مدخل: في إشكالية التنازع المرجعي وصراع
التأويلات
يمثل
كتاب أحمد بوعود "الظاهرة
القرآنية عند محمد أركون: تحليل ونقد" دراسة تحليلية نقدية تكتسب أهميتها من
طبيعة الإشكاليات التي تطرحها ضمن سياق السجال المعرفي المتجدد في آليات
قراءة
النص القرآني، وتتمحور على مقاربة مشروع أحد أقطاب الأنسنة والتاريخية في الفكر
العربي المعاصر، محمد أركون، لا من منطلق الرفض العقدي المباشر، بل عبر استقصاء
يغوص في البنية التحتية لمشروع "نقد العقل الإسلامي"، محاولاً تفكيك
الآليات الإجرائية التي وُظفت في نزع القداسة أو خاصية "التعالي" عن
النص، كاشفاً عن الخلفيات المنهجية المضمرة في الطرح العلمي الموضوعي.
تنتظم هذه الدراسة وفق ثلاثة محاور متكاملة:
التحليل التفكيكي لمضامين المؤلَّف، والتقويم النقدي للحجج المتبادلة، ثم النظر
الفلسفي في قيمة الكتاب وحدوده المعرفية.
أولاً ـ التحليل التفكيكي للمضامين
والمفاهيم
ينطلق المؤلِّف من فرضية مؤدّاها أن القراءة
الأركونية للقرآن تفضي، في نتائجها، بواسطة تطبيق مناهج العلوم الإنسانية
المعاصرة، إلى مساءلة المرجعية المتعالية للوحي، وربْط المجال التداولي الإسلامي
بسياقات الحداثة .
وقد تتبع المؤلف مسارات هذا المشروع عبر
المحطات المفصلية الآتية:
1 ـ الانزياح الدلالي من "القرآن"
إلى "الظاهرة القرآنية":
رصد المؤلِّف التحولَ الاصطلاحي الجذري الذي
اعتمده أركون بدقة، والمتمثل في استبدال مصطلح "الظاهرة القرآنية"
بـ"القرآن" . وفي هذا الرصد يحلل الكاتب هذا الخيار بوصفه استراتيجية
إبستمولوجية تؤدي إلى إحداث مسافة نقدية وتجريد النص من الشحنات اللاهوتية
والقدسية الراسخة في الوعي الجمعي، محوّلاً كلام الله إلى حدث تاريخي وواقعة لغوية
قابلة للدراسة بوصفها معطى لغويا في نطاق التحليل اللساني والاجتماعي، على غرار
دراسة الظواهر البيولوجية أو الاجتماعية، بمنأى عن المسلّمات العقدية (ص 91 و92).
2 ـ إشكالية مشروعية المصحف في القراءة
الأركونية:
يتوقف المؤلف طويلاً عند تشكيك أركون في
المصحف الرسمي (مصحف عثمان)، حيث يرى أن الانتقال من الخطاب الشفهي الحي للنبي ﷺ
إلى النص المكتوب (المدونة الرسمية المغلقة) قد خضع لعمليات حذف وإقصاء في ضوء
مجموعة من الاعتبارات السياسية. وتتمثل إحدى إضافات الكتاب في نقد أطروحات يرى
المؤلف أنها متأثرة بمسلّمات استشراقية، خاصة في قضية مصحف عبد الله بن مسعود (ص
93 و94).
وهنا يحلل المؤلِّف كيفية اتكاء أركون على
مقولة التاريخية للطعن في وثاقة النص وتواتره، واعتبارِ النسخة الحالية نتاجاً
لانتصار سياسي لفئة معينة، لا تجسيداً لحقيقة إلهية مطلقة، وبالتالي فإن "الرواية
التي اخترعها التراث ليست إلا وهماً من أجل إسباغ الصفة الإلهية على قانون أنجز
داخل المجتمعات الإسلامية، وبشكل وضعي كامل" (ص 67 و68).
3 ـ تفكيك مقولة اللامفكَّر فيه:
في الكتاب، خضعت المقولة المحورية الأثيرة
لدى أركون: "اللامفكر فيه"، لعملية تفكيك منهجي؛ حيث يرى بوعود أن أركون
يصوغ تصورا يقول إن العقل الإسلامي الرسمي قد ضرب حدوداً معرفية على بعض القضايا
الحساسة، مثل خلق القرآن وتاريخية النص والمجاز، وحظر التفكير فيها، مُحِيلاً
إياها إلى دائرة "المستحيل التفكير فيه". وقد اتخذ أركون من كتاب
"الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي نموذجاً للاّمفكر فيه من حيث توسيع
مجال المحرمات والحدود (التابوات بتعبير الكتاب)، وإغلاق باب التساؤل الفلسفي
والتاريخي (ص 37 و108 و109).
