إن التاريخ لا يرحم، والقانون لا ينسى، والشرع لا يبرر الظلم. وما يحدث في السودان اليوم هو اختبار حقيقي لضمير العالم، قبل أن يكون اختبارًا للأنظمة السياسية. فإما أن نكون في صف العدالة، قولًا وفعلًا، أو نتحمل تبعات الصمت، قانونيًا وأخلاقيًا وشرعيًا.
إن الصراع الحالي ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لتراكمات طويلة من التوترات الإقليمية والدولية. فمنذ عقود، والمنطقة تعيش على إيقاع صراعات متداخلة، تبدأ من التنافس الجيوسياسي ولا تنتهي عند حدود الصراع الأيديولوجي. وقد أثبت التاريخ أن مثل هذه التهدئات المؤقتة كثيرًا ما تكون مقدمة لجولات أكثر حدة، خاصة حين لا تُعالج الأسباب الجذرية للنزاع.
إنّ إقرار مثل هذا القانون يكشف عن اختلال عميق في فهم سلطة الدولة وحدودها، ويطرح أسئلة جوهرية حول مشروعيتها وشرعيتها، ليس فقط في إطار النزاع العربي ـ الإسرائيلي، بل في الضمير الأخلاقي والقانوني العالمي.
ربما لم يدرك كثيرون ما يعنيه أن يعيش الإنسان في ظل الخوف المستمر من القصف، حيث يصبح الموت رفيقًا لا يفارقك. اليوم، يلوذ شعوب الخليج والشرق الأوسط بالملاجئ هربًا من صواعق الحرب، بينما ظل الفلسطينيون في غزة على مدى عامين يواجهون الموت في كل زاوية من زوايا حياتهم، بلا ملجأ، بلا أمان.
شهد مسجد الفاتح العريق في إسطنبول، أواخر شهر رمضان، مشهداً غير مألوف أثار دهشة المصلين والزوار على حد سواء. ففي اللحظة التي كان فيها المصلون منشغلين بصلاة التراويح في الدورين السفلي والعلوي للمسجد، فوجئوا بعدد من النساء يخلعن حجابهن بشكل علني، ويلقينه على المصلين. كان هذا الفعل مصحوبًا برسالة مطبوعة تقول: "المسجد الأقصى شرف الرجال، دافع عن شرفك، قبلتك الأولى مغلقة".
لقد أثبت التاريخ أن الاعتماد على القوة وحدها لا يحقق استقرارًا دائمًا، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى دورات متكررة من العنف والتصعيد. وما يحدث اليوم يذكرنا بالحاجة الملحة إلى إعادة الاعتبار لقيم العدالة والحوار واحترام القانون الدولي، باعتبارها الطريق الوحيد لتجنب مزيد من الكوارث الإنسانية.
التقارب الخليجي ـ الباكستاني يحمل بعداً اقتصادياً مهماً، إذ تتزايد الاستثمارات الخليجية في الاقتصاد الباكستاني، في مجالات الطاقة والبنية التحتية والموانئ. وهذه المصالح المتبادلة تعزز استقرار العلاقة وتجعلها أكثر من مجرد تحالف سياسي ظرفي.
إن مجرد استخدام مصطلح "صفقة" في سياق قضية بحجم قضية فلسطين ينطوي على تحوّل خطير في البنية القانونية والأخلاقية للنزاع. فالصفقة ـ في معناها القانوني ـ تقوم على الرضا المتكافئ وتبادل المنافع بين أطراف متساوية. أما حين يُستدعى هذا المصطلح في سياق احتلال قائم، فإننا نكون أمام محاولة لنقل القضية من دائرة الحق التاريخي الثابت إلى دائرة المقايضة السياسية، وكأن الأرض والسيادة والهوية عناصر قابلة للمساومة. وهذا ما نبّهت إليه في "سفير الحق" معتبرًا أن أخطر ما في المشروع ليس بنوده المعلنة، بل منطقه المؤسس.
لقد دعوتُ منذ عام 2014 إلى مبادرة تقوم على توحيد القوى الإسلامية الكبرى، إدراكًا مني أن التشرذم لم يعد ترفًا يمكن احتماله، وأن النزاعات البينية تستنزف مقدراتنا وتفتح الأبواب أمام تدخلات لا تعبأ بقيمنا ولا باحترام سيادتنا. كانت رؤيتي آنذاك، ولا تزال، أن تعاون ثلاث دول محورية في العالم الإسلامي: المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، يمكن أن يشكّل نواة صلبة لاستقرار إقليمي أوسع، بل ولمعادلة دولية أكثر توازنًا.
