ملفات وتقارير

هل يؤثر رحيل السبسي على المسار الديمقراطي في تونس؟

 أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس أن الانتخابات الرئاسية ستقام في 15 أيلول/ سبتمبر- جيتي
أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس أن الانتخابات الرئاسية ستقام في 15 أيلول/ سبتمبر- جيتي

جاءت وفاة الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، في فترة حساسة تمر فيها الدولة التونسية، لتفتح برحيله التساؤلات حول مصير المسار الديمقراطي في البلاد، التي كانت تسير زمنيا نحو انتخابات برلمانية يليها رئاسية.

ردود الأفعال التي تلت وفاة السبسي، شددت على وحدة الصف وحماية المسار الديمقراطي، على الرغم من هشاشة المشهد الذي ينتابه تصاعد في الخلافات، والتوافق على التعديلات الدستورية حول قانون الانتخابات، التي كان من المفترض أن يقرها السبسي.

ودستوريا تولى رئيسا للبرلمان التونسي محمد الناصر، مهام الرئيس، لمدة أقصاها 90 يوما، يجب أن تجرى خلالها الانتخابات الرئاسية بدورتيها عند الاقتضاء، بما يسمح بمباشرة الرئيس الجديد لمهامه قبل تجاوز ذلك الأجل الدستوري.

ودعا الرئيس التونسي المؤقت، محمد الناصر، أبناء بلاده إلى "الثقة بمؤسسات الدولة والالتفاف حولها"، معلنا التزامه بـ"تأمين مسار الانتخابات طبقا للقانون". 

وبعد أداء اليمين، أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس، أن الانتخابات الرئاسية ستقام في 15 أيلول/ سبتمبر، بدلا من 17 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

وطمأن الناصر التونسيين بأن "مؤسسات الدولة تعمل بانتظام ونجاعة ويقظة وجاهزية عالية؛ للحفاظ على أمن البلاد ومكاسبها".

 

اقرأ أيضا: الناصر يؤكد التزامه بـ"تأمين" مسار الانتخابات التونسية

 

فاجعة قبيل الانتخابات

 

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي التونسي، زياد المزغني، إن وفاة السبسي فاجعة أصابت الجميع، قبيل الانتخابات، مشيرا إلى أنه كان ملتزما بشكل كبير بنصوص الدستور والإجراءات القانونية، ووفاته جاءت بالتزامن مع أول مراحل المسار الديمقراطي.

وأشار في حديثه لـ"عربي21"، إلى أنه سيتم التوقف في مواصلة الإعداد للانتخابات التشريعية، بسبب تقديم الانتخابات الرئاسية عليها، بعد أن كانت عكس ذلك.

وأضاف، أن المؤتمر الصحفي المشترك لمجلس النواب ورئيس الوزراء، يهدف بشكل أساسي لطمأنة الشعب التونسي حول وضع المؤسسات في الدولة.

 

التعديلات الدستورية

ولفت إلى أن الجدل الجاري والمطروح الآن، هو موضوع التعديلات التي طرحت على قانون الانتخابات، والتي تهدف لإقصاء عدد من الأطراف السياسية، موضحا أن القانون الجديد يمنع ترشح أي شخص عمل في جمعية أو منظمة خيرية لمدة عام، إلى جانب أولئك الذين يمتلكون قنوات تلفزيونية تقوم بالدعاية السياسية.

وعلى الرغم من إقرار التعديلات في مجلس البرلمان، إلا أنه لم يتم توقيعه من الرئيس السبسي، وفي هذا الإطار استبعد المحلل السياسي التونسي بأن يوقف الناصر الخروج عن موقف السبسي من التعديلات، وعدم توقيعه عليه.

وأشار إلى أن هناك أطروحات أخرى تؤول النص الدستوري بشكل مختلف، باعتبار أن الأجيال القانونية لإمضاء التعديلات الدستوري قد مرت، وأنه يمكن لرئاسة الحكومة نشر القانون وتعديلاته بالجريدة الرسمية ليصبح القانون نافذا، مؤكدا أنه سيبقى محل جدل بين الأحزاب السياسية.