4 ـ الإسلاميات التطبيقية: البديل المنهجي
الغربي
استعرض المؤلِّف الدعوة الأركونية إلى تجاوز
الإسلاميات الكلاسيكية الاستشراقية المنصبّة على النصوص وفقه اللغة حصراً، نحو ما
سُمّي بالإسلاميات التطبيقية، بهدف دمج العلوم الإنسانية الحديثة من أنثروبولوجيا
وألسنيات وسيكولوجيا لدراسة الإسلام من حيث هو ظاهرة اجتماعية وتاريخية معقدة،
وليس بوصفه حقيقة متعالية (ص 69 و75 و76 و77).
ثانياً ـ الاشتباك النقدي.. محدودية الحداثة
السائلة أمام تماسك التراث
لم تقتصر دراسة أحمد بوعود على التوصيف
الأمين لأفكار أركون، بل مارست عملية نقد تفكيكي مضاد أبرزَ ما اعتبره اختلالات في
المنهج، مرتكزاً على الحجج الآتية:
1 ـ نقد التاريخانية الانتقائية:
كشف المؤلف عن ممارسة أركون لانتقائية
تتنافى مع الحياد العلمي المدّعَى؛ بسبب قبول الروايات التاريخية الشاذة والضعيفة
كروايات الطعن في المصحف أو اختلاف المصاحف، معتبراً إياها حقائق تاريخية لأنها
تخدم نظرية بشرية النص وتاريخيته، بينما يرفض الروايات المتواترة وإجماع الأمة
التي تُعد عنده تلفيقاً أيديولوجياً أو رواية رسمية لتعارُضها مع فكرته.
إن التطلع إلى بناء نموذج معرفي في الدراسات القرآنية المعاصرة، قادر على استيعاب المناهج الحديثة دون الخضوع للاستلاب المعرفي، يقتضي ابتداءً القيامَ بمراجعة نقدية فاحصة للقراءات السابقة. وفي هذا السياق، تكتسب دراسة الدكتور أحمد بوعود "الظاهرة القرآنية عند محمد أركون" قيمتها العلمية؛ إذ لا تقف عند حدود الرد، بل تتجاوز ذلك لتشكل وثيقة نقد إبستمولوجي تُسائل الأسس المنهجية للمشروع الأركوني.
وفي هذا السياق يستغرب المؤلِّف من تبني
أركون لبعض الدعاوى الاستشراقية وهو الذي يهاجم ما يسميه بالإسلاميات الكلاسيكية
الاستشراقية ويصفها بالقصور ويدعو إلى تجاوزها، ثم يطرح سؤالاً نقديا مشككاً في
الاتساق المنهجي: "فأين هي العلمية التي يدعيها؟ وما هذا الانتقاء؟"، مع
الإشارة إلى اعتماد أركون الواسع على بعض أعمال المستشرقين، أمثال الألماني تيودور
نولدكه والفرنسي ريجيس بلاشير، معتبراً أن درجة التمحيص والشك المنهجي المطبَّقة
عليها أقل بكثير من التمحيص المطبق على الرواية الإسلامية (ص 81 و103).
2 ـ مناقشة قضية "مصحف ابن مسعود"
بالتحقيق العلمي:
قدم المؤلف، وفق معايير الثبت التي يعتمدها،
مناقشة علمية مفصلة خلص فيها إلى أن القول بتحريف القرآن أو ضياع مصحف ابن مسعود
هو دعوى لا تحوز على الأدلة الكافية. وقد استندت هذه المناقشة إلى التواتر
والإجماع والتحقيق التراثي العلمي، وخلص إلى القول إن ما خالف "سواد
المصحف" (مصحف عثمان) من قراءات ابن مسعود لم يكن قرآناً منزلاً، بل صُنِّف
إما تفسيراً مُدرَجاً أو قراءةً شاذة لا تقوم بها حجة، مؤكداً على إجماع الصحابة
على المصحف العثماني دون نكير. وقد استند في ذلك على مجموعة من المصادر التراثية
المتخصصة، مستغرقاً في إيراد الشواهد خَمس صفحات (من ص 94 إلى 98)، حيث نَقَل
أقوال المحققين الأثبات كالباقلاني وابن حزم وغيرهما ممن أكدوا أن ابن مسعود لم
ينكر قرآنية المعوذتين، وأنه لم يتابع عبدَ الله أحدٌ من الصحابة، وأن إجماع
الصحابة على ذلك كاف في الرد على هذا الطعن، وأن تصويب رأي ابن مسعود وتخطئةَ
الصحابة جميعِهم والأمةِ كلِّها غيرُ معقول، وأن القراءة التي نقرأ بها اليوم
(رواية حفص عن عاصم) تنتهي سنداً متصلاً إلى ابن مسعود نفسه، مما يبطل دعوى
التناقض بين مصحفه والمصحف الإمام.
