قضايا وآراء

ستون عاما من البناء الأوروبي المشترك

محمد مالكي
1300x600
1300x600
احتفلت سبع وعشرون دولة أوروبية بمرور ستين عاماً على التوقيع على معاهدة روما، المؤسسة للجماعة الاقتصادية الأوروبية، قبل أن تتحول، بمقتضى اتفاقية " ماستريخت" لعام 1993، إلى "اتحاد أوروبي". ففي القاعة ذاتها التي شهدت ميلاد المعاهدة التاريخية في 25 مارس/ آذار 1957، وبالقلم نفسه، تعاقبت الدول الأعضاء في الاتحاد على تجديد التوقيع على المعاهدة المذكورة، ولسان حالها يقول: "نحن متمسكون بالعهد وعلى خطاه نسير".

والواقع أن السياق الراهن لأوروبا، والتطورات التي شهدتها تجربة البناء المشترك، لاسيما بعد خروج بريطانيا، وتنامي نزعات التشكيك في جدوى التجربة الأوروبية برمتها، ضغطت بثقلها على الاحتفاليات المُقامة يوم السبت 25 مارس/ آذار 2017. ففي كلمة استقبال البابا "فرانسيس" لوفود الدول الأعضاء في الاتحاد يوم الجمعة 24 مارس 2017، حذرهم من أن الاتحاد "مهدد بالموت"، إذا لم تُستحضر القيم التي شيد عليها الآباء المؤسسون صرح الفكرة الأوروبية منذ العام 1957، من قبيل قيم "التضامن"، و"التآزر"، والبحث عن المشترك.

لا شك أن تجربة أوروبا في البناء المشترك ـ وهي تُنهي عقدها السادس ـ حُبلى بالخبرات، والإنجازات، والدروس المستفادة، كما أنها مُنطوية على الكثير من  الكبوات، والصعوبات، والتحديات، لكن بمقياس الموازنة بين المكاسب التي جناها الأوروبيون، والانتظارات التي تطلعت إليها شعوبهم ولم تجد طريقها إلى التحقيق، ثمة فارق واضح يلمسه الأوروبيون في معيشهم اليومي، ويدركون أهميته حين يقارنون أنفسهم بفضاءات عز عليها  التقدم ولو رُبع تقدمهم، فالبناء المشترك نقل الفضاء الأوروبي من دائرة جغرافية صغيرة لم تتحاوز عددا محدودا من الدول إلى أوروبا العميقة، أي أوروبا التي تبدأ من الأطلسي وتمتد حتى جبال "الأورال".. هذه هي أوروبا الكامنة في المخيال الجماعي، التي فرقت بين جناحيها رياح الحرب الباردة، وصراع القطبين. ثم إن البناء المشترك ساهم في دمقرطة المجتمعات التي تأخر التحاقها بمسيرة الديمقراطية في أوروبا، كما حصل لدول شبه الجزيرة الإيبيرية أولا (البرتغال، إسبانيا، اليونان)، وبعض بلدان وسط وشرق أوروبيا لاحقا. ثم لم يكن البناء المشترك في مستوى ثالث مرتبطا ببُعده السياسي، أي إشاعة قيم الحرية والديمقراطية والتسامح في ربوع الفضاء الأوروبي، بل تحاوز ذلك إلى ما يهم جوانب عديدة من حياة الإنسان الأوروبي، في الاقتصاد، والتجارة، والاجتماع، والتعليم، والفكر والثقافة.

تكمن قيمة الأوروبيين في قدرتهم على ممارسة النقد، والمراجعة، وإعادة طرح الأسئلة عن كل ما يحيط بحياتهم، ويلف أوضاعهم الفردية والمشتركة، بل سمحت لهم ثقافتهم بعدم الاكتفاء بنقد  الحاضر وحتى هدمه، بل والعمل على إعادة بنائه من جديد. لذلك، كان واضحاً أن يسائل الأوروبيون تجربتهم في البناء المشترك، بعد مرور مدة كافية من الزمن، ويقيموا الإنجازات ، ويسعون إلى تقويم السياسات المشتركة، وإن اقتضى الأمر  منهم استفتاء المجتمعات وطلب رأيها في القضايا المصيرية التي تهم حياتها، كما هو حال البقاء في الاتحاد أو الإنسحاب منه. ونذكر القارئ بأن الطفرات الكبرى في تطور تجربة البناء الأوروبي المشترك، تمت بإستفتاءات عامة، وليس بقرارات إدارية ( الوحدة النقدية، الدستور الأوروبي المشترك)، وأن عنصر المشاركة والرضا والقبول من أوليات البناء الأوروبي المشترك.

جديرة بالإشارة أن التجربة الأوروبية عمل بشري، ساهمت في إبداع رؤيته ومقاصده أسماء يحتفظ لها الأوروبيون في ذاكرتهم بقدر يسير من التقدير والاعتبار، من قبيل "روبير شومان، وجون مونيه، وكونراد أديناور وغيرهم، وكأي عمل بشري لابد أن تعتريه نقائص وفجوات، وقد يتعرض لانتكاسات، لكن العبرة تكمن في تحقيق شرعية الإنجاز، وامتلاك كفاءة وقدرة إعادة تجديد شرعية الإنجاز حين يطالها الوَهن، أو الضعف و سوء التدبير. لذلك، اخترقت الفضاء الأوروبي منذ سنوات موجات من النقاش العمومي، قوامُها الدعوة إلى إصلاح منظومة العمل الأوروبي المشترك، والعمل على خلق توازن رفيع بين السياسات الوطنية والسياسات الجماعية الأوروبية، وعدم تقييد مبادرات وحريات الدول الأعضاء باسم الانتساب إلى الفضاء المشترك، أي الاتحاد الأوروبي، وتخفيق وعقلنة كلفة الانتماء إلى هذا الأخير. ففي هذا السياق، تعالت أصوات الأوروبيين المعترضة على تضخم جسم الإدارة الأوروبية المشتركة (مؤسسات الاتحاد الأوروبي)، وهدر المال العام الجماعي في الإنفاق على عمل هذه الإدارة، كما تولد إحساس شبه جماعي بخروج  قرارات الدول من أيدي المجتمعات الوطنية، نظير تغول قرارات الاتحاد وهيمنة مؤسساته الإدارية.. فالاتحاد إذن في حاجة ماسة إلى الإصلاح من أجل البقاء والاستمرار.
 
وفق اتجاه هذا التحليل، يمكن فهم لماذ صوت جزء من البريطانيين على الخروج من الإتحاد الأوروبي، وقد تحذو حذوه دول أخرى، أو على الأقل قد يحفز قرار الإنسحاب على التفكير في المسار نفسه، لاسيما مع تصاعد النزعات الوطنية الضيقة في الكثير من البلدان الأوروبية.. فالإصلاح ضرورة ملحة، لكن لا يبدو أن ثمة شروطا ميسرة في الزمن القريب، دليلُنا في ذلك أن محوري الاتحاد الأوروبي، أي ألمانيا وفرنسا، يعيشان ظروفا انتخابية لا تسمح لهما بإيلاء الأولوية اللازمة لقضية إصلاح مؤسسات الاتحاد الأوروبي، فالاقتراع الرئاسي الفرنسي على الأبواب ( أبريل/مايو2017)، والانتخابات العامة في ألمانيا بعد ستة أشهر.
التعليقات (0)