كتب

النظم التربوية في البلدان المغاربية.. الواقع والآفاق (2من2)

كتاب يبحث في رهانات التقارب والشراكة بين تونس والمغرب والجزائر في المناهج التعليمية- (إنترنت)
كتاب يبحث في رهانات التقارب والشراكة بين تونس والمغرب والجزائر في المناهج التعليمية- (إنترنت)

الكتاب: "النظم التربوية في البلدان المغاربية: تونس- الجزائر- المغرب"
المؤلف: د. مصدّق الجليدي
النّاشر: مجمّع الأطرش للكتاب المختص
الطبعة الأولى: 2020
عدد الصفحات: 224 صفحة.

يواصل الصحفي والإعلامي التونسي الحسين بن عمر، في الجزء الثاني والأخير من عرضه لكتاب "النظم التربوية في البلدان المغاربية: تونس- المغرب- الجزائر"، تسليط الضوء على الخطط التربوية التي اتخذتها قيادات هذه الدول منذ الاستقلال، والتقاطعات التي كانت بينها، ويطرح السؤال عما إذا كان من الوارد أن تتطور هذه التقاطعات إلى برامج تنفيذية على الأرض في شكل شراكات بين المؤسسات التعليمية في هذه الأقطار.

النظم التربوية المغاربيّة وتواصل الإصلاحات 

يقف الدّارس للأنظمة التربوية في كل من تونس والجزائر والمغرب، موضوع دراسة الحال التي تناولها مصدّق الجليدي، بحكم نقاط التشابه العديدة بينها، على وجود سلسلة طويلة من الإصلاحات، بدأت منذ الاستقلال عن المحتل الفرنسي. ولا تنفكّ هذه الإصلاحات تتواصل إلى الآن، وهو ما يدلّ على وجود "مشكلة" أو مشاكل مزمنة أو مستجدّة تتطلب المراجعة والتصحيح مرّة من بعد مرّة. 

ففي المغرب مثلا، بعد الميثاق الوطني للتربية والتكوين وصياغة الكتاب الأبيض، وجدت حاجة بعد سنوات قليلة من بدء التطبيق لوضع "برنامج استعجالي" (2009- 2011) ثم أخيرا "رؤية استراتيجية للإصلاح: (2015- 2030). في حين وُضع الإصلاح في تونس بعد الفترة البورقيبية، التي عرفت بإصلاح 1958 خاصة، إصلاحان: إصلاح 1991 والقانون التوجيهي 2002. والآن تجتهد المجموعة الوطنية لبلورة مشروع لـ"إعادة بناء المنظومة التربوية" (انظر مثلا الكتاب الأبيض للائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية، جويلية، 2015). 

نفس الشيء بخصوص النظام التربوي الجزائري، الذي عرف إصلاحات عديدة مثل إصلاح 1976 وإصلاح 1980/ 1981 وإصلاح 1993/ 1994 والقانون التوجيهي 2008.

النظم التربويّة المغاربيّة: الفروق والتقاطعات 

يدلّ تواتر مشاريع الإصلاح، المذكورة أعلاه، على أن الإصلاح التربوي في البلدان المغاربيّة الثلاثة، عبارة عن ورشة وطنية مفتوحة. وبناء عليه، فإن الغاية الكبرى من دراسة الحال هي النظر عن كثب في مسألتين رئيسيتين:

ـ ما الذي يجمع بين النظم التربوية المغاربية في تونس والجزائر والمغرب؟
ـ ما الذي يميز بعض هذه النظم عن بعضها البعض تمييزا يمكن أن يكون مصدر إلهام للبعض الآخر ومنطلق تعاون لمزيد تعميقه ونشره على الصعيد المغاربي؟

من هذه الغاية الكبرى تتفرع أهداف الدراسة الراهنة الآتية:

أولا: التعرف على خصائص هذه النظم التربوية المغاربية الثلاثة في مستوى عدد من المحاور والمكونات.
ثانيا: تحديد نقاط التشابه والتماثل بينها.
ثالثا: استخراج مميزات كل نظام تربوي من هذه النظم الثلاثة عن الآخر.
رابعا: تحديد ملامح نظام تربوي مغاربي موحّد انطلاقا من التقاطعات الموجودة ومن فرص الإثراء المتبادل المرصودة.