3 ـ البرهنة على أن "اللامفكر
فيه" هو في الحقيقة "مُفكّر فيه":
سعى المؤلِّف إلى إثبات أن القضايا التي
يفترض أركون أن العقل الإسلامي تجاهلها أو قمعها، كالمجاز وتاريخية النص، تقع في
صلب التراث الإسلامي ومباحثه؛ فكتاب السيوطي الذي هاجمه أركون، "الإتقان في
علوم القرآن"، يزخر بمناقشات دقيقة، إذ يسرد بوعود عناوينَ أنواعها الثمانين
(80) كاملةً، مثل: أسباب النزول، والمكي والمدني، والحضري والسفري، والنهاري
والليلي، والصيفي والشتائي، مما يؤكد أن العلماء قد أعملوا الفكرَ في هذه القضايا
بعمق، بيد أنهم عالجوها بمنطق الإيمان واليقين، لا بمنطق الشك والريب الذي ينشده
أركون (من ص 109 إلى 115).
4 ـ بيان حدود "الأنسنة" اللغوية
وشكلانية السيميائيات
في معرض نقده لتطبيق المنهج السيميائي
الألسني على سورة الفاتحة، أوضح المؤلف أن أركون قد اختزل النص القرآني بأبعاده
الروحية والدلالية إلى مجرد بنى لسانية شكلية من الضمائر والعلاقات النحوية
المجرّدة، مما أفرغ النص من محتواه الدلالي والعقدي، وانتهى إلى نتائج لا تقدم
معرفة حقيقية بالقرآن، ولا ـ بعبارة بوعود ـ "أيَّ فائدة علمية"، بل
تخدم غاية وحيدة، هي بالتعبير الناقد للمؤلِّف، "تقويض كل ما له صلة بالوحي
والإيمان، وبغير دليل" (ص 155). كما آخذ عليه أنه "يأخذ دائما قارئه إلى
ذروة ما يبحث عنه ويتركه تائها، لا هو بالمكان الذي كان فيه سابقا، ولا هو تَقدَّم
خطوة يكشف فيها شيئاً جديداً"، وذلك من قبيل تصريحه بأنه "لا يهدف من
دراسة المستويات اللغوية إلى كشف المعايير النحوية للغة العربية، بقدر ما يهدف إلى
فهم خيارات الناطق، ويقصد إلى سبب اختياره لهذه الكلمة أو تلك دون غيرها"،
لأنه يعتبر "دراسة عملية النطق خطوة نحو فهم المعنى المقصود من خطاب المتكلم"،
لكنه لا يبيّن "كيف تكون دراسة عملية النطق هذه؟"، ويضيف الناقد في
الإجابة عن سؤال الكيف هذا: "لا يعطينا أركون جوابا!" .
ثم ينقل عن أركون تأسفه "لعدم استطاعته
القيام بمهمتين من أجل دراسة الحقل المعنوي لكلمات من سورة الفاتحة، وهما: ربطها
بالبنى الإيتيمولوجية للمعجم العربي،
وتقييم التحولات المعنوية التي طرأت عليها داخل النظام المعجمي المستخدم من قبل
اللغة القرآنية"، وينبه على أن هاتين المهمتين "تمثلان بالنسبة لأركون
الطريق الوحيد لمعرفة حجم تدخل المتكلم في عملية القول"، فيستدرك بكشف
التناقض بين "ذلك التأكيد السابق من أركون الذي يفيد أن دراسة عملية النطق
خطوة نحو فهم المعنى المقصود من خطاب المتكلم"، وبين تصريحه "بعجزه عن
القيام بذلك" "بعد أن لف ودار"، ثم يستنتج من هذا المسار أن
القراءة في هذا الموضع تظل غير مكتملة من منظور المنهج الذي يعلنه أركون، فيستفهم
ناقداً: "فأي قراءة هذه التي يقدمها للقارئ وهي ناقصة؟".
