تبدو استقالة ستارمر للوهلة الأولى نتيجة مباشرة لتراجع شعبيته، لكنها في الواقع تمثل حصيلة تراكم طويل من الأخطاء السياسية وسوء التقدير الاستراتيجي والعجز عن بناء رواية سياسية متماسكة لحكومته. فخلال فترة حكمه القصيرة، بدا أن الحكومة تنتقل من أزمة إلى أخرى، ومن تراجع إلى آخر، حتى ترسخ لدى الرأي العام انطباع بأنها حكومة تفتقر إلى الاتجاه الواضح.
في ذكرى وفاة العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي (20 ماي 1965 ـ 2025)، تعود إلى الواجهة سيرة أحد أبرز أعلام النهضة الفكرية والإصلاحية في الجزائر والعالم العربي، وأحد الذين حمّلوا الكلمة ثقل المسؤولية التاريخية والأخلاقية. يقول في عبارته الشهيرة: "إنّ بيع القلم واللسان أقبحُ من بيع الجندي لسلاحه"، وهي عبارة تختصر تصورا كاملا لدور المثقف والإعلامي في مواجهة التضليل والانحراف.
تبدو باريس الأكثر وضوحا في التعبير عن الرغبة الأوروبية في تقليص الاعتماد على واشنطن. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا خلال مؤتمر ميونيخ للأمن إلى أن "تعيد أوروبا تصميم أمنها بشكل مستقل"، مؤكدا أن القارة الأوروبية "ستضطر إلى تحديد معاييرها الأمنية بنفسها”. كما شدد على ضرورة بناء “ردع أوروبي متكامل" لمواجهة التحولات الدولية المتسارعة.
على امتداد التاريخ السياسي الأمريكي، ظلّ الدين حاضرا في الخطاب العام، لكن ضمن حدود دقيقة تحكمها فلسفة دستورية واضحة، الدولة محايدة دينيا، والسياسي لا يملك احتكار المقدّس ولا توظيفه لخدمة أجندته. غير أن تجربة دونالد ترمب تمثل، في كثير من جوانبها، انزياحا عن هذا التقليد، عبر تحويل الدين من مرجعية أخلاقية عامة إلى أداة تعبئة سياسية.
بدأت القصة هذه المرة من تحذير أممي لا يترك مجالا للاستخفاف. فقد قدّرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "إسكوا" أن الحرب الجارية ألحقت بالمنطقة العربية خسائر أولية تقارب 63 مليار دولار خلال أسبوعين فقط، أي ما يعادل 1.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي، محذّرة من أن استمرار القتال لشهر واحد قد يرفع الفاتورة إلى نحو 150 مليار دولار، أي 3.7 في المائة من الناتج الإقليمي. والأخطر في التقرير ليس الرقم وحده، بل ما يقوله عن طبيعة الصدمة نفسها، إنها لم تعد مقتصرة على ساحة القتال، بل انتقلت إلى الطاقة والتجارة والطيران والأسواق المالية، بما يجعل الحرب أشبه بزلزال اقتصادي متعدد الارتدادات لا يقف عند حدود الدول المتحاربة.
لم يعد تقرير مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026 مجرد وثيقة تمهيدية لاجتماع سنوي، بل يبدو أقرب إلى محاولة تشخيص سياسي لمرحلة اضطراب عميق يمرّ بها النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. فالتقرير يوحي بأن النظام القائم على القواعد لا يواجه ضغوطا خارجية من قوى صاعدة فحسب، بل يتعرض أيضا لاختبارات من داخل المنظومة التي أسسته. هذا التوصيف، الصادر عن إحدى أبرز المنصات الأمنية في الغرب، يمكن قراءته بوصفه إشارة إلى تنامي القلق داخل النخب الأطلسية من أن مصدر التهديد لم يعد خارجيا بالكامل، بل قد يكون ذاتي المنشأ.
لم يكن اختيار مارك كارني لمنصة منتدى دافوس مجرد تفصيل بروتوكولي. فدافوس هو الفضاء الرمزي الذي لطالما جرى فيه الترويج للنظام الليبرالي الدولي والعولمة المفتوحة وحوكمة الأسواق. أن يقف رئيس وزراء كندا هناك ليعلن أن العالم لا يمر بمرحلة انتقال بل بمرحلة “تمزّق”، وأن النظام الدولي القائم على القواعد يتآكل أمام أعيننا، فذلك يحمل رسالة سياسية مضاعفة: الرسالة لم تكن موجهة لكندا فقط، بل إلى قلب المؤسسة العالمية التي صاغت هذا النظام ودافعت عنه لعقود.
الخطاب الأوروبي في هذا السياق لا يخرج عن الإطار التقليدي لسياسة الاتحاد الخارجية القائمة على "القيم المعيارية"، حيث تُقدَّم حقوق الإنسان باعتبارها مرجعية أساسية لأي علاقة مع الدول الثالثة. غير أن هذا الخطاب، على الرغم من حدّته الأخلاقية، يتجنّب بعناية أي لغة يمكن أن تُفسَّر كدعم مباشر لإسقاط النظام أو تشجيع صريح على العصيان السياسي.