 

اقرأ أيضا: أبرز المحطات التونسية خلال حكم السبسي (إنفوغراف)

استعداد الأحزاب للرئاسة

 

وحول استعداد الأحزاب السياسية لانتخابات الرئاسة، بيّن المزغني، أن هناك أطرافا غير معنية بالرئاسة، وأخرى تعتبرها مسألة محورية، كحزب رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وحزب البديل الذي يترأسه رئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة، وشخصيات أخرى كأستاذ القانون الدستوري قيس سعيد، ورئيس الحكومة الأسبق حمادي جبالي، وكذلك الاسم الصاعد في استطلاعات الرأي مالك قناة نسمة، ورجل الأعمال نبيل القروي الذي يقود حزب "قلب تونس".

ولفت إلى أن الحزب السياسي الفاعل في الساحة التونسية، النهضة، لم يعلن بعد تقديم مرشح أو دعم شخصية، كورقة سيقوم باستخدامها من أجل نسج تحالفات.

 

تغيير قواعد اللعبة السياسية

ونوه إلى أن تقديم الانتخابات الرئاسية على التشريعية، سيغير قواعد اللعبة السياسية في العلاقان بين القوى وتوازنات التحالفات، كما كانت تخطط له الأحزاب، موضحا، أن التحالفات لتشكيل الحكومة، وانتخابات الرئاسة، كانت ستقام على الوزن الانتخابي الذي سيحصده كل حزب في انتخابات البرلمان، إلا أن الأمور انقلبت مع وفاة السبسي وتقديم الرئاسيات.

الأكاديمي والباحث تونسي محمد هنيد، أشار إلى أن التجربة التونسية تعد أنجح التجارب الثورية، إذا ما قورنت بمثيلاتها في المنطقة العربية، إلا أنه رغم ذلك، لا يمكن فصل المشهد في تونس عن السياق الإقليمي، خاصة مع تورط القوى العربية الداعمة للانقلابات في مساندة مساعي الدولة العميقة لاستعادة النظام القديم كاملا، كما حدث الأمر في مصر.

 

الانقلاب على الثورة

 

 وأضاف في مقال له نشر على "عربي21"، أن هناك قوى تابعة لدولة الإمارات تنشط بشكل خاص في تمويل أذرع النظام القديم بشكل علني ومفضوح، وهي لا تخفي سعيها إلى الانقلاب على الثورة التونسية، متعللة بمحاربة الإسلاميين تارة وبمحاربة الإرهاب تارة أخرى.

وأشار إلى أن هناك قوى إقليمية ودولية أخرى، تسعى إلى إفشال التجربة التونسية، إلا أنه لاتزال أمام القوى السياسية في البلاد فرصة كبيرة لتدارك أخطاء الماضي وإصلاحها، والوعي بمستحقات المرحلة التي تتطلب أول ما تتطلب وضع الاختلافات الفكرية والمطامح الفردية جانبا، والسعي إلى إفشال مخططات النظام القديم وخلاياه النائمة والمتيقظة.

 

اقرأ أيضا: لماذا رشحت "النهضة" زعيمها الغنوشي للانتخابات البرلمانية؟

وأردف، أن ذلك لن يكون ممكنا دون انسحاب الوجوه المعارضة القديمة التي استنفدت حقها وقدراتها خلال السنوات العشر الماضية، والدفع بوجوه شابة جديدة تستطيع حمل المشعل ومواجهة النظام القديم بأدوات جديدة.

وتابع هنيد، أن دون ذلك، ودون مراجعات حقيقية وتقييم جدي للمرحلة السابقة؛ فإن المشهد سيراوح مكانه، وسيبقى مفتوحا على كل الاحتمالات التي أخطرها هو استحواذ النظام القديم على السلطة من جديد، والعودة إلى المربع الأول.

التعليقات (0)