وطيلة "مبحث قراءة سورة الفاتحة"
الذي استفادت فيه الدراسة من اقتباسات امتدت لعشر صفحات (من ص 173 إلى 182)، لاحظ
بوعود وجود "فراغات كثيرة في المتن الأركوني" على مستوى التدقيق في
تحديد دلالات بعض مفاهيمه، وعلى مستوى انعدام التحليل في بعض القضايا كتلك الخاصة
بنظرية النظم الألسنية التي يشير فيها أركون إلى أنها "تلح على العلاقات
الأساسية بين علم النحو والنبر"، لكنه اكتفى بإيراد إحصاء "الوحدات
الصوتية الصغرى (الفونيمات)" في سورة الفاتحة دون أن يقدم تفسيرا ودلالة لهذا
الإحصاء.
ثالثاً ـ القيمة الفلسفية والحدود المعرفية
(ميزان الدراسة)
تستمد دراسة الدكتور أحمد بوعود قيمتها
الفلسفية والمعرفية من كونها محاولة للتأصيل المعرفي تتجاوز الردود الظرفية لتقف
على التخوم الفاصلة بين الصرامة العلمية والسجال الأيديولوجي. ومن منظور تحليل
الخطاب، يمكن تفكيك القيمة الفلسفية للأطروحة وحدودها المعرفية من خلال رصد التوتر
القائم بين "أدوات التحقيق العلمي" التي وظفها الباحث، وذلك وفق
المستويين الآتيين:
1 ـ المكاسب المعرفية.. تفكيك الوثوقية
المنهجية والانتصار للموضوعية
تكمن القوة الفلسفية النقدية للكتاب في
ممارسة نقد المنهج بالمنهج، حيث سعى الباحث إلى تفكيك ما يمكن تسميته بـ:
الدغمائية المنهجية عند أركون؛ إذ إنه يؤوّل هذه الترسانة المفهومية الغربية
(سيميائيات، إبستيمية، أنثروبولوجيا) بوصفها غير محايدة، ويذهب إلى أنها قد تؤطر
قراءة النص ضمن أفق علماني سابق على التحليل. قال: "وهذا التصور هو نتاج
معركة مع الدين بالأساس" (ص: 82).
وقد تعززت هذه القيمة المعرفية بالتزام
الباحث، في مفاصل حيوية من الدراسة، بخط التحقيق العلمي الصارم، متجاوزاً الردود
الانفعالية إلى ممارسة النقد الداخلي؛ إذ كشف عن الازدواجية المعيارية في نسق
أركون الذي يعطل آليات الشك المنهجي حين يتعلق الأمر بمرويات المستشرقين فيقبلها
كمسلمات وحقائق، بينما يطبقها بتعسف على المرويات الإسلامية. وبنص عبارته الناقدة:
"ما هذه الازدواجية في التعامل مع المعطيات العلمية؟ وما هذا الانتقاء في
الأحكام؟ إن أنصف المستشرقون الفكر الإسلامي وصفهم بالتبجيليين، وإن نقدوه وفككوه
أخذ عنهم!" (ص: 81).
وفي سياق إعادة الاعتبار للعقل الفقهي،
تجاوزت دراسة بوعود التحليلية النقدية الخطابَ التمجيدي لتقدم برهنة إبستمولوجية
على تماسك النسق المعرفي للعقل التراثي ممثلاً في الشافعي والسيوطي، مبينةً أن
المنهجية التوثيقية التراثية أكثر انتظاماً من بعض الافتراضات التاريخية عند أركون
(ص 44 و115).