ليست الفضيحة في اسم جيفري إبستين وحده، فقد مات الرجل وبقيت الأسئلة. الفضيحة الحقيقية تكمن في تلك الظلال الثقيلة التي كشفتها – أو أعادت إحياءها – تسريبات وزارة العدل الأمريكية، والتي لامست دوائر نفوذ يُقال إنها تتشابك مع مؤسسات سياسية ومالية وإعلامية كبرى تتحكم في مفاصل العالم اليوم. نحن أمام اختبار أخلاقي يتجاوز حدود قضية جنائية إلى سؤال حضاري عميق: ماذا يحدث حين تتعرّى السلطة من أي قيد قيمي؟
تعود التهديدات الأمريكية بضرب إيران وإسقاط نظامها إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي كلما اشتد التوتر في الشرق الأوسط، وكأنها لازمة سياسية ترافق كل تحول استراتيجي كبير. غير أن هذه التهديدات، على كثرتها، لا يمكن فهمها بمعزل عن التاريخ الطويل والمعقد للعلاقة بين إيران والغرب، ولا عن التحولات العميقة التي طرأت على موقع إيران ودورها منذ الثورة الإسلامية وحتى اليوم.
لا يمكن الحديث اليوم عن نظام دولي، أو عن قيم إنسانية مشتركة، من دون التوقف طويلاً أمام الجريمة المستمرة في غزة. فالإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني لم تتوقف، ولم تتراجع، ولم تُكبح، وكل ما سُمّي وقفاً لإطلاق النار لم يكن، في أحسن الأحوال، سوى غطاء سياسي هشّ، أُريد له أن يخدّر الضمير العالمي، بينما استمرت على الأرض سياسات التجريف والقتل والدمار والاستئصال، بأدوات أكثر هدوءاً أحياناً، وأكثر وحشية في أحيان أخرى.
يشكل اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حدثًا استثنائيًا في مسار العلاقات الدولية، ليس فقط لأنه يتعلق بشخصية سياسية بارزة، بل لأنه يمثل انتهاكًا واضحًا ومباشرًا للقانون الدولي، ويعكس تحولًا جوهريًا في نظام القوى الدولية، وعلامة فارقة على إعادة تشكيل النظام العالمي بطرق لم تكن متوقعة قبل سنوات قليلة.
منذ أكثر من عقد، تعيش سوريا تحت حصار اقتصادي خانق، جرى تسويقه دوليًا باعتباره أداة أخلاقية للضغط على النظام، ودفعه نحو التغيير. وفي المقابل، تعيش غزة تحت احتلال عسكري مباشر منذ عقود، تتعرض فيه لحروب دورية مدمّرة، دون أن يقابل ذلك أي حصار حقيقي على الاحتلال الإسرائيلي، بل على العكس، يُكافأ بعد كل حرب بحزم دعم سياسي وعسكري واقتصادي. هذه المفارقة الصارخة لا يمكن فهمها إلا بوصفها تعبيرًا فجًّا عن ازدواجية المعايير في النظام الدولي.
من أجل مستقبل عربي مختلف، فإنني كمحامي وناشط حقوقي أدعو إلى إطلاق سراح جميع معتقلي الرأي في بلداننا العربية ووقف الملاحقات ذات الطبيعة السياسية، وإرساء قضاء مستقل يتحصن بالقانون لا بالتوجيه السياسي، وفتح فضاءات الحوار وبناء توافقات وطنية تستوعب التنوع في الأفكار والانتماءات، وتجريم التحريض على الكراهية والإقصاء، وإعلاء ثقافة الشراكة الوطنية.
قطر التي وقفت وحدها يوم حاصرها القريب، ورفضت أن تركع تحت وطأة الحصار، قدّمت درسًا تاريخيًا في الثبات. لم تنكسر، بل تحولت محنتها إلى منطلق لقيادة دبلوماسية أكثر حضورًا وفاعلية، فصارت مقصداً لكل الأطراف المتنازعة التي تبحث عن صوت عاقل ومساحة حياد إيجابي. واليوم، حين تتعرض لعدوان من الاحتلال الإسرائيلي، فإن هذا الاعتداء ليس على قطر وحدها، بل على منطق العدالة والوساطة وعلى أمل الشعوب في أن يكون هناك من يجرؤ على قول “لا” في زمن المساومات.