يمكن تشبيه النظام التربوي بكائن حي له روح وبنية أو هيكل ووظائف حيوية، وذلك وفق التوزيع الآتي:

أولا: ما يمكن اعتباره روح النظام ومصادر إلهامه: الغايات والمرجعيات والانتماء الحضاري والثقافي، أو شخصيته الوطنية والقومية والحضارية. 
ثانيا: ما يمثل ما يمكن أن نسميه مورفولوجيا وأناتوميا النظام التربوي(البنية والهياكل الداعمة).
ثالثا: ما يمكن اعتباره فيزيولوجيا النظام أو دينامية اشتغال وظائفه الحيوية وعوامل نموه وتجدده: التسيير والحوكمة ـ التجديد البيداغوجي ـ التكوين ـ البحث التربوي.

الحاجة لتبني نموذج تربوي من داخل المدرسة الإصلاحية المغاربية-الأندلسية

بعد التعرّض لجملة من المكونات الأساسية للنظم التربوية المغاربية في تونس والجزائر والمغرب، وبعد تشخيص روح هذه النظم ومورفولوجياتها وعدد من وظائفها الحيوية (فيزيولوجياتها)، فهل يمكن القول بوجود روح واحدة لهذه النظم، وهل أنها تتمتع بنفس القدر من المتانة والتعقد الهيكلي والحيوية الوظيفية؟

إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التاريخ المتماثل أحيانا والمتشابه أحيانا أخرى، والجغرافيا الممتدة الواحدة المواجهة لنفس الآخر الأوروبي المتصلة بنفس الجار الإفريقي تقريبا وبنفس الأخ العربي، إضافة إلى الاشتراك العريض في اللغة والدين والثقافة، فإنه من المستبعد من حيث المبدإ أن تكون روح الشعب المغاربي العربي المسلم في غالبه، روحا متنافرة. غير أنّ الخيارات المرجعية للنظم التربوية المغاربية قد تباينت بقدر ما في مستوى التأكيد على المرجعية العربية الإسلامية للنظام التربوي في كل بلد وفي مستوى مسألة التعريب.

 

إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التاريخ المتماثل أحيانا والمتشابه أحيانا أخرى، والجغرافيا الممتدة الواحدة المواجهة لنفس الآخر الأوروبي المتصلة بنفس الجار الإفريقي تقريبا وبنفس الأخ العربي، إضافة إلى الاشتراك العريض في اللغة والدين والثقافة، فإنه من المستبعد من حيث المبدإ أن تكون روح الشعب المغاربي العربي المسلم في غالبه، روحا متنافرة.

 



يقترح المؤلف تبني نموذج تربوي حداثي أصيل، يمدّ المتعلمين بالمواد المعرفية والطرق المنهجية ويفتح أمامهم السبل البحثية لبناء متدرج يزداد تركّبا من مرحلة تعليمية إلى أخرى، لحداثة أصيلة من داخل ممكنات العقل الثقافي والعلمي العربي الإسلامي عموما والمدرسة المغاربية ـ الأندلسية والإصلاحية خصوصا، استيعابا ونقدا وإعادة بناء وتجاوز، مع الاستفادة الواعية من مجلوبات وفتوحات الفكر الإنساني شرقا وغربا.

كما يقترح مزيد تطوير سياسة تعريب تدريس المواد العلمية الصحيحة والتقنية والاجتماعية والإنسانية في كل من الجزائر والمغرب، والتخطيط المحكم لها في تونس، انطلاقا من توجيه الترجمة على المستوى الوطني إلى هذه الغاية بدرجة أولى، وتحفيز الإنتاج العلمي الوطني باللغة العربية وفق معجمية يتم الاتفاق حولها مغاربيا وعربيا، ثم تطبيق النقل التعليمي اللازم والمناسب على المواد العلمية المعربة للتعليمين الثانوي والإعدادي.