وما يشكل المرتكز المعرفي الأساس لأطروحة
أحمد بوعود، ويمكن اعتباره أحد أهم مرتكزات النقد المعرفي في الكتاب، في تقديرنا
التحليلي، هو ذلك الفصل الأنطولوجي الحاسم بين الوحي، بصفته متعالياً مطلقاً
وإلهياً، وبين التاريخ / العقل، بصفته زمنياً ونسبياً وبشرياً. وفي هذه النقطة
تحديداً يرى بوعود أن المعضلة المنهجية عند أركون تكمن في محاولة ردم هذه الهوة
قسراً، وإخضاع الإلهي "المقدس" لمعايير البشري "الدنيوي"، مما
يؤدي بالضرورة إلى أنسنة النص القرآني ونزع خاصيته الجوهرية: القداسة. وقد تجلى
ذلك في ما تيسر لنا الوقوف عليه من النصوص والمواضع التي ركز فيها الباحث على هذا
التمايز في الكتاب، مثل:
ـ استحالة احتواء النسبي (التاريخية) للمطلق (الإلهي):
في سياق نقده لمفهوم "التاريخية"،
يرفض بوعود تطبيق هذا المفهوم على القرآن لأنه مفهوم بشري نشأ في سياق فلسفي مادي،
وتطبيقه يعني إخضاع المطلق الإلهي لمحددات النسبي البشري. يقول مستنداً على نصوص
لمحمد عابد الجابري: "تنسب التاريخية إلى التاريخ، مما يحيل إلى الماضي"،
"والإشكال الذي يطرحه القول بتاريخية النص القرآني هو تلك المشكلة المعقدة
المعروفة في تاريخ الفلسفة بمشكلة "علاقة الفكر بالواقع"، وفي علم
الاجتماع بمشكلة "علاقة المعرفة بالمجتمع وأطره". ووراء هاتين المشكلتين
تثوي مشكلة فلسفية أكثر تعقيدا "هي مشكلة الأبدي بالزمني، مشكلة المطلق
والنسبي". ثم يستنتج مباشرة أن "وصف القرآن الكريم بالتاريخية إنما هو
وصف نجد معناه في النقطة الأخيرة" التي تقول "إن مشكلة علاقة الفكر
بالواقع مشكلة كبرى تتمثل في الأبدي والزمني، أو النسبي والمطلق"، وأن "هذه
المشكلة الكبرى هي السبب الرئيس في القول بتاريخية النص القرآني من أجل تجاوزه
وطرحه"، مرجحاً أن تكون التاريخية وجهاً من وجوه التفكيك الذي "هو عمد
منهج أركون النقدي" (ص 133 و134). وبيِّنٌ هنا أن الباحث يؤكد أن أدوات
التاريخ البشري التي تتعامل مع ما هو نسبي ومتغير عاجزة جوهرياً عن الإحاطة بما هو
مطلق وثابت (الإلهي)، وأن من يطبق التاريخية فهو ضمناً يحول الإلهي إلى منتج بشري
خاضع للزمن.
ـ التمايز بين الحقيقة الإلهية والأسطورة البشرية:
يرفض الباحث تسوية القصص القرآني بالأسطورة
أو الحكايات الشعبية، مؤكداً أن المصدر يحدد الطبيعة؛ فما يصدر عن "المخيال
البشري" (أسطورة) يختلف جذرياً عما يصدر عن "العلم الإلهي" (حق).
ففي تطرقه للسيميائيات التي يستخدمها أركون لتحليل القرآن، ذهب الباحث رأساً إلى
"غريماس" ، فقال: "إن المنطلق الرئيس للسيميائيات عند غريماس كان
هو الحكايات الشعبية، مما يجعل تطبيقها على النص القرآني فيه الكثير من المغامرة"
(ص 160)، في إدراك واع بأن استخدام أدوات صممت لتحليل المرويات الشعبية أو
الأساطير من أجل دراسة الوحي هو مغامرة غير محسوبة وتسوية يعوزها المنطق لإلغائها
الفارق النوعي بين كلام الخالق والإنتاج البشري.
ـ قصور العلوم الإنسانية عن مقاربة "المقدس":
يذهب الباحث إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن
العلوم الإنسانية نفسها، بصفتها نتاجاً للعقل البشري الغربي في صراعه مع الكنيسة،
تحمل، في نظره، بنية علمانية كامنة تجعلها غير مؤهلة للتسوية بين النصوص البشرية
والنص الإلهي. يقول: "إن العلوم الإنسانية والاجتماعية وليدة تصور غربي عن
الإله والإنسان والحياة والطبيعة والعلم"، "وهذا التصور هو نتاج معركة
مع الدين بالأساس. فهل يمكن أن ننقل تلك المعطيات إلى ساحة الفكر الإسلامي رغم
اختلاف الشروط؟ أليس هذا منافيا للعلمية؟" (ص 82). يمكن تلخيص الحجة على
النحو الآتي: الأداة الوضعية المصممة لرصد الظواهر البشرية قاصرة عن رصد
"المتعالي"، واستخدامها يعني مسبقاً التعامل مع القرآن كظاهرة بشرية
بحتة.
إن أحمد بوعود لم يكن يدافع عن التراث فحسب،
بل كان يدافع عن السيادة الأنطولوجية للنص القرآني، وأيُّ منهج نقدي نظير منهج
أركون لا يعترف ابتداءً بهذا الفارق الجوهري بين "الإلهي"
و"البشري"، وينطلق من مساواتهما في التفكيك، هو منهج ينطلق من مقدمات
وضعية تُحَيّد المصدرية الغيبية للنص، ويصادر على المطلوب قبل أن يبدأ البحث، أو
أنه، إذا أعلن إيمانه، يتحدث عن إيمان بمعنى آخر مختلف يستحيل أن ندرك له دلالة.
2 ـ الحدود المنهجية وانزلاقات الذاتية
على الضفة المقابلة، ورغم ما يتضمنه الكتاب
من اعتراضات منهجية قوية، تُسجِّل القراءة، في بعض المواضع، انتقالاً أسلوبياً من
تفكيك البنية الحجاجية إلى تقويم فاعل الخطاب عبر مؤشرات لغوية يمكن ضبطها من داخل
النص نفسه. ويتجلى ذلك في:
ـ معجم تقويمي وأفعال قول تُحَمِّل الخصم حكماً مسبقاً، من
قبيل: يدّعي، يزعم، ثم تُبنى عليه صياغات تقويمية؛ وهو ما يظهر في الأسئلة
الإنكارية التي تُقدَّم بوصفها خلاصة حُكم.
ـ صيغ التعميم والتشديد التي تُغلق باب الاحتمال وتُنزّل
الحكم منزلة القاعدة، كما في استعمال أدوات مثل "دائماً" داخل توصيف
المسار القرائي، من قبيل قوله: "يأخذ دائما قارئه…" (ص 178).
ـ الاستفهام التقويمي وعلامات التعجب التي تنقل الحكم من
مساحة الفحص إلى مساحة الإدانة (لا جواب / قراءة ناقصة)، كما في: "لا يعطينا
أركون جوابا!" (ص 178)، و"فأي قراءة هذه…؟" (ص 181).
ـ توجيه النقد نحو الشخصنة عبر صيغ تُحيل النقاش من اختبار
الدعوى إلى تقويم المتكلم أو نزع أهليته المعرفية (مثل توصيف موقفه بالعجز أو
إحالة بعض اختياراته إلى خدمة أغراض الغير) (ص 150).
إن القيمة الكبرى لكتاب بوعود تكمن في كونه تصفيةً للحقل المعرفي من مسلمات الاستشراق. ويبقى السؤال البحثي المفتوح هو: ماذا بعد؟ فإذا كان أركون قد أخطأ في تطبيق تاريخية النص، فكيف نؤسس لفهم تاريخي لا يمس قدسية الوحي عند تنزيله في واقع معقد؟ وإذا كانت غاية الإسلاميات التطبيقية هي تفكيك المقدس، فكيف نؤسس لإسلاميات بنائية تستخدم أدوات التحليل اللساني لإبراز إعجاز النص في سياق العولمة؟
ـ وحجاجياً، تعمل هذه المؤشرات مجتمعة على نقل مركز الثقل
من مساءلة المقدمات والأدلة وآليات الاستدلال إلى تقويض صورة المخالف؛ وهو ما
يُقَرِّب بعض المقاطع من منطق السجال أكثر مما يثبتها داخل منطق التحليل
الإبستيمي. لذلك، ولتحصين الموضوعية الأكاديمية، يُستحسن في هذه المواضع ردّ كل
حكم تقويمي إلى قرينة نصية أو معيار منهجي صريح (اتساق، كفاية الأدلة، سلامة
الإجراء)، مع تعليق نسبة القصد / الدافع ما لم يدل عليه نصٌّ صريح أو استدلال
مضبوط.
