قضايا وآراء

أفول الزعامات في فرنسا

محمد مالكي
1300x600
1300x600
لم يعد الفرنسيون يترددون في الاعتراف بأن حياتهم السياسية فقدت بالتدريج زعاماتها الكبرى، أي قاماتها السياسية، التي ظلت تمُد مشهدها السياسي بأسماء وازنة وذات قيمة معنوية كبيرة، سواء في عائلة اليمين ووسطه، أو في بيت اليسار بكل ألوانه وأطيافه. ومن يتابع ما يجري في فرنسا، يلاحظ أن آخر هذه الزعامات كان الرئيس الأسبق "جاك شيراك"، الذي غادر الحياة السياسية منذ أن تولى وزيره في الداخلية "نيكولا ساركوزي" السلطة في انتخابات عام 2007، كما كان "فرانسوا ميتران" آخر عمالقة الاشتراكيين واليساريين قبل أن ينهي ولايته الثانية سنة 1995. فهل تعيش فرنسا أفول ظاهرة "الزعامات السياسية"، أم أن تحولات جوهرية تخترق مجالها السياسي، لتفسح المجال لأجيال جديدة من النخب، ذات الخلفيات التعليمية، والمسارات السياسية، المختلفة عن تلك التي سبقتها؟

لا شك أن أسماء من عيار الديغولي "جاك شيراك"، أو الاشتراكي "فرانسوا ميتران"، لم تعد موجودة في فرنسا، وأن الرؤساء الذين خلفوا هذه الأسماء مثل "ساركوزي" أو "فرانسوا هولاند" لم تشكل نموذجا مماثلا للزعامات التي قادت فرنسا في السابق، سواء من حيث "الكاريزما"، أو من خلال الأداء الرئاسي داخليا وعلى المستوى الدولي. لهذه الأسباب يعيش الفرنسيون، وهم يقتربون من الاستحقاق الرئاسي المزمع تنظيمه شهري أبريل ومايو 2017، نوعا من الارتباك والحيرة، وتخترقهم العديد من الأسئلة حول مآلات الشأن السياسي في بلدهم، الذي اعتادوا على الافتخار به، والاعتزاز بنوعية نقاشاته السياسية وتنافسية برامجه الانتخابية. بل إن بعضهم اعتمد السخرية السياسية وسيلة للتعبير عن التذمر من هذا الوضع، حين فتحوا عريضة للتوقيع من أجل مطالبة الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" الترشح في فرنسا من أجل الانتخاب الرئاسي المقبل!!

لننظر في خلفيات بعض المرشحين حاليا للانتخابات المقبلة، لنرى طبيعة قاماتهم السياسية، ومدى قُدراتهم على إقناع الجسم الانتخابي الفرنسي بقبولهم والتصويت عليهم. فعلى رأس القائمة الاشتراكية وممثلي تنظيم "الخضر" Ecologistes، نجد "بنوا هامون"Benoit Hamon، ابن الستينيات (1967)، التحق بصفوف الحزب الاشتراكي وهو شاب لم يكمل العشرين من عمره عام 1986، ليصبح رئيسا لحركة الشبيبة الاشتراكية سنة 1995، أي نهاية الولاية الثانية لفرانسوا ميتران. وقد تقلب بين العضوية في البرلمان الأوروبي (2004 ـ 2009)، ونائب عن المقاطعة الحادية عشرة في باريس لأقل من ثلاث سنوات (2014)، ووزير للتربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي. أما "فرانسوا بيرو" Francois Bayrou، ممثل حركة الخضر، الذي تنازل لبنوا هامون في الاقتراع المقبل، فعلى الرغم من كونه يكبره سنا (من مواليد 1951)، فإنه يفوقه أيضا تجربة، حيث كان نائبا في البرلمان عدة مرات، وعضوا في الحكومة، وممثلا في البرلمان الأوروبي، وزعيما لحركة "الديمقراطيين الاجتماعيين". أما النموذج الثالث فيمثله "إمنويل ماكرون" Emannuel Macron، الأصغر سنا في قائمة كل المرشحين (من مواليد 1977)، وقد كان وزيرا للاقتصاد للرئيس الحالي "فرانسوا هولاند"، قبل أن يخرج من حكومته، ويعلن ترشحه للرئاسيات المقبلة. وهو بالنسبة للكثير من مناصريه يمثل صورة الجيل الجديد من النخب الصاعدة في فرنسا.

لعل ما يدور بداخل النقاشات الجارية في فرنسا، أن أفول الزعامات السياسية، وتراجع قوة المرجعيات التي أطرت الحياة السياسية في فرنسا لعدة عقود، كانت من نتائجهما تراجع الخطابات السياسية، وانحراف التنافس من تنافس حول البرامج والاستراتيجيات والرؤى المتناظرة إلى تصارع الأشخاص، وتنازع الأفراد، وقد ترتب عن هذا المنحى حصول حيرة وارتباك للكثير من الفرنسيين، وانقسامهم حول من سيحظى بقبولهم والتصويت عليهم، وربما قد يذكي  هذا الاتجاه في السياسة الفرنسية إلى توسيع دائرة العزوف السياسي، وانخفاض معدلات المشاركة في الاقتراع المقبل. والواقع أن استطلاعات الرأي لم تتردد في التنبيه إلى هذا المنحى في سلوك الجسم الانتخابي الفرنسي.

فلو أمعنا النظر في ما يعتمل الآن داخل المجتمع الفرنسي ومواطنو هذا البلد لا تفصلهم عن الاقتراع المقبل أكثر من شهرين، سنلمس فعلا مظاهر هذه الحيرة وهذا الارتباك، في تصريحات الناس ومناقشات المحللين والخبراء، وبيانات بعض الأحزاب. لذلك، ذهب الكثيرون إلى أن فرنسا تجتاز اليوم أزمة شرعية، وأزمة تمثيلية ووساطة، لأن المعبرين عن الشرعية والتمثيلية والوساطة ليسوا واضحين ومقنعين بما يكفي للمواطن الفرنسي، وهم أنفسهم ليسوا قادرين على إقناع  الفرنسيين بـأفكارهم وبرامجهم، وبما يتطلعون إلى إنجازه.. لنذكر القارئ الكريم فقط بأن الفرنسيين قبل أن يصلوا إلى اقتراع شهري أبريل ومايو المقبلين، صوتوا في الانتخابات التمهيدية أكثر من مرة في الانتخابات التمهيدية، سواء داخل اليمين ووسط اليمين، أو داخل اليسار والخضر.

كيف ستنتهي الانتخابات الرئاسية المقبلة في فرنسا، لا توجد إجابات قاطعة وقطعية، كما كان الأمر سابقا في زمن الزعامات السياسية، هناك، بالمقابل توقعات وتخمينات مفتوحة على الاحتمال، ما هو مؤكد لدى الفرنسيين أن اليمين المتطرف لن يكون له حظ للفوز بالإقتراع الرئاسي المقبل، وإذا حصل ذلك سيكون كارثة في تاريخ السياسة في فرنسا، وهذا ما تعمل كل القوى الفرنسية على تجني الوقوع فيه. 
التعليقات (0)