هذا التحول لم يعد محلّ نقاش نظري داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بل أصبح توصيفا رسميا. ففي بيان صادر في 18 يوليو 2025، أكّد الاتحاد أن ما تتعرض له دوله هو "حملات هجينة مستمرة وخبيثة تهدف إلى تقويض الأمن والمرونة والأسس الديمقراطية للاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء". بهذا الوصف، لم تعد الهجمات السيبرانية شأنا تقنيا هامشيا، بل أُدرجت صراحة في قلب التهديد السياسي والاستراتيجي.
تشير هذه الرؤية إلى أن الولايات المتحدة تتجه إلى تركيز جهودها على آسيا، باعتبارها محور التنافس الحاسم. وهذا سيقود على الأرجح إلى تراجع نسبي للدور الأميركي في أوروبا والشرق الأوسط، ما قد يخلق فراغات استراتيجية لن تستطيع القوى المتوسطة ملأها بسهولة.
لم تعد الحرب في أوروبا احتمالا نظريا يُتداول في مراكز الدراسات فقط، بل سيناريو حاضرا في خطابات القادة وخطط الجيوش على حدّ سواء. فبينما تعلن العواصم الأوروبية أنها تستعد للردع لا للمواجهة، يخرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليؤكد أن بلاده "لا تريد الحرب"، لكنها "مستعدة لها بالكامل" إذا فُرضت عليها. هذا التوازي بين نفي النية وتعظيم الجاهزية يلخص بدقة اللحظة الأوروبية الراهنة: لحظة يقف فيها الجميع على حافة الهاوية وهم يرددون أنهم لا يريدون القفز.
تسعى الحكومة من خلال هذه التغييرات إلى تقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية منخفضة المهارة، وتشجيع الشركات على الاستثمار في العمالة المحلية والتقنيات الحديثة. وفي الوقت نفسه، تحاول الاستجابة لقلق جزء من الرأي العام الذي يرى أن ارتفاع أعداد المهاجرين واللاجئين يزيد الضغط على السكن والخدمات الصحية والتعليمية. لكنّ هذه السياسات تثير نقاشًا واسعًا حول تأثيرها الفعلي على القطاعات التي تعتمد تقليديًا على المهاجرين، مثل الرعاية الاجتماعية والمطاعم والنقل.
لا يتعامل الفلسطينيون مع قرارات مجلس الأمن بوصفها نصوصا قانونية مجردة، بل كوقائع قد تعيد تشكيل حياتهم وحدودهم ومستقبل قضيتهم. القرار الأخير المتعلق بغزة تحت عناوين "الاستقرار" و"الإعمار" لم يُستقبل كخطوة تقنية لإنهاء الحرب فحسب، بل كمنعطف يمكن أن يكرّس نمطا جديدا من الوصاية الدولية على جزء حيوي من الجغرافيا الفلسطينية، ويعيد تعريف طبيعة الصراع نفسه.
لقد نجحت الليبرالية في تحرير الإنسان من السلطة، لكنها فشلت في تحريره من العزلة. المواطن الغربي يعيش اليوم أكثر حرية من أي وقت مضى، لكنه أيضا أكثر وحدة وأقل انتماء. الخوف من المستقبل، من التغير، من الآخر، من الفوضى، أصبح هو المحرك الخفي لكل نزعة سلطوية جديدة. تشير دراسة للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن “الخوف من الهجرة” هو العامل الأول الذي يفسر ارتفاع التأييد للأحزاب اليمينية المتطرفة في 14 دولة من أصل 27 داخل الاتحاد الأوروبي. وكلما ازداد الخوف، تضاعفت الرغبة في النظام الصارم والقيادة القوية.
شهدت الساحة الأوروبية في الأسابيع الأخيرة تحولات سياسية لافتة أعادت فتح النقاش حول مستقبل الديمقراطية في الغرب. فقد أظهرت نتائج الانتخابات الهولندية الأخيرة تراجع بعض القوى اليمينية المتطرفة بعد فترة من الصعود السريع، بينما يواصل حزب "البديل من أجل ألمانيا" تعزيز موقعه في استطلاعات الرأي وتوسيع تحالفاته مع قوى قومية في أوروبا الوسطى والشرقية.
فجوة التشغيل بين المهاجرين والمواطنين ما تزال واسعة، إذ تشير دراسة للبرلمان الأوروبي (2024) إلى فارق تشغيل يبلغ نحو 8.6 نقاط مئوية ضدّ المهاجرين حتى بعد ضبط العوامل الفردية، ما يعني أن المشكلة ليست في المهارة فقط، بل في منظومات الإدماج: اللغة، معادلة الشهادات، التمييز، والبيروقراطية البطيئة.