وأخيراً، يظل الحد المعرفي الأبرز هو غياب
البديل التأسيسي؛ إذ نجحت القوة النقدية للكتاب في هدم أطروحات أركون، لكنه انتهى
دون تقديم مشروع بديل لقراءة القرآن يستوعب أسئلة الحداثة، متوقفاً عند النقطة
التي ينبغي أن يبدأ منها التجديد الحقيقي. ويمكن رصد هذا النقص في الجوانب التالية:
ـ الاستغراق في الدفاع:
اعتمد بوعود في نقده على استعادة أدوات
الشافعي والسيوطي وابن خلدون للرد على أركون. ومع أهمية هذا الدفاع لتثبيت
المرجعية، إلا أنه لم يقدم إبستمولوجيا جديدة تتعامل مع الألسنيات والسيميائيات
التي وظفها أركون. وبدلاً من تقديم سيميائيات أو لسانيات بديلة توظف هذه العلوم في
خدمة النص، اكتفى الكتاب ببيان أن هذه العلوم وليدة سياق غربي مؤسَّس على "العلمانية
واللائكية" (ص 30)، وعلى "نظرية التطور (الدروينية / التحررية) أو
الدوابية التي تدعي أن الإنسان ينحدر من سلالة القرود" (ص 60 و61)، وهو ما
يغلق الباب أمام الاستفادة من المنجز الحضاري الحديث.
ـ تجاوز أسئلة الحداثة أم تجاهلها؟
أركون يطرح أسئلة تتعلق بالتاريخية،
والمخيال الجماعي، وعلاقة النص بالواقع المتغير، وإن كانت إجاباته مرفوضة من وجهة
نظر إسلامية. وبينما نجح الكتاب في القول إن إجابات أركون هادمة للدين، لكنه لم
يقدم بديلاً تفسيرياً يجيب عن سؤال: كيف يمكن للقرآن أن يكون معاصراً في ظل تغير
الشروط الإبستمولوجية للعالم؟ إن البديل الذي قدمه الكتاب هو العودة إلى ما كان،
بينما التحدي هو الانطلاق مما كان لمواجهة ما هو كائن.
ـ معضلة الأدوات المعاصرة:
يشير المؤلف في بعض ملاحظاته النقدية إلى أن
نقل العلوم الإنسانية الغربية إلى ساحة الفكر الإسلامي هو منافٍ للعلمية لاختلاف
الشروط. هذا الموقف التمنعي، على الرغم من وجاهته في منع الاستلاب الثقافي، ترك
فراغاً منهجياً؛ إذ لم يبلور الكتاب تصورا لكيفية إمكانية إنتاج المسلم المعاصر
علماً إنسانياً نابعاً من العقيدة وقادراً في الوقت ذاته على تحليل الظواهر
المعاصرة بنفس القوة التحليلية التي تمتلكها المناهج الحديثة.
إن القيمة الكبرى لكتاب بوعود تكمن في كونه
تصفيةً للحقل المعرفي من مسلمات الاستشراق. ويبقى السؤال البحثي المفتوح هو: ماذا
بعد؟ فإذا كان أركون قد أخطأ في تطبيق تاريخية النص، فكيف نؤسس لفهم تاريخي لا يمس
قدسية الوحي عند تنزيله في واقع معقد؟ وإذا كانت غاية الإسلاميات التطبيقية هي
تفكيك المقدس، فكيف نؤسس لإسلاميات بنائية تستخدم أدوات التحليل اللساني لإبراز
إعجاز النص في سياق العولمة؟
خاتمة:
إن التطلع إلى بناء نموذج معرفي في الدراسات
القرآنية المعاصرة، قادر على استيعاب المناهج الحديثة دون الخضوع للاستلاب
المعرفي، يقتضي ابتداءً القيامَ بمراجعة نقدية فاحصة للقراءات السابقة. وفي هذا
السياق، تكتسب دراسة الدكتور أحمد بوعود "الظاهرة القرآنية عند محمد
أركون" قيمتها العلمية؛ إذ لا تقف عند حدود الرد، بل تتجاوز ذلك لتشكل وثيقة
نقد إبستمولوجي تُسائل الأسس المنهجية للمشروع الأركوني.
ويمتد أثر هذا العمل إلى إغناء النقاش في
مجال الدراسات القرآنية عبر معالجة نقدية لمسائل منهجية، تُبرز فاعلية بعض أدوات
المنظومة المعرفية التراثية في مواجهة تحديات القراءة المعاصرة، وتفتح إمكانات
لمقاربات تأسيسية بديلة لاحقة.
*باحث
في فلسفة التواصل وتحليل الخطاب