تتعلق بإدارة الخلافات السياسية، وصياغة سياسات اقتصادية متماسكة، والحفاظ على دور المؤسسات في ظل تنافس القوى السياسية، ما يعكس فجوة قائمة بين الخطاب الرسمي حول العدالة الاجتماعية ومتطلبات بناء دولة قادرة على تجاوز منطق الأزمات المتكررة.
التعليقات (0)

خبر عاجل