هذه المزاوجة بين التحديث الأصيل والإنتاج العلمي الوطني والمغاربي من جهة، والتعريب المستوعب لمكاسب العقل الإنساني والمواكبة المستمرة لأحدث منتجات هذا العقل، هو من أجل أن تتدعّم استقلالية البلدان المغاربية وأن تكسب رهان التفوق والامتياز.

أما مورفولوجية النظام وأناتوميته (هيكلته وبنيته وشبكته العصبية وخلاياه) فهي في الأصل في خدمة نظامه الحيوي (فيزيولوجيته). فالوظيفة التجديدية في طرق التعليم مثلا ووسائله أو الوظيفة التكوينية لفاعلي النظام التربوي تتطلب بنى وهياكل تقوم عليها وبها.

من هذه الناحية المتشابكة، تبدو ملامح النظام التربوي المغربي، كما يقدمها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ملامح منبئة بحيوية لافتة للنظر، يزيدها حركية الميل المتزايد نحو اللامركزية واللاتمركز بما ييسر مهمة الحوكمة الرشيدة ومختلف تمشياتها.

في تونس مثلا، تتواتر الأدلة والمؤشرات عن الأزمة التي يعيشها النظام التربوي. وما العمل حاليا على وضع تصور جديد للنظام التربوي سواء على المسار الرسمي أو على المسارين المدني أو الحزبي، إلا دليل على وجود فساد كبير في هذا النظام.

وفي الجزائر كذلك ليس هنالك رضا حقيقي عن أوضاع المنظومة التربوية، رغم المكاسب التي حققتها طوال العقود الماضية.

الحاجة لبناء أرضية تعليمية وبحثية مغاربية مشتركة

رغم عدم تمكن دراسة الحال من إنجاز بحوث ميدانية في الموضوع الراهن، يمكن الجزم بأنّ نتائج هذا البحث على قدر من الدلالة استنادا إلى الرصد المنظم والتحليل الدقيق للمعطيات التي تخص الأنظمة التربوية الثلاثة في تونس والجزائر والمغرب، في مستوى المحاور التسعة التي شملتها هذه الدراسة، ويمكن أن نعتبر أن الخلاصة الأعم هي في وجود تشابهات وإمكانيات تعاون كبيرة بين هذه النظم التي يتوسم فيها المؤلف قابلية كبيرة للإصلاح العميق، رغم الأزمات المتكررة التي مرت بها ولا تزال. 

ومن الفرص المتاحة لإنجاز هذا الإصلاح المشترك هو وجود أرض سياسية مغاربية يجب تفعيلها في هذا المجال، للربط بين الباحثين المغاربة الذين لهم رغبة كبيرة واستعداد تام للتعاون في ما بينهم لبناء أرضية تعليمية وتربوية وتكوينية وبحثية مغاربية مشتركة وصلبة. وليس هنالك أي عائق نفسي ـ اتصالي وتواصلي بين هؤلاء الباحثين، بل توجد روابط ممتازة ومشاعر إيجابية للغاية. بل إنّه يمكن الجزم بأنّ الرّعاية الرسميّة لمشاريع الإصلاح المغاربية المشتركة واستغلالها لفائدة نهضة تربوية وعلمية مغاربية، سوف تعود بأعم فائدة على الجميع. 

في خاتمة الدّراسة، يخلص الدّكتور مصدّق الجليدي، الباحث في علوم التربية، إلى أنّه في انتظار الاستفاقة التاريخية للأنظمة المغاربيّة أو تطورها، عبر تمشيات ديمقراطية تشاركية نحو الانسجام مع تطلعات المواطنين المغاربة ورغبتهم في التلاقي والعمل معا، لا شيء يمنع من العمل على نسج شراكات بين الجامعات والمؤسسات البحثية المغاربية، للشروع في بلورة مشروع تربوي مغاربي مشترك، أو على الأقل في التطرق مبدئيا، تباعا وتصاعديا لعدد من القضايا والجوانب ذات العلاقة بهذا المشروع المنشود. 

 

إقرأ أيضا: النظم التربوية في البلدان المغاربية.. الواقع والآفاق (1من2)

التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم